في قلب الحديقة الواسعة، وتحت ظلال الأشجار التي تراقصت أوراقها مع نسيم الصباح، كان فتى صغير، بالكاد يبلغ الرابعة أو الخامسة، يركض بحماس طفولي خلف فراشة أرجوانية اللون. ضحكته كانت تتردد في الأرجاء كجرس بلوري، وقدمَاه الصغيرتان تخطّان خطوات مليئة بالبراءة على العشب الأخضر.
بعيدًا عنه، جلست امرأة ذات شعر أسود كالليل وعينين ذهبيتين تشعّان بدفءٍ غريب. كانت تحتسي الشاي بهدوء، تراقب الطفل بعينين اختلط فيهما الحنان بالحزن، والطمأنينة بالتعب. إلى جانبها وقف رجل بملابس خدم سوداء، عيناه الذهبيتان الضيقتان تتابعان تحركات الصغير بدقة لا تخلو من حذر.
تحدثت سيليا، بنبرة دافئة تخبّئ خلفها جرحاً قديمًا:
“ألا يبدو صغيري… جميل؟”
ابتسم أندرو ابتسامة متكلفة، كعادته حين لا يريد الإفصاح عن كل ما يدور في ذهنه.
“أجل، آنستي. إنه جميل… مثل حضرتك.”
نظرت إليه سيليا قليلاً، ثم خفضت عينيها نحو الفتى وسألت بصوتٍ ناعم، يحمل في طياته حزناً دفيناً:
“هل أنت متأكد… أنه يشبهني؟”
اختفت ابتسامة أندرو شيئًا فشيئًا، ونظر إليها بطرف عينه، نظرة طويلة وصامتة، ثم أعاد بصره نحو الطفل الذي ما زال يطارد الفراشة بعناد بريء، وغمض عينيه كمن يتأمل شيئًا أبعد من الظاهر.
قال بصوت منخفض لكن واثق:
“آنستي… أعلم ما تلمّحين إليه. وأنا لا أنكر، هو يشبهه كثيراً في الشكل، نعم. لكن… أنظري جيدًا. إلى ظرافته، إلى طريقته في الضحك، إلى شغفه بالفراشات والركض خلف القطط… أليس هذا ما كنتِ تحبينه عندما كنتِ صغيرة؟”
تنهد ثم تابع، بنبرة حملت بعض الدفء:
“طفلك… يشبهك. لا بوجهه فقط، بل بقلبه أيضاً. وإن كان شكله مثل والده… فحنانه منك، ولطافته منك، وكل ما فيه من نور…هو منك.”
“…”
لم تُجبه، لم تقل شيئًا، وكأن الكلمات أصبحت ثقيلة على لسانها أو ربما لم تكن ضرورية. فقط بقيت تنظر إلى طفلها، تراقب خطواته الصغيرة، ضحكته التي تخترق صمت قلبها، ويده الصغيرة التي تلوّح للفراشة كأنها تحاول مصافحتها.
ابتسامة خفيفة، هادئة، ارتسمت على شفتيها. لم تكن ابتسامة فرح خالص، بل مزيج من الحب والخوف، من الأمل والندم، من الحاضر الذي يتسلل منه الماضي كظلٍ لا يفارق.
كان ذلك الصغير كل ما تبقى لها… وكل ما قد تفقده أيضاً.
. . . .
. . . .
. . . .
الحاضر
في مكانٍ آخر، خلف جدرانٍ مظلمة تغلفها الأناقة والرهبة، وقفت فتاة بشعر أزرق كلون السماء، ناعم ومنسدل على كتفيها، تشبه السماء حين تسبقها العاصفة. وقفت في مكتبٍ واسع، تعلوه رفوف من الكتب والسجلات، تقف بثبات أمام رجلٍ جالس على مقعد جلدي ضخم، تنبع منه هالة من السطوة والدهاء.
انحنت برأسها قليلاً، بصوت بارد خالٍ من الانفعال، كأنه جزء من آلة اعتادت تنفيذ الأوامر دون جدال:
“سيدي اللورد… خبر عودة ابن عائلة استورايت كان صحيحًا.”
عمّ صمت للحظات، ثم ارتفعت ضحكة خافتة من الرجل، تبعتها ابتسامة واسعة امتدت على وجهه المغطى جزئيًا بالظل. وضع كفه على ذقنه وهو يقول بنبرة خفيفة لكنها مملوءة بالخبث:
“أوه… عاد ابن ذلك الرجل إذن؟”
ثم مال إلى الأمام قليلاً، عيناه تلمعان بوميضٍ خافت:
“هذا يعني أنهم… فشلوا. فشلوا في جعله بعيدًا عن عائلته.”
