الهواء هنا يحمل رائحة منعشة، مختلفة تمامًا عن رائحة أراكس الثقيلة، ومعها عادت أصوات العصافير التي لم أسمعها منذ زمن، تتداخل مع حفيف الأشجار الهادئ وكأن الطبيعة كلها تحتفي بقدومي.
فتحت عيني ببطء، فغمرتني أشعة الشمس حتى حجبت رؤيتي للحظات، قبل أن أستعيد وعيي تدريجيًا.
دفعت جسدي ليستقيم ببطء، لأجد نفسي مستلقيًا على مقعد خشبي، بارد الملمس تحت يدي.
رفعت بصري، فإذا بحديقة أطفال تتكشف أمامي، أراجيح تتأرجح بخفة وألعاب متناثرة، وصغار يركضون ويضحكون ببراءة.
ارتسمت ابتسامة على وجهي دون أن أشعر، وأنا أراقبهم يمرحون بلا هموم.
رفعت رأسي نحو السماء الصافية، وتمتمت بخفوت، وكأنني أحدث نفسي:
“هل يمكن أن توجد أشياء كهذه في هذا العالم؟”
لفت انتباهي مرور امرأة بشعرٍ أسود، يسير بجانبها طفل صغير لا يتجاوز الخامسة أو السادسة، يحمل الشعر ذاته الذي يكسو رأسها.
للحظةٍ شعرت وكأن ملامحها ضبابية، بعيدة، مشوهة كما لو كانت ذكرى قديمة ترفض أن تتضح…
حتى اقتربت وجلست بجانبي.
التفتُّ إليها ببطء، وعندما وقعت عيناي على وجهها اتسعتا فجأة، وخرج صوتي مرتجفًا دون وعي:
“أمي…”
تابعت بعيني الطفل وهو يركض مبتعدًا، ثم عدت بنظري إليها وكأنني أخشى أن تختفي إن غفوت ثانية واحدة.
“كنتُ أظن أنكِ لن تظهري مجددًا بعد ذلك اليوم…
آخر يومٍ وقفتِ فيه أمامي… لكن، حقًا أمي، هل عدت هذه المرة؟… هل عدت إلى عالمي… إلى حياتي؟”
مددت يدي نحوها ببطء، محاولةً يائسة لأمسك بكفها، لكن أصابعي عبرت من خلالها كما لو كنت ألمس ضبابًا أو سرابًا.
تجمدت في مكاني، ارتجفت أنفاسي، وتمتمت بصوت مبحوح:
“لِمَ… لِمَ لا أستطيع لمس يدها
هل هذا حلم؟…”
“أم… أم أنني فقدت عقلي؟”
ارتفعت أسئلتي في رأسي كهمسات متكسّرة، حتى قطعها صوت خطوات صغيرة تقترب بسرعة.
التفتُّ، فرأيت الفتى يركض نحونا، وابتسامة مشرقة تشق وجهه كالشمس.
تسمرت مكاني، شهقت وأنا أرفع يدي للمس وجهي بارتباك، وخرجت الكلمات من فمي كهمس مرتجف:
“هذا الفتى… أليس أنا؟”
أدركت فجأة، وبكل رعبٍ ودهشة، أن ذلك الطفل ليس غريبًا… بل أنا، أنا حين كنت “نجد”.
ذلك الفتى الصغير الذي لم يرغب سوى بالسعادة، الذي كان يحلم دائمًا أن يبتسم، فقط أن يبتسم…
نظرت إليها، ثم إلى الطفل، وفجأة انهمرت دموعي كما لو فتحت سدًا قديمًا لم يُفتح منذ سنوات.
شعرت بالحنين إلى ذلك الصغير الذي كنت عليه، إلى نفسي التي كانت أمي تحاول دومًا أن تجعلها سعيدة، حتى بعد كل ما مررت به من قسوة الآخرين.
رغم صغر سنه، كان قلبه ممتلئًا بالأمل، يبتسم رغم الألم، ويصر على البقاء نقيًا، كما لو أن البراءة وحدها تستطيع مقاومة عالم لم يرحمه.
“أمي… أنا آسف… أنا لا يمكنني أن اكون مفيدًا لكِ كما كنتِ لي دائمًا.”
خرجت كلماتي متقطعة بين شهقات البكاء، حتى شعرت بصوتي يرتجف كما لو كان قلبي ينطق بدلاً عني.
