Switch Mode

لعبة الخلود | الفصل 5

بعد مرور ساعات

وجدت نفسي جالساً بمفردي في شرفة الغرفة، أتنفس الهواء البارد الذي يلامس وجهي برفق. كانت سيليا قد غادرت الغرفة منذ قليل، تاركةً وراءها هدوءاً يملأ المكان.

لكن رغم هذا السكون، كانت ذكريات حديثها ما تزال تتردد في أذني. سيليا… لقد تحدثت كثيراً، لدرجة أنني بدأت أشعر أنني بحاجة إلى الصراخ بوجهها. لو أنني لم امسك نفسي..

لكن، رغم كل شيء، لا يمكنني إنكار أن ما قالته كان ذا معنى. كلماتها كانت تحمل ثقلاً، عمقاً، ربما حتى صدقاً مؤلماً. ومع ذلك… لم أكن مهتماً. لا لشيء، سوى لأنني كنت أعرف كل ذلك. أعرفه منذ اللحظة الأولى لولادة صاحب هذا الجسد، منذ صرخته الأولى وحتى تلك اللحظة التي اختطفه فيها أولئك الملثمون السود، الذين ظهروا كالكابوس في ليلة خرساء.

تنهدتُ ببطء، وكأن أنفاسي تثقلها ذكريات لا تريد أن ترحل، ثم تمتمت..
“عليّ الذهاب للنوم الآن.”

وقفتُ من على الكرسي الخشبي الذي صار بارداً تحت جسدي، وتمددت أطرافي المتيبسة. وقبل أن أستدير عائداً إلى الداخل، لمحت ظلًا… ظل فتاة ، فتاة بشعر ازرق الشيء الوحيد الذي استطعت رؤيته من ملامحها الغير واضحة ، كانت تقف في الحديقة، تماماً أمام نافذة غرفتي. توقفت، حاجبي ارتفع بحيرة غريزية، ونظري التصق بذلك الظل الذي بدا كأطياف حلم غير مكتمل.

تمتمت بصوت بالكاد يُسمع:
“من هذه؟”
ثم هززت رأسي وتابعت باستياء خافت:
“اللعنة، ما شأني أنا؟”

ودون أن أبحث عن إجابة، دخلت إلى الغرفة، أغلقت الباب خلفي بصمت، وكأنني أحاول أن أترك تلك الظلال خارجاً… مع كل الأسئلة التي لا أرغب في طرحها الآن.

رميتُ نفسي على السرير المخملي الكبير، وكأنني أسلّم جسدي أخيراً لمأواه الوحيد بعد يوم طويل. ارتدّت الوسائد تحتي برفق، ورفعت بصري نحو السقف، أحدّق في الفراغ الرمادي الذي يعلو رأسي. كان الصمت يملأ الغرفة، لكن رأسي لم يكن صامتاً.

أغمضتُ عينَيّ محاولاً أن أنام، أن أغرق في عتمة مؤقتة تريحني من كل شيء، لكن النوم كان خائناً هذه الليلة. في كل مرة أحاول فيها أن أسترخي، يعود وجه أمي إلى ذهني. صورتها، صوتها، وحتى غيابها، كان يملأ قلبي.

ومعها، تعود كل لحظات اليومين الماضيين. كل ما مرّ بي، كل ما رأيته، ما شعرت به، ما فقدته، وما اكتشفته… كأن ذاكرتي لا تود أن تتركني أهرب، حتى في أكثر لحظاتي تعباً.

“تباً… لماذا يحصل هذا؟”

تمتمتُ بصوت مبحوح، بالكاد خرج من بين شفتي، وأنا أضع ظهر يدي على جبيني، كأنني أحاول أن أوقف فيض الأفكار التي تنهمر داخلي بلا رحمة. كانت الحرارة تتصاعد في رأسي، لا من الحمى، بل من ثقل الذكريات، من صراع لم يُحسم بعد بين النسيان والتشبث بما كان.