رفع عينه نحو الفتاة، وصوته أصبح أكثر هدوءًا… وأكثر تهديدًا:
“وهذا يعني أن الوقت قد حان لنحرّك أحجارنا… قبل أن يحركوا هم ملكهم.”
. . . .
. . . .
. . . .
“اللعنة… لماذا علي تنفيذ مهمة كهذه؟”
تمتم كايل بصوت خافت، تتخلله أنفاس متقطعة من التعب، بينما كانت قدماه تضربان الأرض بإيقاع ثابت، يتسارع كلما زاد الغضب في صدره.
كان يركض على طريق ترابي طويل يمتد في الغابة، الأشجار على جانبيه تتمايل مع الريح، وكأنها تراقبه بصمت. العرق ينساب على جبينه، ملابس التدريب الخاصة بالفرسان ،كانت تلتصق بجسده المتعب، وصدره يعلو ويهبط بوتيرة متسارعة.
كل خطوة كانت تزيد من ثقل ساقيه، وكل كيلومتر يقطعه يُشعل غضبه أكثر. لم يكن الركض هو ما يزعجه… بل الشعور بأنه مجرد بيدق في نظام لا يفهمه بعد، نظام يفرض الأوامر دون شرح، ويهدد بالعقوبة دون رحمة.
لكن رغم التعب، لم يتوقف. لأن في مكان ما بداخله، كان يعلم… أن هذا مجرد اختبار صغير في طريق أكبر مما يتخيله.
بعد ساعات من الركض المتواصل، من الحرق في عضلات الساقين والصدر الذي يشتعل مع كل نفس، أخيرًا… انتهى عذاب الجري.
كان كايل الآن يجلس في قلب الغابة، في مكانٍ ناءٍ تحيطه الأشجار من كل جانب، مستلقيًا على ظهره فوق العشب البارد، وذراعيه ممدودتان بجانبه كمن استُنزف من الحياة.
الهواء كان رطبًا، تتخلله رائحة الأرض والغصون، وأوراق الشجر تهمس فوقه بصوت خافت، كأن الطبيعة تحاول أن تعتذر له عمّا مر به.
عيناه كانتا تحدّقان في السماء التي بدأت تميل إلى الزرقة الداكنة، وصدره يرتفع وينخفض ببطء، بينما فكرة واحدة كانت تتردد في رأسه المتعب:
“هذا فقط… أول اختبار؟”
وقفت، جسدي يئن من التعب، لكن قدماي تابعتا المسير وحدهما، وكأن العودة إلى قصر أستورايت أصبحت غريزة لا مفر منها. وضعت يديّ في جيبي، أحاول التخفيف من توتري وشتات أفكاري بعد المهمة المتعبة، لكن ذلك لم يدم طويلاً.
أمام ناظري، وعلى مسافة ليست ببعيدة، وقفت فتاة بشعرٍ أزرق فاتح، يتمايل كأمواج باردة تحت شمس ما بعد الظهيرة. كانت تنظر إليّ بصمت، نظرة ثابتة، عميقة، لا تخلو من الغموض.
شعرت بقلبي يخطئ إيقاعه للحظة.
أنا أعرف هذه الفتاة…
لم يكن هذا مجرّد حدس. لا… كنت متأكدًا. إنها إحدى الشخصيات الرئيسية في اللعبة، الأميرة ذات البرود القاتل، المعروفة بقوتها الجليدية وقلبها الذي لا يلين ” اوريس نيفرونايت”. حضورها في هذا المكان وفي هذا التوقيت لم يكن مصادفة.
لكن ما أربكني حقًا لم يكن فقط وجودها… بل ذلك الإحساس الغريب في داخلي. شعور بأنني رأيتها من قبل، ليس في اللعبة، بل في مكان آخر… بعيد عن الشاشة، بعيد عن الأكواد.
وقفت أمامها، دون أن أنبس بكلمة..
بدأت بالسير من جديد، خطواتي حذرة لكنها ثابتة، وعيناي تتجنبان النظر إليها مجددًا. لم أكن مستعدًا… لا للمواجهة، ولا لفهم السبب الحقيقي لظهورها هنا، الآن بالذات. كنت أحتاج للوقت، فقط القليل من الوقت لأستوعب ما يحدث من حولي.
لا يجب أن أحتك بها الآن.
هكذا أخبرت نفسي. فكل لاعب يعرف أن التفاعل المبكر مع شخصيات رئيسية مثلها قد يغيّر مسار اللعبة بالكامل – وقد يُفعّل أحداثًا لا رجعة فيها.
