Switch Mode

لعبة الخلود | الفصل 3

كان الحر ينهش جلدي كأن الشمس قد قررت أن تصبّ نارها عليّ وحدي. الغريب أنني شعرت بذلك رغم أن الوعي قد فارقني. لم أكن بين الحلم واليقظة، بل كنت تائهاً في برزخٍ بين الحياة والموت.

ثم، كمن يخرج من تحت الماء بعد غرقٍ طويل، استعدت وعيي فجأة. فتحت عيني ببطء، متمنياً أن يكون كل ما حدث مجرد كابوس، أن أفتح عيني فأجد نفسي في سريري، أو في مكان أعرفه. لكنّ الحقيقة كانت أقسى من كل حلم مزعج.

نظرت حولي… الأرض الممتدة بلا نهاية، الرمل الذهبي الذي يغلي تحت قدمي، والهواء الجاف الذي يشق الحلق. لا، لم يكن حلماً. كنت هناك فعلاً. في مكان يشبه الصحراء… لا، بل كانت صحراء بكل ما فيها من صمت قاتل ووحشة لا ترحم.

“ما هذا؟ وأين أنا؟”

همست الكلمات بين شفتيّ، لكن لم تكن الإجابة واضحة. كان صوتي خافتًا، ممزوجًا بالريبة والخوف، وكأنني أخاطب العالم بأسره، لكنه لم يرد. الهواء كان ثقيلًا، والصمت كان أقوى من أي شيء آخر.

فجأة، وفي لحظةٍ لا يمكن وصفها، انفجر الصمت بشيءٍ غريب. كان الصوت قادمًا من العدم، صرخة مدوية تقطع الأفق، تخللها هدير يزداد قوة. قبل أن أتمكن من التفكير في ما يحدث، ظهر من بين الرمال شكلٌ ضخم، كتلة من الصخور تتنقل وكأنها كائن حي. كان غولمًا حجريًا، ضخمًا، يسير بسرعة مذهلة نحوي.

“م… ماذا يجري؟”

تفجرت الكلمات من فمي وأنا أراه يقترب. جفّت حلقي، بينما قدماي تخاذلت عن حمل جسدي، وأخذت أتراجع خطوة تلو الأخرى. لم أكن أستطيع الوقوف على قدمي، شعور بالعجز يسيطر عليّ وكأن كل شيء من حولي يتحرك بسرعة تفوق قدرتي على الاستيعاب.

وقفت بصعوبة على قدميّ، وبدأت الركض بأقصى ما أستطيع. كانت قدماي تحملانني بصعوبة، وجسدي يرفض الاستجابة كما لو كان مُرهقًا من العطش والجوع، وشيء آخر الخوف الشديد ، لكن لم يكن لديّ خيار آخر. كان الغولم يقترب مني بسرعة، وأنا بالكاد أتمكن من التقاط أنفاسي. …

كنت أركض إلى ما لا نهاية، وكأنني أطارد الهواء الذي يهرب مني بسرعة لا تُصدق.

“وششش”…

ظهرت تلك النافذة المألوفة مرة أخرى، وكأنها تراقبني، تراقب كل خطوة أخطوها. هذه المرة كانت الكلمات المكتوبة على النافذة أكثر إثارة للدهشة…

(غولم سيد الصحراء)

(فئة: B+)

مكافئة مقابل قتله : المكافئة سرية لحين قتله…

“تسكت… ماذا يعني هذا؟ هل أنا الآن أواجه سيد الصحراء؟ ومقابل مكافئة؟…”

تمتمت الكلمات بصوت منخفض، بينما كان قلبي يخفق في صدري كالمطرقة. لم أستطع أن أستوعب الأمر بعد. كان كل شيء يبدو غير منطقي، وكأنني في عالم موازٍ لا علاقة له بما أعرفه. لكن فجأة، كما لو أن الكون قرر أن يرسل لي فرصة أخيرة، قلبت النافذة وتغيرت المعلومات أمام عينيّ.

ظهرت كلمات جديدة، وأسرعًا قرأت ما كان مكتوبًا:

{يمكنك الآن شراء ما تريد بسعر أقل من العادي، بسبب ارتفاع المستوى إلى 2.}

العناصر القابلة للشراء:

خنجر فضي: 100 نقطة مانا

إكسير تعزيز: 350 نقطة مانا

سيف فضي: 5000 نقطة مانا

{مجموع نقاط المانا التي يملكها اللاعب: 2,000,000}

تجمدت في مكاني، وعينيّ تتسعان من الصدمة. كانت تلك النقاط كثيرة جدًا، أكثر مما كنت أتخيله. من أين حصلت عليها؟ منذ متى وأنا أملك هذا العدد الهائل من النقاط؟ ….

