ومع ذلك، كنت عازمًا على المحاولة.
نظرت إليها، كانت ملامحها مرهقة، وعلى وجهها ارتسمت ابتسامة خفيفة، ربما لأنها المرة الأولى التي أزورها فيها داخل مكتبها، رغم كل شيء. كان واضحًا أنها منشغلة، متعبة، لكنها حاولت إخفاء ذلك بابتسامتها المتماسكة.
همست، بصوتٍ منخفض:
“سيليا…”
رفعت نظرها إليّ فورًا، ونبرة حنانها لم تتغير:
“نعم، عزيزي… تكلم، أنا أستمع.”
أخذت نفسًا عميقًا. للحظة شعرت بثقل الهواء من حولي، ثم قلتها دون تردد:
“أريد الذهاب إلى جزر أراكس.”
في لحظة، تغيّرت ملامح وجهها. اتسعت عيناها بدهشة صامتة، ثم نهضت من كرسيها فجأة، والصدمة تسبق كلماتها:
“ماذا تقول؟! بالطبع لا! لن أجعلك تذهب… لن تغادر القصر مرة أخرى، مهما حصل.”
تقدّمت نحوي خطوة، وعيناها تلمعان بدموع قاومت كثيرًا لتمنعها من السقوط، لكن صوتها جاء متكسّرًا، يحمل بين نبراته خوفًا دفينًا وألمًا لم يندمل:
“لن أدعك تذهب للموت بقدميك… لن تغادرني مرة أخرى.”
كانت الكلمات كالسكاكين، تنغرس في صدري واحدة تلو الأخرى. لم تكن مجرد رفض، بل توسّل خافت، وارتجاف امرأة عانت الفقد مرة، وترفض أن تختبره من جديد.
نظرت إليها، وسكون ثقيل خيّم بيننا. لم أعرف ما إذا كان قلبي يخذلني، أم أن قراري أقسى مما تصورت. لكنها كانت هناك… واقفة أمامي، كحاجز من الذكريات والدموع، تمنعني من المضي في طريقٍ قد لا عودة منه.
تقدّمت منها، وقد تشابكت قبضتاي في لحظة توتر، ثم ما لبثتا أن ارتختا. وضعت يدي على كتفيها برفق، وكأنني أبحث عن ثباتٍ ما… ثم، خرج صوتي متردّدًا، مكسورًا، وكأن الحروف تخشى أن تؤذيها:
“إن وعدتكِ… بأنني سأعود بخير … يا أمي.”
رسمت على وجهي ابتسامة متعبة، مجرد ظل لما أشعر به في الداخل، وأنا أراقب ردة فعلها. رأيت الدهشة تتسلل إلى عينيها، كأنها تسمع الكلمة للمرة الأولى…
أدركت حينها أن نداءً واحدًا حرك بداخلها كل ما كانت تخفيه. لم تكن فقط مصدومة من طلبي، بل من الكلمة التي لطالما انتظرتها ولم تسمعها. ظننت للحظة أنني أحرزت خطوة… أنني اقتربت من نيل موافقتها.
لكن في داخلي، تسلل شعور غريب… لم يكن انتصارًا. بل ندمًا.
لم أكن صادقًا. استخدمت تلك الكلمة… تلك الرابطة التي لا تُمس، فقط لأصل إلى غايتي. لم أفعلها حبًا… بل خداعًا.
ولسببٍ لا أفهمه… شعرت بأن شيئًا في قلبي انكسر.
أخرجتني من دوامة أفكاري بلمسة دافئة على خدي. لم تكن لمسة عابرة، بل امتدادًا لكل ما تحمله في قلبها من حنان وألم واشتياق. رفعت عيني نحوها، فرأيت ابتسامة باهتة ترتسم على وجهها، لكنها لم تستطع أن تخفي ارتجاف شفتيها ولا الدموع التي تراكمت على أطراف عينيها، تقاتل كي لا تنهمر.
ثم همست، بصوت مرتعش يشبه الرجاء:
“هل تعدني بذلك؟ هل تعدني… أنك ستعود بخير؟ دون أي خدش؟”
تلك الكلمات، رغم بساطتها، كانت أثقل من كل ما قيل. لم تطلب فقط وعدًا، بل ضمانًا في عالمٍ لا يمنح شيئًا مؤكدًا. كانت تتشبث بالأمل، بكل ما تبقى لها مني، وكأن حياتها كلها تتوقف على إجابتي.