لكن رغم ذلك، لم أستطع تجاهل الثقل الذي خلفته نظراتها في ظهري. كانت واقفة هناك، دون أن تتحرك، وكأنها تنتظر شيئًا. أو… تراقب شيئًا.
تابعت طريقي، محاولًا الحفاظ على هدوئي، متجاهلًا رعشة خفيفة تسلّلت إلى أطرافي، وكأن جزءًا مني كان يعرف…
أن تجاهلها… لن يُجدي طويلاً.
فُتح فمها أخيرًا، وخرج صوتها… لا هو صراخ ولا هو همس، لكنه كان حادًا بما يكفي ليقطع أفكاري ويوقفني في مكاني.
“هل أنت حقًا… ذاك الفتى الخاص بأستورايت؟”
تجمّدت خطواتي.
لم ألتفت، لم أُجب، لكن قلبي بدأ بالخفقان بطريقة غريبة، كما لو أن الزمن توقّف للحظة… أو كما لو أن السؤال ذاته كان بداية شيء لا عودة منه.
صوتها لم يكن عاديًا. لم يكن فقط سؤالًا عابرًا من شخصية فضولية. كان يحمل شيئًا آخر… شيئًا في نبرتها جعل الهواء من حولي يبرد فجأة، كأن كلماتها أطلقت قوةً كامنة لم أكن مستعدًا لمواجهتها بعد.
كيف عرفت؟
أنا حتى لم أظهر للعلن بعد… اللعنة، لا تخبريني أنها…؟
استدرت فجأة، الكلمات تتزاحم في صدري، وخرج صوتي متلعثمًا يسبق ارتباكي:
“كيف عرفتِ ذلك؟”
لكنها لم تجب بالكلمات.
بل بالفعل.
بهدوءٍ قاتل، رفعت ذراعها وسحبت سيفًا من الجليد النقي، تكوّن أمامها في لحظة، يتلألأ تحت ضوء الشمس الباهت كأنه منحوت من شتاءٍ أبدي. أشهرته أمام وجهي، يبعد عني أمتارًا فقط، وعيناها لا ترمش.
“واجهني”، قالت بصوت بارد ثابت.
“إن فزت… لن أخبر أحدًا عن وجودك، إلى أن تعلن عائلتك ذلك بنفسها.”
ماذا؟!….
تفاجأت… لم يكن لدي حتى وقت للاستيعاب. لكن قبل أن أتمكن من التفكير، ظهرت نافذة النظام فجأة أمام عيني، وكأنها كانت تنتظر لحظة التوتر:
مهمة جديدة:
فُز بمباراة ضد أميرة الجليد – أوريس نيفرونايت.
المكافأة: 5000 نقطة مانا.
وقفت للحظة، أقرأ النص، ثم رفعت عيني نحوها.
أوريس نيفرونايت… واحدة من أقوى الشخصيات الرئيسية في اللعبة، ومن أشدّها تعقيدًا.
لم أستطع منع نفسي… رغم الموقف، رغم الخطر، رغم الغموض في نيتها – ارتسمت على شفتي ابتسامة خفيفة، لا إرادية.
أولاً هذه الفتاة… والآن هذا النظام اللعين؟
لكن… لن أكذب، وعده مغرٍ جدًا.
مددت يدي نحوها وسيف من العدم يتشكل بين يدي، ونظري لم يفارق عينيها الجليديتين.
“حسنًا أيتها الفتاة التي لا اعرف من تكونين… فلنرَ من سيكسر الجليد أولًا.”
ابتسمت بخفة، ابتسامة لا تحمل دفئًا، بل كانت هادئة… وباردة تمامًا مثلها.
ثم ركضت نحوي – خطواتها رشيقة، سريعة، وكأنها تنزلق فوق الأرض لا تركض عليها.
لم أفكر كثيرًا… فعلت أنا الآخر.
سحبت سيفي، قبضت عليه بقوة، وانطلقت باتجاهها، كل شيء حولي تلاشى، لم أعد أسمع سوى صوت أنفاسي، ونبض قلبي المتسارع.
اقتربنا… أكثر فأكثر، وكلانا لم يتردد.
وفي لحظة،
تصادم سيفانا.
شرارة عنيفة تطايرت من الاصطدام، دوى صوت المعدن فوق الأشجار، سيفها الجليدي ارتجف تحت ضغطي، وسيفي ارتد قليلاً لكنه ثبت نفسه سريعًا. كنا متقابلين، عيناي في عينيها، وكلانا لا ينوي التراجع.
قوتها كانت حقيقية… وطريقتها في الهجوم لا تشبه مجرد لعبة.
هذه… كانت مواجهة حقيقية.