قطع حبل أفكاري فجأة عندما شعرت بضربة قوية، وكأنها قذيفة هزت جسدي بعنف. قبل أن أتمكن من فهم ما يحدث، قذفتني الضربة إلى كثبان الرمال، حيث تدحرجت بين الحبيبات الساخنة، حتى توقفت أخيرًا في مكانٍ عميق.

لكن الألم لم يترك جسدي للحظة. حاولت أن ألتقط أنفاسي، لكن الهواء كان ثقيلًا، وعينيّ تغلقان من شدة الوهن.

حين فتحت فمي لالتقاط نفس عميق، تبين لي أن الدماء قد ملأت فمي.

بصقت، فإذا بالدماء تتناثر على الرمال، ثقيلة كقطرات الحديد. كان مذاقها مرًّا، وثقيلًا، كأنها تحمل معها أثقال العالم كله

ظهرت النافذة مجددًا أمام عينيّ، وكأنها تراقب كل تفصيلة في اللحظة الأكثر صعوبة في حياتي. كانت الكلمات واضحة، لكنها ثقيلة كالحجر….

“آخر فرصة. هل تريد الشراء أم لا ؟”

كل ما أردت هو أن أجيب، أن أقول اسم العنصر الذي احتاجه. لكن قبل أن أتمكن من الرد، حدث ما لم أتوقعه.

في لحظة خاطفة، شعرت بشيء ضخم يقبض على قدميّ بقوة، ويرفعني إلى الأعلى كما لو كنت مجرد دمية في يد ذلك الغولم الضخم.

ارتفعت عن الأرض بسرعة، ولا شيء حولي سوى ضوء الشمس المحترقة والرمال المتطايرة. كان الغولم يرفعني للأعلى بنية واحدة فقط… أن يلتهمني.

الصراخ الذي خرج مني كان هستيريًا، يتردد في أذنيّ كأصداء زئير وحشي.

كنت أستجمع قوايّ في محاولة يائسة للتحرر، لكن الألم كان يفتك بأضلعي، والدماء تتساقط مني في كل مكان.

كان كل شيء يزداد ضبابًا من حولي، وكأنني على حافة النهاية.

في لحظة خاطفة، وضع الغولم العملاق الفتى. داخل فاه الحجريّ الهائل وابتلعه دفعة واحدة، لتعلو الصرخة الأخيرة للفتى قبل أن تُخمدها أنيابه القاسية. دوّت فرقعة العظام وسط الصمت القاحل، وتناثرت الدماء كزهور حمراء على رمال الصحراء الذهبية، تُزيّن قسوتها بلطخة من المأساة.

ظهرت النافذة من جديد، لكنها لم تكن كما في المرات السابقة.لا مضيف هذه المرة، لا صوت ولا ظلّ أحد ليقرأ ما كُتب فيها.

كلمة واحدة فقط كانت تتوهّج وسط السواد، نابضة بخفوت غامض:

“إعادة.”

كانت الكلمة تسبح ببطء، كأنها تدعو، أو تحذّر، أو تعرض خياراً لا يمكن التراجع عنه.
الفراغ من حولها ظل صامتا…لكنه بدا كأنه ينتظر…

استيقظت مجددًا. لا صوت، لا نسمة، فقط ذلك السكون الثقيل الذي يخنق الوقت. كنت في مكاني… في ذات الصحراء القاحلة، في النقطة نفسها التي بدأت منها اول أول مرة، وكأن الزمن دار بي دورة كاملة ليعيدني إلى البداية.

بغريزة من نجى للتو، تحسست جسدي بأصابعي المرتجفة. لا جروح، لا آثار قضم، وكأن الغولم لم يكن سوى كابوس عابر… أو لعلني أنا الكابوس.

نظرت حولي ببطء. الرمال لا تزال تمتد بلا نهاية، ذهبية ميتة تحت شمس لا تعرف الغروب. لا أثر للنافذة، ولا للغولم… فقط أنا، والصحراء، وذاك الشعور الثقيل بأن شيئًا ما يعيد نفسه… لكن بطريقة مختلفة هذه المرة.

” لماذا عدت لنفس المكان مرة اخرى؟ هل من شيء غفلت عنه ؟ ام يجب علي قتله والنجاة بحياتي وأيضا اخذ تلك المكافئة ؟؟… ”

ظهر الغولم مجددًا.

من قلب السراب تشكّل، كأن الصحراء نفسها لفظته من جوفها، حجارة متراصة تهتز تحت وقع خطاه الثقيلة. اتسعت عيناي على مصراعيهما، والرعب صعد في صدري كعاصفة مفاجئة. لم أفكر، لم أتردد.

قفزت على قدميّ كمن استيقظ من كابوس داخل كابوس، وبدأت أركض… أركض بأقصى ما أملك، كأن قدميّ تحترقان تحت الرمال، وكأن الهواء نفسه يعاندني.

” ماذا يحصل هنا بحق الجحيم ؟”

لم ألتفت. لم أجرؤ.

