Switch Mode

لعبة الخلود | الفصل 9

كان قصر أستورايت غارقًا في فوضى غير مألوفة. الأوامر تتناثر في الأرجاء، والخدم يتحركون بعجلة مرتبكة، كل ذلك تحت إشراف سيليا التي كانت تحاول بكل جهدها تنظيم الأمور، لكن الموقف بدا أكبر منها، وكأن النظام نفسه قد قرر أن يتنحى جانبًا.

وقفت أراقب المشهد بصمت، ثم تنهدت بملل، عيناي تتبعان سيليا وهي تتنقل بتوتر واضح. كانت تتحرك كمن يحمل العالم فوق كتفيه، وهذا مفهوم تمامًا… فهي الأم في نهاية المطاف، ومن الطبيعي أن تشعر بهذا القدر من التوتر.

قلت بهدوء، محاولًا التخفيف عنها:
“سيليا، لا داعي لكل هذا العناء.”

استدارت نحوي بعينين متعبتين، وقد انعكست فيهما خيوط القلق أكثر من أي وقت مضى، ثم انفجرت قائلة:

“اصمت! أنت تأكل جيدًا هذه الفترة، لكن جسدك ليس قويًا كما تعتقد. وأنا… أنا أم سيئة، أليس كذلك؟ كيف لي أن أترك ابني يذهب إلى مكان يعج بالخطر؟ أي أم في العالم تفعل ذلك؟”

كانت كلماتها تنزف ألماً أكثر من كونها اتهامًا. لم تكن تلومني بقدر ما كانت تغرق في صراعها الداخلي، بين الحب والخوف، بين الواجب والرغبة في الحماية.

ابتسمت لها ابتسامة هادئة، تحمل ما استطاعت من طمأنينة وسط العاصفة التي تعصف بقلبها، ثم قلت بصوت منخفض، وكأنني أعدها وعدًا لا رجعة فيه:

“لا تقلقي… أخبرتك أنني سأعود بخير.”

كلماتي لم تكن مجرد محاولة للتخفيف، بل كانت إيمانًا عميقًا يطفو وسط شكوكها، رغم أن عينيها المرتجفتين لم تستطع أن تصدقه تمامًا.

ارتمت في حضني فجأة، وذراعاها تطوقانني بقوة كأنها تخشى أن أفلت منها في أي لحظة. دموعها انهمرت بصمت، ثقيلة ومليئة بالخوف، كأن قلبها ينهار بصوت لا يُسمع.

همست بين شهقاتها المرتجفة:
“أنا أثق بك، عزيزي.”

لكنني أدركت في اللحظة ذاتها… تلك الكلمات لم تكن لي. تلك الثقة، بكل عمقها وحرارتها، كانت موجهة إلى كايل، لا إلى من يقف أمامها الآن.

مددت يدي وربّتُّ على رأسها بخفة، ليس لأنني كنت واثقًا مما أفعل، بل لأنني لم أجد كلمات تكفي لمواساتها، ولا طريقة حقيقية لانتشالها من دوامة الخوف التي ابتلعتها.

دخل أندرو بهدوء، كعادته، صوته منخفض لكنه واضح، يحمل نبرة الاحترام والصرامة المعتادة:

“اللورد أستورايت، كل شيء جاهز لرحلة السيد الشاب كايل.”

شعرت بذراعيها تفلتان من حولي ببطء، ثم ابتعدت عني وهي تمسح دموعها سريعًا، كمن يحاول إخفاء ألم لا وقت له الآن. اعتدلت في وقفتها، وعادت تلك الصلابة المعتادة إلى ملامحها، ثم سارت نحو أندرو بخطى ثابتة.

سألت بصوت أقرب إلى القلق منه إلى الأوامر:

“حسنًا… هل تأكدت من أن الطعام يكفي لرحلته؟ والأسلحة التي سيأخذها معه؟”

“حسنًا… دعونا نذهب إلى المكان الذي سيغادر منه كايل إلى رحلته،”

قالتها بصوت خافت وهي تلقي علي نظرة قصيرة، نظرة متعبة واهنة، سرعان ما بدّلتها بقناع من الصلابة. نظرة القوة تلك لم تخفِ عني شيئًا، بل أكدت أنها تحاول جاهدًة ألا تنهار أمامي.

سارت أمامنا، أنا وأندرو، بخطى أسرع مما توقعت، وكأنها تهرب من ضعفها… أو مني.