كانت تبتسم للطفل بحبٍ وحنان، ابتسامة دافئة لم أرها منذ زمن.
وقفت بهدوء، بينما اندفع الصغير ليعانقها من قدميها، وكأن العالم كله يذوب في تلك اللحظة.
وأنا، ببكائي، شعرت أنني ذلك الطفل مرة أخرى…
الذي لم يرَ إلا الآن كم كانت أمه تقاتل من أجل أن يحيا سعيدًا… رغم معاناتها هي أيضًا…
كنتُ طفلًا لم يرَ والده قط، ولم أجرؤ يومًا على سؤال أمي عنه.
كانت هي عالمي الصغير، كانت كل شيء بالنسبة لي، حتى وإن لم أُظهر لها ذلك كما ينبغي.
كانت هي السبب الوحيد الذي جعلني أتحمّل قسوة الآخرين ونبذهم لي، هي الضوء الذي أبقاني واقفًا رغم كل شيء.
ولولاها… لما استطعت النجاة من وحدتي ولا من الألم الذي عشته في تلك السنوات.
استدرت ببطء، وظهري يقابل ظهرها، كأنني أخشى أن أرى لحظة رحيلها.
خطواتها أخذت تبتعد شيئًا فشيئًا، وصوت الطفل يتلاشى معها، بينما قلبي يشتعل بمزيج من الألم والعزيمة…
لم أعرف أي تعبير كان يكسو وجهي في تلك اللحظة، حزن أم تصميم، لكن ما كنت أعلمه يقينًا هو أنني لن أستسلم.
سأعود إليها.
سأعود مهما كان الثمن.
بدأت بالسير في الاتجاه المعاكس لها، كل خطوة أثقل من التي قبلها، لكن عيني كانت تلمع بإصرار جديد…
تمتمت بصوت يكاد لا يُسمع، وكأنني أقسم لنفسي:
“سأعود… وسأراكِ ليس كذكرى من الماضي، بل كحقيقة تقف أمامي.”
تلك اللحظة، سكنت الحديقة فجأة، وكأن العالم كله توقف لوهلة.
ثم مرّت نسمة دافئة خفيفة، كأنها لمسة حنان عبرت على وجهي، تلتها أشعة شمس أخيرة اخترقت الغيوم وسقطت عليّ.
ابتسمت رغم دموعي، أغمضت عيني للحظة قصيرة، وفجأة شعرت بكل شيء يتلاشى من حولي…
….
….
….
فتحت عيني مجددًا، هذه المرة على سقف حجرتي في قصر أستورايت.
كان ضوء النهار يتسلل عبر النوافذ العالية، ينساب على الجدران المزخرفة بألوان ذهبية باهتة، كأنه يعيدني ببطء إلى الواقع.
شعرت بحرارة الدموع ما زالت عالقة على وجهي، فرفعت يدي ولمستها بأصابع مرتجفة، ثم مسحتها ببطء.
أجلست جسدي باستقامة، متألمًا مع كل حركة، وكأن كل جرح في جسدي يذكّرني بالمعركة التي خضتها وبما رأيته قبل قليل.
لكن… سرعان ما انقطع الهدوء.
ارتفع صوت الخادمة فجأة وهي تصرخ بلهفة، هرعت إلى الباب ثم خرجت مسرعة وهي تقول:
“السيد الشاب استيقظ! يا آنستي… يا سيدي! لقد استيقظ!”
ارتجّ صدى كلماتها في أرجاء القصر، وكأنها أيقظت معه كل ما كان ينتظر هذه اللحظة.
أصوات خطوات مسرعة بدأت تتعالى في الممرات..
فتح الباب بعنف، وارتج صوته في الغرفة، وتزامن ذلك مع تنهيدة خرجت مني بلا وعي، لأنني عرفت أن دراما سيليا على وشك أن تبدأ.
دخلت مسرعة، والدموع تملأ عينيها حتى خُيّل إليّ أنها لم تتوقف عن البكاء منذ غيابي.
قبل أن أنطق بكلمة، ارتمت عليّ وعانقتني بقوة، كأنها تخشى أن أختفي من بين ذراعيها مرة أخرى، وبكت وهي تقول بصوت متهدج:
“بني العزيز… اشتقتُ إليك كثيرًا.”
لم أستطع الرد فورًا، بقيت هناك جالسًا بين ذراعيها، أستمع لنبضاتها المتسارعة وكأنها تعانق حياتها كلها لا جسدي فقط.