كل ما كنت أعرفه أنني إن تباطأت لحظة، فإن نهاية جديدة بانتظاري — وربما لن تكون لي فرصة أخرى هذه المرة…

“اظهري أيتها النافذة اللعينة!”

صرخت بها بأعلى ما في صدري، صوتي تمزّق في الهواء الحار وأنا أركض بلا هدف، بلا اتجاه، سوى الهرب من المجهول الذي يزأر خلفي. الرمال تنطوي تحت قدميّ كأنها تحاول احتضاني، أو ربما ابتلاعي، والغولم لا يزال يقترب، صوته كهدير جبل يتحطم.

لا نافذة ظهرت.

والصحراء ظلت على صمتها المريب، تراقبني كشاهدة لا تبالي، وكأنها تسخر من صراخي، من عجزي، من كل شيء.

أردت فقط مخرجًا… مجرد فرصة أخرى للهرب من هذا الكابوس اللعين ….

ظهرت النافذة… أخيرًا.

كأنها استجابت لغضبي، أو ربما كانت تنتظر اللحظة المناسبة لتعود. انبثقت من العدم، تعوم في الهواء أمامي، متوهجة بضوء باهت، تحمل كلمات مألوفة….

العناصر القابلة للشراء:

خنجر فضي: 100 نقطة مانا..

إكسير تعزيز: 350 نقطة مانا..

سيف فضي: 5,000 نقطة مانا..

{مجموع نقاط المانا التي يملكها اللاعب: 2,000,000}

تسمرت في مكاني، ألهث، والغولم لا يزال في الأفق، يزأر، يطوي المسافة بيننا ببطء وتهديد.

يدي امتدت نحو النافذة كأنها تعرف ما يجب أن تفعله.
الاختيار هذه المرة… لي.
والقوة، إن أحسنت الاختيار، قد لا تكون حلمًا بعد الآن.

نطقت باسم العنصر الذي رغبت به، والكلمات خرجت من فمي كأنها تعويذة محفورة في الذاكرة.

“إكسير الحياة!”
“الخنجر الفضي!”

الإكسير كان ينبض بلون أزرق مضيء، كأنه يحمل نبض حياة مخفية، بينما الخنجر…

الخنجر كان تحفة، خفيف الوزن لكنه مشبع بقوة غريبة، سطحه يلمع تحت شمس الصحراء كأن النور ذاته قد صيغ في زخارفه الفضية البسيطة.

وفوق النافذة، ظهرت الكلمات الجديدة بخط ثابت:

تم شراء واحد من إكسير الحياة…
تم شراء واحد من خنجر فضي…

ارتجف الهواء حولي، كأن العالم أدرك أن شيئًا تغيّر…
ولأول مرة، لم أكن أنا من يهرب.
كنت أنا من سيواجه.

لعبة الخلود

لعبة الخلود

Game Of Immortality
الحالة: Ongoing النوع: المؤلف: اللغة الأصلية: العربية
عِش ما تريد، وتمنَّ ما تشاء، لكن لا تنسَ أن تضع حدًا لأمنياتك... فقد يأتي يوم تتحقق فيه بطريقة لم تكن تحلم بها، وحينها ستدرك كم كنتَ أحمقًا. كنتُ أحد أولئك القلائل مهووسون بألعاب الفيديو، أعيش بين الشاشات، وأحلم بأن أكون جزءًا من العوالم الرقمية التي كنت أغرق فيها لساعات. لم أكن أريد أن أكون البطل النبيل الذي يبكي كالطفل عند أول خسارة، أو ذاك الذي يحمل شعارات العدالة وهو بالكاد يستطيع حماية نفسه. لا، كنتُ أريد أن أكون الشرير—ذلك الذي يفرض هيبته، تتزلزل الأرض تحت قدميه، ويمتلك قوة تفوق بطل اللعبة ذاته. في يوم مشؤوم ، لم أستيقظ في سريري كالمعتاد، بل داخل إحدى الألعاب التي كنت أعشقها حتى الهوس. كل شيء كان مألوفًا، من المدن الشاهقة إلى الشخصيات التي حفظت حواراتها عن ظهر قلب... لكن هناك مشكلة، مشكلة لم تكن في الحسبان—لم أتجسد في جسد ذلك الشرير الأسطوري الذي كنت أتخيله، بل في جسد أكثر شخصية كرهتها على الإطلاق... بطل اللعبة "كايل استورايت".   الآن، وأنا عالق في هذا الدور الذي طالما سخرت منه، محاط بالأعداء الذين لطالما تمنيت أن أكون واحدًا منهم، أدركت حقيقة لم أفكر فيها أبدًا: ربما كان للأبطال سبب يجعلهم يقاتلون، وربما لم يكن الأشرار بتلك العظمة التي تخيلتها... أو ربما، فقط ربما، لم يكن هذا مجرد "لعبة ".

تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الإعدادات

لا يعمل مع الوضع الداكن
إعادة تعيين