Switch Mode

لعبة الخلود | الفصل 2

جلست هناك على الأرض، ظهري مستند إلى الجدار البارد، وعقلي يعالج ببطء الصدمة التي ارتطمت بي كجدار حجري. ذلك الوجه… ذلك الوجه لم يكن لي. لم يكن حتى قريبًا مني بل كان وجه ذلك الفتى” كايل”.

“تبًا… تبًا… تبًا…”

خرجت الكلمات من بين شفتيَّ كنحيب يائس، كأنني أحاول لعن هذا الواقع لعلّه ينهار من حولي. قبضت يديّ على ركبتيّ، وأحكمت الضغط عليهما في محاولة واهية لاستعادة السيطرة، لكن الدموع لم تتوقف. كانت تسيل بحرية على وجهي، كأنها تسخر من محاولتي البائسة للتماسك.

“أنا أحلم… بالطبع أنا أحلم… كيف لشيء مثل هذا أن يحدث؟”

كنت أتمتم لنفسي، محاولًا انتزاع منطقٍ مفقود من هذا الجنون. تسللت إلى وجهي ابتسامة باهتة، ابتسامة خائفة، هشّة، تكاد تتلاشى قبل أن تتشكل بالكامل. كنت أحاول تهدئة نفسي، محاولًا أن أصدق أن كل هذا مجرد كابوس سخيف، وأنني سأستيقظ قريبًا، سأعود إلى سريري، إلى غرفتي، إلى حياتي الحقيقية.

لكن المكان ظل صامتًا. لا شيء تغير. لا شيء استجاب.

بدأ الشك يتسلل إلى قلبي، برده القارس يزحف عبر جلدي… ماذا لو لم يكن هذا مجرد حلم؟

“هيااا! فليجبني أحد! أي أحد!”

كان صوتي يرتدّ في الغرفة، يتردد بين الجدران المتشققة دون أن يتلقى أي إجابة. شهقتُ، أبحث عن أنفاسي وسط الفوضى التي تجتاح صدري، ثم صرختُ بصوت أكثر يأسًا:

“تكلمي أيتها الغبية! ألم تتحدثي من قبل؟ قولي أي شيء! اخبريني أن هذا مجرد حلم غبي… وأنني سأستيقظ منه!”

لكن الصمت كان قاسيًا. الفراغ ظلّ كما هو، كأن كلماتي لم تجد حتى الفرصة لتترك أثرًا في هذا المكان الموحش.

تلاشت الابتسامة الباهتة التي كنت أتشبث بها كطوق نجاة، وحلّت محلها الدموع، تنهمر بلا هوادة، بلا رحمة. كنت أرتجف، ليس من البرد، بل من الخوف العميق الذي تسلل إلى أعماقي كسم زاحف.

لم يكن هناك إجابة. لم يكن هناك صوت.

وقفت على قدميّ، وقلبي يخفق بعنف داخل صدري، مثل دقات طبول الحرب. لكنني لم أكن أسمع سوى صوت أفكاري، صوت الفوضى التي دمرت كل شيء حولي. اتخذت خطوات ثابتة، كمن يسير في طريق لا عودة منه، حتى وصلت إلى الطاولة ، كانت طاولة متأكلة بالكاد تحملها اقدامها الخشبية …

هناك، وسط الفوضى، كان السكين. يكمن هناك، بهدوء قاتل، كما لو أنه ينتظرني. كانت حافة السكين لامعة، تتألق تحت الضوء الباهت الذي يتسلل من النوافذ المكسورة. كانت حادة بما يكفي… بما يكفي لفعل ما أردت.

مددت يدي ببطء، وكأنني ألامس شيئًا أكثر من مجرد أداة حادة. كانت الفكرة التي تدور في رأسي تزداد وضوحًا، تتبلور أمامي كالطيف المظلم الذي لا يمكن الهروب منه.

أمسكت بالسكين بين أصابعي، وأصابع يدي ترتجف بينما عيناي تظلان مثبتتين عليها، غارقتين في بحر من الدموع التي لا تعرف طريقها للخروج. كانت نظرتي مظلمة، مليئة بالضياع، كما لو أنني أبحث عن طريق للهروب من هذا الكابوس الذي أصبحت جزءًا منه.

“تسك.”

صوت التمتمة خرج بصعوبة من بين شفتيّ، بينما كنت أحاول إقناع نفسي بما كنت على وشك فعله.

“عليّ فعلها… عليّ العودة إلى بيتي. لرؤية أمي. قد تكون الآن قلقة عليّ جدًا.”

لم أستطع أن أتحمل هذا الشعور أكثر، ووضعت السكين على رقبتي ببطء، كأنني أود أن أختبر حافة الموت، أو ربما فقط أستعيد شعورًا بالأمان. أغمضت عينيّ، مستعدًا لتجاوز هذا العتبة القاسية.