يدي بقيت على جبيني، ساكنة، كأنها تحاول أن تُطفئ ناراً لا تُرى… ناراً لا يفهمها أحد سواي.

جلستُ باستقامة على حافة السرير، وكأن قراراً خفياً قد نهض معي من بين الحيرة والتعب. نهضت بعدها بخطى ثقيلة، وسرت نحو المكتب القابع في زاوية الغرفة، حيث تنتظرني الأوراق كأنها كانت تعلم أنني سألجأ إليها.

جلست هناك، وسحبت بعض الأوراق البيضاء، ناصعة كأنها صفحات حياة جديدة. أمسكت القلم بيدٍ مرتجفة، لا من البرد، بل من ثقل ما سأكتبه.
بدأت أخط كلمات رسالة… رسالة لأجل أمي. لا لأُرسلها، بل لأتذكّر. لأحفظ صورتها من الضياع، ولأُبقي صوتها حيّاً بين السطور.

كنت أكتب كي لا أنسى. كي لا تبتلعني الأيام القادمة ….

جلست أكتب وأكتب، كأن الكلمات كانت تنتظر هذه اللحظة لتنسكب من داخلي دون إذن أو ترتيب. كل حرف حمل شيئاً منها، من ابتسامتها، من عينيها، من دفء حضنها الذي ما زال يسكنني رغم كل شيء. لحظات مرت، لكنها بدت كأنها دهر، وكأن الزمن توقف لينصت.

وحين فرغت أخيراً، شعرت أن شيئاً ما في داخلي هدأ قليلاً. وضعت القلم ببطء على سطح المكتب، . نظرت إلى الورقة أمامي، فلم أرَ كلمات… بل رأيت وجه أمي، يبتسم لي من بين السطور.

“هذا يكفي… عليّ النوم الآن، فلي عمل لم ينتهِ بهذا العالم بعد.”

تمتمتُ بالكلمات كمن يوقّع نهاية فصل، ثم دفعت الكرسي ببطء، واقفاً من مكاني.

التفتُ نحو السرير مجدداً، وكأنني أستعد لمعركة جديدة تبدأ مع أول لحظة نوم.

نظرت إلى الغرفة للحظة، ثم أطفأت النور، تاركاً كل شيء خلفي في الظل، ما عدا إيماني بأن شيئاً ما ما زال ينتظرني هناك، في هذا العالم الذي لم يغلق أبوابه بعد.

. . . .

. . . .

. . . .

حلّ صباح يوم جديد، وتسلّل الضوء بخجل من خلف الستائر، ينثر خيوطه الذهبية في أرجاء الغرفة، يوقظ عيون النائمين بلطف لا يخلو من إلحاح. الهواء حمل معه رائحة بداية مختلفة، لا تشبه سابقاتها.

في المطبخ، وقفت امرأة بثوب بسيط، تتحرك بخفة بين الخدم، تقطع، تقلب، تهمس بتعليمات، وكأن المكان جزء منها. كانت هي… سيليا استورايت، سيدة القصر. حضورها هناك بدا كخرقٍ للقواعد، كأن شيئاً كبيراً تغيّر.

الخدم وقفوا متسمّرين، يحملون أدوات الطهو دون أن يباشروا، يرمقونها بنظرات متوجسة، يتهامسون فيما بينهم، بأصوات خافتة تختلط بصوت الأواني.

“اليوم تصرفات اللورد غريبة بعض الشيء…”

قال أحدهم وهو ينظر إليها من طرف عينه.

“أجل، ألا تعلمين؟ اللورد الشاب… لقد عُثر عليه البارحة.”
همست أخرى بدهشة، وعيناها تتابعان سيليا كما لو كانت تحمل سراً أكبر من قدرتهم على الفهم.

“في الواقع… اللورد استورايت تستحق أن تكون سعيدة.”