كان هناك شيء دافئ يتسلل إلى داخلي، شعور حاولت إنكاره كل مرة، لكنه هذه المرة كان أقوى من قدرتي على الصد.
لم أبعدها، لم أقاوم كما اعتدت أن أفعل.
بل منحتها حقها كاملًا، ذلك الحق الذي حُرمت منه طويلًا، ورفعت ذراعي ببطء لألفّهما حولها، وأعانقها أنا الآخر.
تمتمت بصوت خافت، بالكاد يخرج من بين شفتي:
“أنا أيضًا… اشتقتُ لكِ يا أمي… كثيرًا.”
ارتجف جسدها أكثر، وشعرت بذراعيها تضمانني بقوة أكبر، وكأن كلماتي كانت كل ما كانت تنتظره منذ زمن طويل.
ابتعدت قليلًا لتنظر إليّ، والدموع ما تزال تلمع في عينيها، ثم قالت بصوت مرتجف يختلط بين الحزن والعزم:
“أقسم لك يا بني… لن أتركك وحيدًا بعد الآن، لن أدع أحدًا يأخذك مني مهما كان.”
تنهّدت ببطء، كلماتها لامست قلبي لكن لم أسمح لنفسي أن أضعف أكثر. تمتمت:
“كم مضى على نومي؟”
مسحت دموعها بسرعة وقالت:
“أسبوع كامل.”
اتسعت عيناي قليلًا، لم أكن أتوقع أنني كنت غائبًا لهذه الدرجة.
مررت يدي على وجهي بصمت، أحاول استيعاب أن أسبوعًا كاملًا ضاع بينما أنا عالق هناك.
“مهلًا…”
نظرتُ إلى سيليا بقلق، يدي تشد الغطاء فوقي وكأنني أتشبث بالحقيقة التي أعيشها الآن. سألتها بصوت متوتر:
“نيبارا… هل هي بخير؟”
تجمدت ملامحها لوهلة، وكأن السؤال طعنها في مكان ما لا تريد لمسه. ثم أومأت ببطء وقالت بصوت خافت:
“إنها بخير… على الأقل هذا ما وصلنا من الأخبار حتى الآن.”
لم أشعر بالراحة تمامًا، نظرات أمي لم تكن مطمئنة بما يكفي. أغمضت عيني، زفرت نفسًا طويلًا ثم تمتمت:
“هذا جيد…”
زفرت ببطء، لكن قلبي لم يهدأ. شعرت أنني لن أستطيع الجلوس أكثر وأنا لا أعرف ما الذي حدث بعد فقداني الوعي.
دفعت الغطاء عني ونهضت ببطء رغم الألم الذي سكن أطرافي، وضعت قدمي على الأرض الباردة، وكأنها أيقظتني بالكامل.
“كايل…”
قالت أمي بقلق وهي تمسك ذراعي محاولة منعي من الوقوف، أصابعها ترتجف وكأنها تخشى أن أسقط أمامها.
التفتُّ إليها بابتسامة صغيرة مطمئنة رغم أنني بالكاد أستطيع الوقوف وقلت بهدوء:
“أمي، أنا بخير… فقط أريد التنفّس قليلًا في الشرفة.”
ارتجف صوتها وهي تهمس:
“أنت لم تستعد قوتك بعد… سنة ونصف تقريبًا وأنت غائب عني، لا تتركني الآن.”
وضعت يدي برفق على يدها وأبعدتها عن ذراعي ببطء، نظرت في عينيها مباشرة وقلت:
“لن أذهب بعيدًا… أعدك. فقط الشرفة.”
ترددت للحظة، ثم أومأت باستسلام وهي تحبس دموعها. تركتني أتابع خطواتي الثقيلة نحو الشرفة.
كانت الأرضية الباردة تحت قدميّ تُذكرني أنني عدت فعلاً إلى هذا العالم.
وصلت إلى الشرفة، فتحت بابها الزجاجي ببطء، وفور أن لامستني نسمة الهواء البارد شعرت كأن صدري ينفتح للحياة من جديد.
أغمضت عيني للحظة، استنشقت الهواء العليل، ورفعت رأسي للسماء التي بدأت الشمس تغمرها بضياء ناعم.
تمتمت بيني وبين نفسي:
“أنا هنا… ولست هناك بعد الآن.”