وفي داخلي، كنت أعرف… أنني لا أملك الحق أن أعدها بما قد لا أستطيع تحقيقه.
لكنني، رغم كل التناقضات التي كانت تمزقني من الداخل، لم أترك الصمت يطول. نظرت في عينيها مباشرة، وشعرت بثقل الكلمات وهي تتكوّن على لساني، كأنها تأبى الخروج إلا بشق الأنفاس.
ثم همست بها، ببساطة، بكل ما أملك من صدق… أو مما حاولت تصديقه:
– “أعدك.”
كانت الكلمة كالوعد الأخير قبل الرحيل، كأنني وضعت قلبي بين يديها وتركته هناك، بلا ضمان، بلا تأكيد. لم أكن واثقًا إن كنت أستطيع الوفاء به، لكنني قلته… فقط لأن عينيها كانتا تحتاجان أن تسمعاه، ولو مرة.
ورأيت حينها كيف انفرجت ملامحها، كيف خفّت رعشة الخوف في شفتيها، وكيف لامست دمعة وجنتها بهدوء.
لحظتها، تمنيت أن يكون الكذب شفاءً… لا خيانة
وبينما كانت الدموع تُخفي أكثر مما تُظهر…
كان الظلام في مكانٍ آخر يوشك أن يكشف عن وجهه الحقيقي.
في غرفة غارقة في الظلام، لا يكاد يُرى فيها شيء سوى وهج خافت يتراقص على الجدران الباردة، جلس رجل على مقعد ضخم وجلس بجواره اثنان اخران . لم تكن ملامحه واضحة، كأن الظل يأبى أن يكشف سره، لكن ابتسامة خبيثة ارتسمت على شفتيه، تُعلن عن نوايا لا تبشر بخير.
بصوت منخفضٍ مشبعٍ بالسخرية، قال:
“هل تقول… إنهم وجدوا وريث أستورايت؟”
ساد الصمت للحظة، كأن الجدران نفسها تتهيّب ما سيُقال بعد ذلك، ثم تابع، وصوته هذه المرة يحمل نغمة متعة شيطانية:
“أوه… يبدو أن الأمر سيصبح ممتعًا. هذه المرة، لن نكتفي بتأليف موته … بل سنقضي عليه.”
فتح باب القاعة ببطء، ودوى صريره في أرجاء المكان كأنه إعلان عن حدث جلل. دخل فتى يافع وامرأة ذات حضور طاغٍ، تشع هيبتهما مع كل خطوة. كان شعرهما حالك السواد كسواد الليل في قمته، لكن أكثر ما جذب الأنظار هو تلك العيون الذهبية التي تشاركاها، عيون تشع بريقًا لا يُخطئه أحد، كأنها تخفي أسرار سلالات قديمة.
تقدمت المرأة بخطًى واثقة، وصوتها الرزين يشق سكون القاعة:
“مرحبًا، سيدي الزعيم دراكنوس المُخلّد… لقد جئت اليوم أنا وابني، لتتأكد من صحة ما يتردد عن عودة وريث اللورد سيليا.”
صمت ثقيل أعقب كلماتها، كأن القاعة بأكملها حبست أنفاسها ترقبًا لما سيأتي بعدها.
من بين الظلال التي خيمت على صدر القاعة، ظهر وجه دراكنوس المُخلّد. كانت عيناه الذهبيتان تشعّان ببرودة لا روح فيها، كأنهما شعلتان من نار أبدية لا تنطفئ، وشعره الرمادي يتساقط على كتفيه بثقل السنين التي لم تترك عليه إلا عظمة وهيبة.
حدّق في المرأة، تلك التي حملت اسماً من فروع عائلة أستورايت العريقة ريفن أستورايت، وابنها الواقف إلى جانبها، إيثان أستورايت، الذي ورث صمتًا غامضًا ، ونظرات لا تقل تحديقًا عن الزعيم الخالد.
تحدث دراكنوس أخيرًا، بصوته الأجش كصوت صخور تنهار في قلب الجبال:
“ولِمَ أنتِ هنا، ومن سمح لكِ بالقدوم إليّ… دون موعد؟”
كانت كلماته أكثر من مجرد استفهام… كانت تهديدًا مقنّعًا، يحمل خلف نبرته وعدًا بالعقاب، إن لم يكن بالموت، فبما هو أسوأ منه.