جاء الصوت من خلفهم، هادئاً لكن يحمل نبرة لا تخلو من الثقل، وكأن كل كلمة فيه تحمل معنى أعمق مما يبدو. استدار الخدم دفعة واحدة، ليجدوا رجلاً يقف عند مدخل المطبخ، ملامحه حادة، وملابسه داكنة تنسجم مع ظلال الصباح الباكر.لم يكن الرجل سوى رئيس الخدم لعائلة استورايت..

أخرج سيجارته من بين شفتيه ببطء، ونفث سحابة دخان تأرجحت في الهواء قبل أن تتلاشى. عيناه كانتا تحدقان نحو سيليا، دون أن يقول أكثر. بدا وكأنه يعرف شيئاً لا يعرفه أحد، شيئاً لم يُقل بعد.

نظرت إليه سيليا بعينين تقدحان شرراً، وبدون أن تتوقف عن تقليب ما في المقلاة، قالت بصوتٍ غاضب كفيل بأن يُسكت الغرفة بأكملها:
“أندرو… كم مرة قلت إن التدخين ممنوع داخل القصر؟”

توقف أندرو لحظة، ثم ابتسم ابتسامة متكلفة، لا تخلو من التحدي، وكأن جزءاً منه كان يتوق لسماع هذا التوبيخ. ألقى بالسجارة أرضاً، وسحقها بحذائه بخفة، ثم رفع رأسه قائلاً بنبرة متهكمة لا تخلو من الاحترام:

“آسف… آنستي.”

اقترب أندرو بخطى هادئة، ويده تلامس طرف الطاولة كأنه يعلن نية بريئة، ثم قال بنبرة ساخرة تخفي خلفها بعض الجدية:

“هل آنستي تحتاج لمساعدة في الطهي؟”

سيليا توقفت عن التحريك للحظة، وكأنها تحاول أن تكتم ما يتصاعد داخلها، ثم ردت بصوت يحمل غضباً مكبوتاً..

“لا، لست بحاجة لمساعدة.”

ثم نظرت إليه نظرة حادة وتابعت:

“هل تعلم، لو لم تكن جيداً في إدارة شؤون القصر… لكنت الآن مطرود منذ زمن بعيد.”

ابتسم أندرو، تلك الابتسامة التي يعرف أنها تزعجها، لكنه لم يُعلّق. فقط وقف هناك، يُراقبها تعمل، كأن بينهما ما هو أكثر من كلمات… وأكثر من خلافات صغيرة..

. . . .

. . . .

. . . .

في مكان آخر، كان فتى ذو شعر أبيض يجلس على حافة سرير مخملي كبير، عينيه الحمراوين تلمعان في ضوء خافت. كان يرتدي ملابس النوم الهادئة التي تنسجم مع الأجواء المحيطة به. الغرفة كانت مظلمة، ما عدا الإضاءة الباهتة القادمة من شاشة النظام التي ظهرت أمامه فجأة.

على الشاشة، ظهرت إحصائيات اللاعب، تسجل تفاصيله بوضوح:

الاسم: كايل استورايت
النوع: بشري
المستوى: 5 «2
نقاط المانا: 2000,000
الرتبة: E-
الفئة: صياد
القدرة: الخلود المؤقت

(يمكن للاعب منح نفسه أو غيره خلوداً مؤقتاً حسب مستوى اللاعب والمانا الخاصة به. تجعله القدرة لا يشعر بألم، ولا يموت لوقتٍ محدود. لكن بمجرد انتهاء مفعولها… يشعر بالألم الكامل دفعة واحدة.)

قرأتُ الكلمات بصمت، عيناي تتنقلان ببطء على شاشة النظام المتوهجة،
لقد اكتسبت فئة وقدرة ،

و المستوى قد ارتفع، نعم. والإحصائيات ظهرت أمامي كاملة، واضحة، بلا تشويش. كنت أتوقع نصف معلومة أو قدرات مشوشة كما حدث سابقًا، لكن كل شيء بدا كاملاً… هذه المرة.