هيا، افعلها إن أردت العودة.

بالحركة نفسها التي طالما ترددت فيها، قمت بالقطع، وكانت اللحظة غارقة في صمت رهيب، ثم…

في لحظة واحدة، تناثرت الدماء على الأرض بشكل مفزع، كالخيوط الحمراء التي لا تعترف بأي حدود. سقطت السكين، ودوّى صوتها القاسي عند ارتطامها بالأرض، وكأنها تعلن عن النهاية.

لكن… انت مخطأ عزيزي القارء هذا الذي تعتقد انه النهاية هو مجرد بداية …بداية لجنون، و ضياع ألم لمن لا يعرفه كبطلنا الاحمق…

…..

…..

…..

كان…الصمت يلف المكان ، إلى ان استيقظتُ مجدداً ، شهقة حادة مزّقت سكون الغرفة. كان صدري يعلو ويهبط بجنون، وكأنني كنت في سباق يائس مع الأكسجين، ألهث وكأنني خرجت للتو من تحت الماء بعد غرق طويل. العرق كان يتصبب من جبيني، يتجمع في قطرات باردة تزحف ببطء على وجنتي، لكن يدي لم تتحرك لمسحها.

بدلًا من ذلك، اندفعت أصابعي نحو رقبتي، تحسّستها بلهفة، كما لو أنني أتأكد أنني ما زلت حيًا، أن نبضي لم يتوقف. كان الشعور حقيقيًا، ملموسًا

“تسك…”

صدر الصوت من بين شفتيّ حين صررت على أسناني بغضب، شعرت بطعم المرارة يملأ فمي، وكأن الإحباط نفسه أصبح نكهة تلتصق بلساني.

يدي ما زالت متشنجة، وأصابعي تحفر في راحتي وكأنني أحاول أن أتشبث بشيء ملموس وسط هذا الجنون.

تمتمتُ بصوت بالكاد يسمعه أحد، لكن صداه كان يرنّ في رأسي كصوت خافت يتكرر بلا نهاية:

“لماذا… لماذا لم أعد إلى منزلي؟ لماذا؟”

رفعت نظري إلى السقف المتعفن ، إلى الجدران المتشققة، إلى كل شيء من حولي، لكن لا شيء كان مألوفًا. المكان، الهواء، الرائحة… حتى الصمت هنا كان مختلفًا.

في اللحظة التي غرق فيها رأسي في دوامة الأسئلة، انبعث أمامي ضوء خافت، تراقص على حواف رؤيتي كنداء غامض يجذب انتباهي رغمًا عني. استدرتُ ببطء، وعيناي متسعتان بشك، لأرى أمامي شاشة عائمة في الفراغ.

كان لونها أسود، لكن حوافها كانت تتوهج بلمسات زرقاء باردة، كأنها تنبض بحياة خاصة بها. لم تكن مجرد شاشة، بل شيء أكثر تعقيدًا… أكثر غرابة. نظرت إلى أعلى الشاشة، حيث كان هناك سطر مكتوب بوضوح:

“إحصائيات اللاعب”

تجمدتُ في مكاني. لاعب؟ من اللاعب؟ هل يقصدني؟

شعرت بقشعريرة تزحف على عمودي الفقري. كان هناك شيء غير طبيعي يحدث هنا، شيء يتجاوز حدود المنطق. ابتلعت ريقي بصعوبة، بينما نظراتي مسمرة على الشاشة، أترقب الخطوة التالية لهذا اللغز المجهول

. . . .

. . . .

انتظرت قليلًا، والهواء من حولي كان مشحونًا بشعور غريب، خليط من الترقب والقلق. ثم، ببطء، ظهرت نافذة جديدة أمامي.

حدقت فيها بأعصاب مشدودة، بينما أخذت الكلمات تتشكل أمام عينيّ.

(الاسم: كايل استورايت)

(النوع: بشري)

(المستوى: 1)

(الرتبة: E-)

(الفئة: مجهول)

(القدرة: مجهول)

عبستُ وأنا أقرأ السطور الأخيرة.

“الرتبة والقدرة… مجهولتان؟”

غمغمت بضيق: “هذا غريب…”

في كل مرة كنت ألعب هذه اللعبة، كانت الشخصيات تمتلك قدراتها المحددة منذ البداية. فلماذا أنا… أنا بالتحديد، لم يُمنح لي شيء؟ هل هذا خطأ؟ أم أنني لم أكتشف بعد حقيقي بهذا العالم ؟

نظرت بتمعن إلى الكلمات الأخرى التي بدأت تظهر أمامي، متسلسلة كأنها تنزلق على الشاشة . لم تكن تعليمات واضحة… بل أشبه بملاحظات متناثرة، كتبها عقل ساخر لا يرحم.