انخفضت ريفن قليلًا بانحناءة توحي بالاحترام، وإن لم تخفِ صلابةً دفينة في حركاتها. أمسكت بحافة فستانها الأسود الطويل، ورفعت رأسها بهدوء دون أن تفقد وقارها، ثم قالت بصوت ناعم يشوبه الحذر:
“اعذرني عن وقاحتي، أيها الزعيم…”
توقفت لحظة، كأنها تزن كلماتها بدقة، ثم تابعت:
“أتيت فقط لأتأكد من صحة الخبر… منك أنت، أيها الزعيم المُخلّد.”
كانت نبرتها مهذبة، لكنها لا تخلو من نفحةٍ من التحدي الصامت. أما إيثان، فظل واقفًا بجانبها كتمثال، يراقب ما يجري دون أن يحرّك ساكنًا، لكن عينيه الذهبيتين التمعتا بوميض خاطف، كأنهما تترقبان لحظة الانفجار.
دوّى صوت دراكنوس المُخلّد في القاعة كالرعد.
“أنتِ كاذبة.”
ارتجّت الكلمات في المكان، وتجمد الهواء من حولهما، وكأن الوقت ذاته توقف لحظة نطقها.
حدّق بعينيه الذهبيتين إلى ريفن، نظرة اخترقت قناعها الهادئ ونفذت إلى ما خلفه، ثم تابع بصوته الأجش، نبرة اتهام لا تقبل الجدل:
“أنتِ لم تأتي لتتأكدي من عودته… بل لتتأكدي من أنه سيموت، وأن ابنك هذا-إيثان-سيصبح الوريث بدلاً عنه.”
ساد صمت قاتل. ريفن لم تردّ مباشرة، ولكن أنفاسها أصبحت أكثر عمقًا، وكأنها تستعد لمعركة كلمات أو ما هو أسوأ. أما إيثان، فقد أمال رأسه قليلاً، لمعت عينه بتوتر مكبوت، لكنه لم يتحرك، كأنه يعلم أن أي كلمة الآن قد تشعل النار الحقيقية.
ساد صمت ثقيل بعد كلمات دراكنوس، لكن لم يطل كثيرًا.
خطا إيثان خطوة واحدة إلى الأمام، وفاجأ الجميع بصوته الذي خرج ثابتًا، قويًا، يحمل جرأة لا تخلُ من الاحترام، كمن يعرف تمامًا ما يقول، ويعي عواقبه:
“أنا أعترف بذلك، أيها الزعيم المُخلّد.”
ارتفع حاجبا ريفن في صدمة، لكنها لم تتدخل، أما دراكنوس فقد حدّق فيه بصمت قاتل.
تابع إيثان دون أن يخفض بصره، نبرته صادقة بشكل مرعب:
“أعترف… أنا أريد أن أصبح اللورد القادم لعائلة أستورايت. ومع اختفائه، كانت لدي فرصة حقيقية لتحقيق ذلك. لكن بعد عودته… لن أتمكن من أن أكون الوريث، إلا بعد موته.”
انتهت كلماته، ولم تكن هناك حاجة لتفسير أو تبرير. لقد قال الحقيقة، مجردة، صارخة، مدمّرة. صدى اعترافه تردد في جدران القاعة كحكم إعدام يُنطق بصوت صاحبه.
ارتسمت ابتسامة باردة على وجه دراكنوس، ابتسامة لا تبشر بخير.
لم تتغير ملامح دراكنوس كثيرًا، لكنه ابتسم-تلك الابتسامة التي لا توحي بالدفء، بل بشيء آخر… شيء يشبه الإعجاب الممزوج بالخطر.
ثم تكلم، وصوته الأجش يقطر سخرية ثقيلة، وكأن الكلمات تخرج من فم تنين يتأمل فريسته بإعجاب قبل أن يلتهمها:
“أنت تعجبني، أيها الفتى الجريء.”
صدى كلماته ارتطم بجدران القاعة كأنها إعلان غير متوقع. ارتجفت ريفن للحظة، لم تعرف هل ما قاله الزعيم نذير خير أم بداية اختبار مرعب.
واصل دراكنوس، وقد ازدادت نبرة التسلية الغريبة في صوته:
“الصراحة… نادرة في هذا الزمن، خصوصًا عندما تأتي من طامعٍ في السلطة. لديك الجرأة، لكن السؤال… هل لديك القدرة أيضاً؟”
ومع كل كلمة، كانت عيناه تقولان ما لم ينطقه لسانه: “هذا الفتى قد يكون أداة… أو تهديدًا.”
. . . .
. . . .
. . . .