ما فاجأني أكثر هو أن نقاط المانا-التي استهلكت بعضها في المواجهة الأخيرة-قد عادت كما كانت، كاملة، وكأن النظام ذاته يعيد ترتيب قواعد اللعبة. شعرت لوهلة وكأن شيئًا ما يُعد لي في الخفاء، شيئًا أكبر من مجرد مستوى جديد أو قدرة استثنائية.

فجأة، وبدون مقدمات، ارتجّت نافذة النظام أمامي وظهرت معلومات جديدة، خطوطها حمراء خفيفة تحيط بها هالة صفراء، وكأنها تنذر بشيء جاد. قرأت بتركيز، وكأن عينيّ ترفض أن تترك أي تفصيلة تمرّ دون فهم:

“مهمات على اللاعب تنفيذها، وإلا سيتم معاقبته.
العقوبات أنواع، وقد تكون جسدية، ذهنية، أو مرتبطة بالنظام.
وفي حال تم التنفيذ، سيتم مكافأته وفقًا لمستوى الأداء.”

تحت هذا التحذير، ظهرت قائمة قصيرة ولكن مرعبة بنوعها:

1. الجري 10 كيلومترات.

2. تمارين الضغط: 300 مرة متواصلة.

3. النجو من جزر أراكس.

حدّقتُ في المهمة الثالثة مطولاً… جزر أراكس؟ الاسم وحده يكفي ليجعل الدم يتجمد في العروق. ليست مجرد مهمة جسدية، بل معركة للبقاء في مكان لا يخرج منه الكثيرون أحياء.

ارتسمت ابتسامة ساخرة على وجهي، نصفها تعب ونصفها تحدٍ، وقلت همسًا:

“يبدو أن النظام لم يعد يكتفي بنقلي لمنطقة عقاب فقط…”

لعبة الخلود

لعبة الخلود

Game Of Immortality
الحالة: Ongoing النوع: المؤلف: اللغة الأصلية: العربية
عِش ما تريد، وتمنَّ ما تشاء، لكن لا تنسَ أن تضع حدًا لأمنياتك... فقد يأتي يوم تتحقق فيه بطريقة لم تكن تحلم بها، وحينها ستدرك كم كنتَ أحمقًا. كنتُ أحد أولئك القلائل مهووسون بألعاب الفيديو، أعيش بين الشاشات، وأحلم بأن أكون جزءًا من العوالم الرقمية التي كنت أغرق فيها لساعات. لم أكن أريد أن أكون البطل النبيل الذي يبكي كالطفل عند أول خسارة، أو ذاك الذي يحمل شعارات العدالة وهو بالكاد يستطيع حماية نفسه. لا، كنتُ أريد أن أكون الشرير—ذلك الذي يفرض هيبته، تتزلزل الأرض تحت قدميه، ويمتلك قوة تفوق بطل اللعبة ذاته. في يوم مشؤوم ، لم أستيقظ في سريري كالمعتاد، بل داخل إحدى الألعاب التي كنت أعشقها حتى الهوس. كل شيء كان مألوفًا، من المدن الشاهقة إلى الشخصيات التي حفظت حواراتها عن ظهر قلب... لكن هناك مشكلة، مشكلة لم تكن في الحسبان—لم أتجسد في جسد ذلك الشرير الأسطوري الذي كنت أتخيله، بل في جسد أكثر شخصية كرهتها على الإطلاق... بطل اللعبة "كايل استورايت".   الآن، وأنا عالق في هذا الدور الذي طالما سخرت منه، محاط بالأعداء الذين لطالما تمنيت أن أكون واحدًا منهم، أدركت حقيقة لم أفكر فيها أبدًا: ربما كان للأبطال سبب يجعلهم يقاتلون، وربما لم يكن الأشرار بتلك العظمة التي تخيلتها... أو ربما، فقط ربما، لم يكن هذا مجرد "لعبة ".

تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الإعدادات

لا يعمل مع الوضع الداكن
إعادة تعيين