لم أقل شيئًا، فقط تبعتها بصمت.

حين خرجنا من القصر، كانت العربة بانتظارنا. لم تكن فاخرة ولا بسيطة تمامًا، أشبه بمزيج غريب بين العصور، تحتفظ بجمالٍ قديم وتحمل لمحات من حداثة خجولة. لكنها لم تكن مميزة بشيء يُذكر… مجرد وسيلة للوصول إلى الوداع.

جلست في مقعدي بهدوء، والصمت كان كفيلاً بخلق ثقل غريب في الأجواء. سيليا لم تنطق بكلمة منذ أن تحركت العربة، وقد بدا عليها أنها غارقة في أفكارها، تقاتل شعورًا لا يمكن الهرب منه. أما أندرو، فقد اختار الجلوس بجانب السائق، كعادته حين يشعر بأن وجوده داخل العربة ليس ضروريًا.

كنت أحدّق من النافذة، أراقب العالم الذي يمرّ من حولي ببطء. الطبيعة البكر، والمدن التي تحمل طابعًا يمزج بين عراقة العصور الوسطى ولمسات خجولة من العصر الحديث… مزيج فريد لطالما أحببته في هذه اللعبة.

صوت سيليا قطع شرودي فجأة، صوت منخفض لكنه محمّل بثقل لم يُخفَ عني:

“يجب أن نخرج من العربة… لقد وصلنا.”

قالتها وهي تنظر نحوي بعينين حاولت فيهما إخفاء كل شيء، لكنها لم تنجح. خلف نظرتها كانت هناك غيوم من الحزن، صامتة، لكنها حاضرة بقوة لا يمكن إنكارها.

“حسنًا،”

تمتمت بها بصوت خافت وأنا أفتح باب العربة وأخطو إلى الخارج.

تبعَتني سيليا بعد لحظات، وخطت برفق بمساعدة أندرو الذي مدّ لها يده، محافظًا على هدوئه المعتاد. كانت خطواتها بطيئة، كأنها تتمنى أن تطول المسافة قبل لحظة الوداع.

بمجرد أن وطأت أقدامنا الأرض، شعرت بتلك النظرات. عيون كثيرة كانت تتبعنا بصمت، بعضها فضولي، وبعضها يحمل شيئًا من التحدي، لكن في النهاية… كلها كانت عليّ. وهذا ما لم أحبه قط. لم أكن يومًا ممن يرغبون بالأنظار أو الترقب، ولا أن أكون في مركز لحظة مملوءة بهذا القدر من الثقل.

لكن لم يكن هناك مجال للهرب. كل شيء كان يحدث بالفعل، كما لو أن المشهد قد كُتب مسبقًا، وما عليّ سوى أداء دوري فيه.

تسللت ابتسامة خفيفة إلى وجهي، لا أعرف إن كانت سخرية من الموقف، أم محاولة يائسة لكسر التوتر. وضعت يدي في جيبي وسرت بخطى هادئة نحو المدخل، إلى جانب اللورد سيليا التي كانت تمشي بثبات مهيب، رغم كل ما يخالجها من ألم.

كل من رآها على الطريق انحنى باحترام. لم تكن بحاجة لكلمات، فمكانتها وحدها كانت تكفي لفرض الهيبة. وأنا، فقط سرت بصمت، أراقب كل ذلك وأدرك أكثر فأكثر ثقل ما أُقدم عليه.

عندما وصلنا إلى تلك الغرفة، توقفنا. كان الباب مغلقًا، لكنه لم يكن يحتاج إلى أن يُفتح لأشعر بما خلفه. هالة قوية من المانا تسربت من داخله، كأن الغرفة نفسها كانت تتنفس طاقة قديمة، عميقة، تكاد تلامس الروح.

تقدَّم رئيس الخدم أندرو بخطوات واثقة، ثم طرق الباب بهدوء يحاكي احترامه للمكان ومن فيه. لم يمضِ وقت طويل حتى جاء الرد من خلف الباب، بصوت هادئ رزين:

“تفضل.”

فتح أندرو الباب بخفة، فانفتح المشهد أمامي دفعة واحدة.

وقعت عيناي مباشرة على الرجل الواقف هناك… رجل يحمل ملامح أستورايت بكل وضوح.