الملاحظة الأولى:
“كلما ارتفع مستوى اللاعب، مُنح جائزة. وكلما كان المستوى أعلى… ازدادت قيمة الجائزة.”

كان الوعد مغريًا، لكن شيئًا في الطريقة التي كُتبت بها الجملة جعلني أشعر أن الثمن لن يكون بسيطًا.

الملاحظة الثانية:
“سيتم إعطاء اللاعب معلومات… لكن حسب سعر النقاط. إن كان السعر مرتفعًا، فالمعلومة ستكون مباشرة. وإن كان منخفضًا… فاعتمد على ذكائك. (إن كنت تملكه… ههههه).”

لم تكن الضحكة في آخر الجملة مجرد مزحة. كان النظام يسخر مني، صراحةً، وكأنني لعبة بيديه.

الملاحظة الثالثة:
“في حال فشل اللاعب في تنفيذ مهمة يتم النظام بتوكيلها له … ستتم معاقبته.
إما بصعقة كهربائية،
أو بإرساله إلى بُعد آخر،
حيث تنتظره وحوش تفوقه قوة بعدّة فئات… إلى آخره.”

نهاية الملاحظة لم تُكمل تفاصيل العقاب، لكنها لم تحتج لذلك. الرسالة وصلت.

وفي أسفل كل ذلك، ظهرت جملة صغيرة بخط مائل، تلمع بسخرية لاذعة:

“حظًا موفقًا، أيها اللاعب الغبي.”

تمتمت بمرارة وأنا أقرأ الكلمات التي ظهرت أمامي على الشاشة. كانت كل جملة تحمل وراءها سخرية لاذعة وكأن شخصًا حقيقيًا، وليس مجرد آلة غبية، هو من يكتب لي هذه الرسائل.

شعرتُ وكأن هناك من يراقبني، يتسلل إلى أعماقي عبر تلك الكلمات، يتلذذ في تحدي عقلي وصبري.

“تسك…” همستُ في نفسي، محاولًا كبح شعور الغضب الذي بدأ يتصاعد في صدري. كانت الكلمات تزداد قسوة، لكنني لم أكن أملك خيار آخر لو اردت العودة للمنزل علي الاستمرار..

“ماذا علي أن أفعل الآن؟”

بمجرد أن نطقت بهذه الكلمات، شعرت بشيء غريب يتسلل إلى جسدي، كأن موجة غير مرئية اجتاحتني. بدأ رأسي يدور، وأزيز حاد دوّى في أذني، كأن العالم كله يُعيد تشكيل نفسه من حولي.

شهقت، وخرج صوتي مرتجفًا، ممزوجًا بالألم:

“ما هذا… إنه مؤلم!”

سقطتُ على الأرض، وبدأ جسدي يتلوى كما لو أن شيئًا ما يحاول تمزيقي من الداخل. قبضت على رأسي بقوة، أظافري تنغرس في فروة شعري، بينما الألم ازداد شراسة، كأن هناك مخالب تنهش عقلي بلا رحمة.

ذكريات… صور… أصوات…

كل شيء تدفق إلى ذهني دفعة واحدة، فوضى لا ترحم، مشاهد تتداخل ببعضها البعض، أصوات لم أسمعها من قبل، أسماء لم أنطقها يومًا، مشاعر لا تنتمي لي… لكنها كانت تتغلغل في داخلي كأنها ملكي.

شهقت بقوة، وكأنني كنت أبحث عن هواء وسط دوامة تجذبني نحو الأعماق. ثم فجأة…

اغمى علي و أغمضت عيناي، كنت هناك مرمياً على الأرض الباردة، جسدي المنهك لا يقاوم بعد الآن. الظلام ابتلعني بالكامل، كأنني قد انجرفت في أعماق بحر لا قاع له.

مر الوقت… مر… ثم مر…

لا أعرف كم من الوقت بقيت هناك، غارقًا في العدم، عائمًا في صمت خانق. لم يكن هناك ضوء، لم يكن هناك صوت، فقط الفراغ المطلق.

لكن وسط هذا السكون، وسط هذا الظلام… بدأ شيء ما يتغير.

همسات خافتة، كأنها تتسلل عبر جدران عقلي، أصوات مشوشة، متداخلة، غير مفهومة. ثم… شعرت بوجود شيء ما يقترب.

شيء… كان ينتظرني.

رنّ صوت فتاة في أذني كأغنية لطيفة، ناعمًا بطريقة غريبة، يكاد يكون غير واقعي.

“كايل! هيه، كايل! استيقظ!”