ثم فتحت عينيّ ببطء، لأجد غيلبارت يقف عند باب الشرفة يراقبني بصمت، وابتسامة صغيرة تكاد لا تُرى على وجهه.
نظرت نحوه وأنا ما زلت أستند إلى حافة الشرفة، وابتسامة باهتة ترتسم على وجهي.
“سيد غيلبارت… مضى وقت طويل منذ آخر مرة رأيتك بها.”
اقترب بخطوات ثابتة حتى صار بجانبي، وأسند ذراعيه على السور كأنه يشارك اللحظة نفسها.
قال بصوته العميق الهادئ:
“أجل، كان لقاؤنا الأخير أقصر بكثير مما كنت أتمنى. لكن يبدو أنك كبرت كثيرًا منذ ذلك الحين… ليس جسدًا فقط، بل قلبًا وروحًا أيضًا.”
ابتسمت ابتسامة صغيرة ممزوجة بالتعب وقلت:
“الأيام في أراكس تكبرك أكثر مما تتصور.”
تأمل وجهي للحظة قبل أن يهمس بنبرة جادة:
“سمعنا ما حدث هناك… وما فعلته. لم يكن أمرًا سهلاً، أليس كذلك؟”
شعرت بقلبي يثقل في صدري، نظرت إلى الأفق وأجبت بصوت خافت:
“لم يكن سهلاً على الإطلاق.”
ربّت غيلبارت على كتفي بلطف وقال:
“لهذا السبب نحن هنا… لتتذكر أن لديك مكانًا تعود إليه، مهما كان ما واجهته هناك.”
نظرت إليه بجدية، وعيناي تبحثان عن أي إجابة تُخرجني من القلق الذي يخنق صدري.
“هل الفتاة التي كانت معي… هل هي بخير؟”
صمت غيلبارت للحظات، كأنما يزن كلماته بدقة، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة وهو يقول:
“أجل، هي بخير… وهذا بفضلك يا كايل.”
تسارعت أنفاسي للحظة قبل أن أتنهد براحة خافتة، شعرت وكأن حملاً ثقيلاً أزيح عن صدري. نظرت للأسفل وابتسمت ابتسامة صغيرة باهتة:
“هذا كل ما كنت أحتاج أن أسمعه.”
ربت غيلبارت على كتفي بخفة وقال:
“إذن احفظ هذه الراحة، لأن الطريق الذي ينتظرك لن يكون سهلاً.”
رفعت رأسي نحوه، وفي داخلي خليط غريب من الامتنان والاستعداد لما سيأتي.
فجأة، قطع صمت الشرفة صوته الجاد:
“هل ستدخل أكاديمية لوكس؟”
تجمدت للحظة، كأن الهواء توقف حولي. كان سؤالًا عن شيء كنت أتجنبه منذ دخولي هذا العالم، شيء لم أجرؤ على التفكير فيه بعمق حتى الآن.
نظرت نحوه، أحاول أن أقرأ ما وراء تلك النظرة الهادئة، لكن لم أجد سوى حزم وإنتظار صامت.
تمتمت بصوت خافت، أكثر إلى نفسي:
“لم أفكر بذلك… بعد.”
ابتسم بخفة، وكأنه توقع جوابي:
“لا بأس… لكن الوقت لن ينتظرك كثيرًا، كايل. عليك أن تختار.”
شعرت بثقل الكلمات على كتفيّ، كأنها تذكرني بأن رحلة هذا العالم لم تبدأ بعد حقًا، وأن القرار الذي أتهرب منه سيأتي لا محالة.
ابتعد وتركني بمفردي، وحيدًا مع أفكاري.
هل عليّ حقًا دخول الأكاديمية؟
جلست هناك، أستند إلى حافة الشرفة، وأغوص في نفسي.
السبب الحقيقي وراء تجنبي لأي حديث عن الأكاديمية، أو حتى التفكير في دخولها، كان واضحًا جدًا:
لم أرغب أبدًا بالاحتكاك بأي من الشخصيات الرئيسية، لم أرد أن أكون جزءًا من تلك الصراعات، أو أن أعلق في شبكة مصالحهم وخططهم.
لكن كلما نظرت إلى الأفق، شعرت أن هذا العالم لن يمنحني فرصة الاختباء إلى الأبد.
كل خيار ستتخذه الحياة هنا سيقودك إلى مواجهة ما تحاول تجنبه.
تمتمت لنفسي بصوت منخفض:
“إذاً… لا مهرب لي… يجب أن أقرر.”