عيناه الذهبيتان تلمعان بثبات ونفاذ، وشعره الأسود ينسدل بانسيابية خفيفة فوق كتفيه. كان واقفًا بهالة لا تخطئها العين، هالة لا تشبه سواه، وكأن المانا التي شعرت بها قبل قليل كانت امتدادًا طبيعيًا لوجوده.

ابتسم الرجل، وارتسم على وجهه هدوء دافئ لا يخلو من الاحترام. ثم قال بصوت يحمل نبرة ودّ خفي:

“أوه، إنها ابنة عمي… اللورد سيليا،”

“مرحبًا بك.”

قالها وهو ينحني قليلًا بانحناءة قصيرة لكنها أنيقة، فيها من الاحترام ما يكفي ليُظهر مكانتها، ومن الود ما يكفي ليكسر جليد الموقف.

سيليا لم ترد على الفور، فقط اكتفت بإيماءة خفيفة برأسها، نظرتها ثابتة لكنها مغمورة بشيء من الحذر الصامت. أما أنا، فكنت أراقب بصمت، أحاول أن أستوعب طبيعة هذا اللقاء الذي بدا وكأن له تاريخًا لا أعرفه بعد.

تحولت نظراته نحوي، تثبتت بعينيّ لثوانٍ، ثم قال بنبرة هادئة، دون أن يشيح ببصره عني:

“هل هذا كايل، ابنكِ يا سيليا؟”

رغم أن عينيه كانت علي، إلا أن السؤال وُجّه للورد سيليا، وكأنه يطلب تأكيدًا رسميًا لا أكثر.

أجابت بصوت مختصر، خالٍ من الانفعال:
“أجل، إنه هو يا غيلبارت.”

اتسعت ابتسامته على الفور، وتقدم نحوي بخطوات واثقة، مدّ يده نحوي للمصافحة، وهو يقول بنبرة مرحة دون تكلّف:

“مرحبًا بولد ابنة عمي.”

ترددت للحظة، لا لسبب واضح، ربما فقط لأني لم أعتد هذا النوع من اللقاءات. ثم مددت يدي وصافحته، محاولًا مجاراة ابتسامته بابتسامة خفيفة ارتسمت على وجهي:

“مرحبًا بك… أنت إذًا ابن عم أمي غيلبارت ، كما يبدو.”

أنهينا المصافحة، فخفض يده بهدوء، ثم التفت مجددًا نحو سيليا، وكأن وجودي هنا كان مجرد خطوة أولى في سلسلة أسئلة لم تنتهِ بعد.

حدّق فيها للحظة، ثم قال بنبرة مزيجها بين الدعابة والاستغراب:

“وماذا تفعلين هنا إذًا، لورد أستورايت؟”

كانت كلماته خفيفة الظل، لكن خلفها تساؤل حقيقي. لم يكن يتوقع رؤيتها هنا، أو ربما لم يكن يظن أنها سترافقني حتى هذا الحد. بدا وكأنه يعرفها بما يكفي ليشعر أن وجودها لم يكن مجرد إجراء بروتوكولي.

“أتيت إلى هنا من أجل فتح بوابة توصل إلى جزر أراكس.”

قالتها سيليا بهدوء، لكن في صوتها شيء خفي… وكأنها كانت تتوقع ردة فعل مفاجئة.

وفعلًا، اتسعت عيناه في اللحظة التالية، كما لو أن الاسم وحده أيقظ في داخله الكثير. حدّق بها بدهشة واضحة، ثم سأل بنبرة لم تخفِ توتره:

“ولماذا… تريدين فعل شيء كهذا؟”

صمتٌ قصير خيّم على الغرفة. بدت سيليا وكأنها تبحث عن كلمات مناسبة، لكن حين نطقت، لم تنظر إليه… كأن عينيه كانتا حملًا أثقل من أن تواجهه:

“لأن كايل… يريد الذهاب إلى هناك.”

“وماذا تريد أن تفعل هناك؟”

سألني بنبرة أكثر جدية، وقد ثبت عينيه عليّ، كأنه يحاول قراءة ما خلف كلماتي قبل أن أنطق بها.

أجبت دون تردد، وأنا أضع يدي في جيبي وأشيح بنظري بعيدًا عن سيليا، التي كنت أشعر بنظراتها الثقيلة عليّ كل بضع لحظات:

“لا شيء مهم… أريد القتال فقط، وجعل نفسي أقوى.”