ببطء، فتحت عيناي، الضوء كان خافتًا، ضبابيًا، وكأنني أستيقظ من حلم لم أعد أميّز إن كان حلمًا أم كابوسًا. أمامي، وقفت فتاة صغيرة، ملامحها مشرقة، وكأنها تنتمي لعالم مختلف عن هذا المكان البائس. كانت صغيرة… وجميلة، شيء لطيف وسط كل هذه الفوضى.

قبل أن أتمكن من استيعاب أي شيء، اقتربت أكثر، حتى أصبح وجهها قريبًا جدًا من وجهي.

“وأخيرًا! استيقظت أيها الكسول!”

كان صوتها يحمل ضيقًا مصطنعًا، وكأنها توبّخني، لكن في عينيها كان هناك شيء مختلف… فرح؟ أم نفاد صبر؟ لم أستطع التحديد.

لم تمنحني فرصة للرد، أمسكت بيدي فجأة، ويدها كانت ناعمة، دافئة بطريقة غريبة.

“دعنا نذهب الآن!”

لم أفهم شيئًا. كنت لا أزال أحاول استيعاب ما يحدث، ما أنا فيه، ومن هذه الفتاة… لكنها لم تبدُ مستعدة للانتظار تفسيري.

سارت الفتاة أمامي، تقودني إلى مكان لم يكن واضحًا، كأننا نسير في ضباب كثيف، أو كأن خطواتنا تعبر بين الواقع والوهم.

ثم… تغير المشهد.

لم أعد هناك، لم أعد أسير خلفها. فجأة، وجدت نفسي في مكان آخر تمامًا—وسط النيران.

اتسعت عيناي على مصرعيهما، والحرارة اجتاحتني، كأنها لهيب ينهش كل شيء حولي. ألسنة النار ارتفعت، تراقصت بجنون، وكأنها تحاول ابتلاعي. كنت محاصرًا، غير قادر على التنفس، غير قادر على التفكير.

“أين أنا؟ ”

” هل هذه ذكريات الفتى كايل؟”

خرجت كلماتي متقطعة، ضعيفة أمام هدير النيران. لم أكن أستوعب شيئًا، كل شيء كان سريعًا جدًا، حارقًا جدًا، مخيفًا جدًا.

بدأت رؤيتي تصبح ضبابية، الحرارة جعلت جسدي الذي كان جسد طفل صغير ينهار، وكأنني كنت أذوب وسط ألسنة اللهب.

ثم…

فتح باب الغرفة بعنف، وظهر خيال لشخص طويل. رفعت رأسي بصعوبة، محاولًا رؤية وجهه، محاولة يائسة لفهم ما يحدث.

لكن لم يسعفني الوقت لرؤية وجهه.

لم يسعفني سوى الظلام، مرة أخرى.

لعبة الخلود

لعبة الخلود

Game Of Immortality
الحالة: Ongoing النوع: المؤلف: اللغة الأصلية: العربية
عِش ما تريد، وتمنَّ ما تشاء، لكن لا تنسَ أن تضع حدًا لأمنياتك... فقد يأتي يوم تتحقق فيه بطريقة لم تكن تحلم بها، وحينها ستدرك كم كنتَ أحمقًا. كنتُ أحد أولئك القلائل مهووسون بألعاب الفيديو، أعيش بين الشاشات، وأحلم بأن أكون جزءًا من العوالم الرقمية التي كنت أغرق فيها لساعات. لم أكن أريد أن أكون البطل النبيل الذي يبكي كالطفل عند أول خسارة، أو ذاك الذي يحمل شعارات العدالة وهو بالكاد يستطيع حماية نفسه. لا، كنتُ أريد أن أكون الشرير—ذلك الذي يفرض هيبته، تتزلزل الأرض تحت قدميه، ويمتلك قوة تفوق بطل اللعبة ذاته. في يوم مشؤوم ، لم أستيقظ في سريري كالمعتاد، بل داخل إحدى الألعاب التي كنت أعشقها حتى الهوس. كل شيء كان مألوفًا، من المدن الشاهقة إلى الشخصيات التي حفظت حواراتها عن ظهر قلب... لكن هناك مشكلة، مشكلة لم تكن في الحسبان—لم أتجسد في جسد ذلك الشرير الأسطوري الذي كنت أتخيله، بل في جسد أكثر شخصية كرهتها على الإطلاق... بطل اللعبة "كايل استورايت".   الآن، وأنا عالق في هذا الدور الذي طالما سخرت منه، محاط بالأعداء الذين لطالما تمنيت أن أكون واحدًا منهم، أدركت حقيقة لم أفكر فيها أبدًا: ربما كان للأبطال سبب يجعلهم يقاتلون، وربما لم يكن الأشرار بتلك العظمة التي تخيلتها... أو ربما، فقط ربما، لم يكن هذا مجرد "لعبة ".

تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الإعدادات

لا يعمل مع الوضع الداكن
إعادة تعيين