كانت كلماتي بسيطة، لكنني قللت من وزنها عمدًا. لم أرد أن أتحدث كثيرًا، ولا أن أبرر شيئًا. أردت فقط أن أنهي هذا الجزء من الحديث بسرعة… دون الحاجة لشرح ما لا أستطيع حتى أنا تفسيره بالكامل.

ساد الصمت للحظة، صمت مشبع بأفكار غير منطوقة وتردد خفي، كأن الجميع كان ينتظر كيف سيتلقى الرجل إجابتي.

لكن فجأة، ابتسم، ابتسامة هادئة تحمل شيئًا من التفهّم وشيئًا آخر لم أستطع قراءته تمامًا، ثم قال بصوته الرزين:

“حسنًا… إن كان هذا ما تريده، سأفتح لك بوابة.”

كلماته نزلت كقرار قاطع، لا جدال فيه. ومع أنها جاءت بسهولة، إلا أنني شعرت أن ما وراءها لم يكن بتلك البساطة.

“اتبعوني.”
قالها غيلبارت ببساطة وهو يغادر الغرفة، فتبعناه دون أي كلمات إضافية.

سرنا خلفه في ممر طويل ينبض بالحياة، كان مزدحمًا بالناس. بعضهم يتدرب على القتال، آخرون جالسون في أماكنهم يراقبون بصمت أو يتبادلون الأحاديث. الأجواء بدت مألوفة له، لكن غريبة عني… هذا المكان لم يكن مجرد قاعة، بل كان مركز يضم أفراد العائلات الفرعية من آل أستورايت.

كانت العيون تتجه نحوي أينما مشيت. نظراتهم حملت طبقات مختلفة: بعضهم كان يحدّق بفضول، والبعض الآخر بشيء خافت من الغيرة أو الحذر. أما نظرات الفتيات، فبدت مختلفة… كنّ متفاجآت، لكنني لم أستطع فهم السبب. هل كان لأنني جديد؟ أم لأنني أنتمي مباشرة لفرع سيليا؟

سرت بجانب غيلبارت الذي بدا واثقًا في كل خطوة، وعلى جانبي الآخر كانت سيليا تسير بصمت، لكنني كنت أشعر بتوترها.

توقفنا أمام بوابة ضخمة، ذات تصميم يشي بالقِدم والقوة، وقفت أمامها فتاتان تبدوان كأنهما توأم… الملامح تكاد تكون مطابقة، إلا أن الفرق الوحيد كان في لون الشعر: واحدة ذات شعر أسود، والأخرى أبيض نقي.

وما إن رأتا السيد غيلبارت حتى انحنيتا باحترام، وقالتا بصوت واحد:

“مرحبا بكم”

“افتحا لنا البوابة.”

قالها غيلبارت بهدوء، لكن صوته حمل نبرة لا تحتمل التأخير. كانت كلماته أشبه بأمر اعتاد الجميع تنفيذه دون نقاش.

انحنت الفتاتان التوأم بإيماءة خفيفة، ثم رفعت كل منهما يدها نحو البوابة، وفي لحظة بدأت رموز غريبة تتوهج بعد لحظات تكلمت الفتاتان

“تفضلوا من هنا.”

فتحَت الفتاتان البوابة الضخمة بكل هدوء، ومع صوت الحديد وهو يتحرك بثقل، دخلنا إلى قاعة أكبر، مختلفة عن كل ما سبقها. وما إن عبرنا العتبة حتى أغلقتا الباب خلفنا بصمت.

استدار غيلبارت نحوي، حدّق في وجهي للحظة، ثم سأل بنبرة أكثر جدية، دون أي محاولة لإخفاء قلقه:

“هل أنت جاد في قرارك هذا؟”

أجبته ببرود، نبرة صوتي كانت هادئة، لكن ثابتة:

“أجل، أنا جاد.”

نقل بصره إلى سيليا للحظة، وكأنه يبحث عن اعتراض أو تردد في عينيها، ثم أعاد النظر إلي، وقال بنبرة حملت في طياتها سخرية واضحة، وكأنه يحاول دفع مشاعري إلى الحافة:

“حسنًا إذن… بما أنك لست مهتمًا بأن تفقدك والدتك مرة أخرى.”

كانت كلماته مدروسة، مصممة لتجعلني أتراجع، لكنها لم تخترق يقيني. فهمت قصده جيدًا، وتجاوزت السخرية لأردّ بثقة، دون أن أتردد:

“أنا لست مهتمًا، لأنني وعدتها أنني سأعود… واللورد أستورايت تثق بي.”

توقفت للحظة، نظرت في عينيه مباشرة، ثم أضفت بصوت أكثر حزمًا:

“وهذا يكفيني.”

“حسنًا، فهمتك…”

قال الرجل غيلبارت بنبرة حاسمة، ثم أشار بيده:

“ابتعدوا قليلاً كي أفتح البوابة.”

تراجعنا كما طلب، بضع خطوات فقط، لكنها بدت كأنها تُبعدنا عن نقطة فاصلة بين عالمين. سيليا كانت ملتصقة بي، كتفها يلامس كتفي، ويديها تقبض على ثوبها بتوتر واضح، وكأنها تحاول التمسك بي قبل أن تختطفني البوابة.

أدرت وجهي نحوها وابتسمت، محاولة لطمأنتها:

“هذا يكفي، سيليا… ألا تثقين بولدك؟”

نظرت إليّ بعينيها الحزينتين، النظرة ذاتها التي طالما كانت تحمل كل شيء: خوف، حب، وتوسّل صامت ألا أرحل. لم تنطق بكلمة، لكنها قالت كل شيء من خلال عينيها.

نظرت إليها للمرة الأخيرة… ثم أعدت بصري نحو البوابة.

وبينما كانت تُفتح أمامي ببطء، شعرت بتلك الهالة… المانا التي انبعثت من الداخل كانت كثيفة، جارحة، تكاد تُخترق الجسد قبل أن تخترق المكان.

اتسعت عيناي من دون وعي…
كان ذلك الشعور حقيقيًا. شعور بالفُتك… وبأن ما خلف هذه البوابة، لا يشبه شيئًا عرفته من قبل

أنهى الرجل صياغة التعاويذ الأخيرة، فانبعث نور خافت من أطراف البوابة، يحيط بها كستار من طاقة شفافة تتوهج بهدوء، ثم قال بصوت مطمئن:

“ها هي البوابة جاهزة… ولا تقلق، لن تدخل الوحوش. فهي محمية بسحر يفصل تمامًا بين جزر أراكس وهذا العالم.”

أومأت بصمت، ثم تقدّمت نحو البوابة دون أن أقول شيئًا. كل خطوة كانت أثقل من التي قبلها، لكنّها أيضًا كانت أكثر حسمًا.

“توقّف!”

تجمدتُ في مكاني عندما سمعت صوت سيليا يناديني، استدرت ببطء… وما إن التقت أعيننا حتى اندفعت نحوي بسرعة، لترتمي في حضني وتجهش بالبكاء، كأنها كانت تحبس كل ذلك في صدرها طوال الوقت.

“من فضلك… من فضلك عد بخير…”

قالتها بصوت مرتجف، تشبثت بي كأنها تخشى أن تختطفني البوابة قبل أن تنتهي كلماتها.

تجمّدت للحظة، لا أعرف كيف أواسيها، ثم ببطء، مددت يدي وربّتُ على رأسها فهو الشيء الوحيد الذي أجيده، بصوت مملوء بتلك اللامبالاة التي أخفي بها ضعفي:

“حسنًا… كم مرة تريدين مني أن أعدك بذلك؟”

ثم رفعت رأسها، ومسحت دموعها بسرعة، وأخرجت من بين ثيابها قلادة صغيرة، ناولتني إياها:

“خذ هذه القلادة… ستمنحك بعض الحماية على الأقل.”

وقبل أن أنطق، التفتت نحو الخادم الواقف بالقرب من الباب:

“وأنت يا أندرو… هل جلبت السوار الذي طلبت منك جلبه؟”

أندرو، كما لو أنه كان ينتظر هذه اللحظة، انحنى باحترام وقال:

“أجل، سيدتي… تفضلي.”

أخذت سيليا السوار من يد أندرو بنفسها، وكأنها لا تريد أن تترك أي تفصيلة للعشوائية في هذه اللحظة. تقدمت نحوي بخطى هادئة، كانت تمسك بالسوار وكأنه شيء ثمين لا يُقدّر بثمن.

“اركض كما تشاء، قاتل كما تحب، لكن على الأقل… دعني أجهزك كما يليق.”

رفعت يدي برفق، فمدّت هي يدها الأخرى بثبات، وبدأت تثبت السوار حول معصمي بنفسها. كانت حركتها بطيئة، دقيقة، كما لو أنها تحاول أن تحفر لمستها في جلدي قبل أن أرحل.

عندما انتهت، نظرت إلى السوار، ثم إليّ، وقالت:

“به كل ما قد تحتاجه… طعام، شراب، وقوارير من اكسير الشفاء. فقط… لا تجعلني أندم لأنني سمحت لك بالذهاب.”

لم أجب، فقط نظرت إليها لحظة، ثم إلى البوابة التي تنتظرني بصمت، متوهجة بهالة غامضة من المانا، كأنها فم مفتوح لعالم لا يشبه شيئًا من الذي عرفته من قبل.

نظرت إليها مجددًا… إلى سيليا، التي وقفت هناك، تراقبني بعينين امتلأتا بكل شيء لم يُقال.

ثم بدأت أتحرك. خطوة بخطوة نحو البوابة.
وقبل أن أعبر، قلت، دون أن أستدير لرؤيتها:

“حسنًا… كما تريدين، أيتها اللورد.”

كلماتي خرجت بهدوء، تحمل ما بين السطور من امتنان، ومرارة، ووعد… وعد سيبقى معلقًا حتى أعود.

دخلت البوابة.

في اللحظة التي خطوت فيها داخلها، انغلق العالم من حولي.
لم أعد أرى شيئًا. لا سيليا، لا أندرو، لا القاعة، ولا حتى الضوء الذي عبرت خلاله.
كل شيء اختفى، كأنني قُطِعت عن كل ما كان.

لم أرَ ما حصل بعد ذلك،
لم أشهد دموع سيليا وهي تبدأ بالبكاء مجددًا،
ولا كيف أغمضت عينيها بقوة، تحاول أن تحبس دموعًا لا فائدة من كتمانها.
لم أسمع صوت أندرو وهو يهمس بخفوت،
ولا خطواتهم البطيئة وهم يغادرون القاعة التي صارت فارغة من كل شيء…
إلا من أثر.

كل ما عرفتُه في تلك اللحظة…
هو أنني بدأت رحلة لا تشبه أي شيء عرفته من قبل.
رحلة لن تعود بي كما كنت.

لعبة الخلود

لعبة الخلود

Game Of Immortality
الحالة: Ongoing النوع: المؤلف: اللغة الأصلية: العربية
عِش ما تريد، وتمنَّ ما تشاء، لكن لا تنسَ أن تضع حدًا لأمنياتك... فقد يأتي يوم تتحقق فيه بطريقة لم تكن تحلم بها، وحينها ستدرك كم كنتَ أحمقًا. كنتُ أحد أولئك القلائل مهووسون بألعاب الفيديو، أعيش بين الشاشات، وأحلم بأن أكون جزءًا من العوالم الرقمية التي كنت أغرق فيها لساعات. لم أكن أريد أن أكون البطل النبيل الذي يبكي كالطفل عند أول خسارة، أو ذاك الذي يحمل شعارات العدالة وهو بالكاد يستطيع حماية نفسه. لا، كنتُ أريد أن أكون الشرير—ذلك الذي يفرض هيبته، تتزلزل الأرض تحت قدميه، ويمتلك قوة تفوق بطل اللعبة ذاته. في يوم مشؤوم ، لم أستيقظ في سريري كالمعتاد، بل داخل إحدى الألعاب التي كنت أعشقها حتى الهوس. كل شيء كان مألوفًا، من المدن الشاهقة إلى الشخصيات التي حفظت حواراتها عن ظهر قلب... لكن هناك مشكلة، مشكلة لم تكن في الحسبان—لم أتجسد في جسد ذلك الشرير الأسطوري الذي كنت أتخيله، بل في جسد أكثر شخصية كرهتها على الإطلاق... بطل اللعبة "كايل استورايت".   الآن، وأنا عالق في هذا الدور الذي طالما سخرت منه، محاط بالأعداء الذين لطالما تمنيت أن أكون واحدًا منهم، أدركت حقيقة لم أفكر فيها أبدًا: ربما كان للأبطال سبب يجعلهم يقاتلون، وربما لم يكن الأشرار بتلك العظمة التي تخيلتها... أو ربما، فقط ربما، لم يكن هذا مجرد "لعبة ".

تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الإعدادات

لا يعمل مع الوضع الداكن
إعادة تعيين