قبل بضعة أشهر،
من شجاري مع كايل الذي اختار طريقه الخاص بينما سلكت طريقي، لم أستطع منع نفسي من التفكير بما قد يواجهه، ولماذا يهمني إلى هذا الحد إن أصابه أذى أو مكروه.
ذلك القلق الذي تسلل إلى داخلي دفعني لاتخاذ قرار لم أتراجع عنه: أن أتبعه من خلف الظلال.
ظللت أراقبه بصمت حتى بلغ بوابة تلك الكنيسة العملاقة، فدخلها بخطوات ثابتة.
حاولت اللحاق به، غير أنّ حاجزًا غير مرئي، كدرعٍ غامض، اعترضني ومنعني من العبور وراءه.
….
….
….
وها أنا ذا الآن، أقف في الظلال أحدّق به وهو يواجه ذلك الكيان المرعب… عذراء الصرخة،
إحدى أعتى الوحوش التي عرفتها جزر أراكس.
كانت صرخاتها تمزق الأجواء كأنها لعنات سماوية، بينما يقف كايل في مواجهتها وحيدًا، جسده المتعب يصرّ على الصمود أمام قوتها تلك.
عندما وقعت نظرتي في عينيه، لم أرَ بشريًا بعدُ، ولم أرَ كايل الذي عرفته لأيام قليلة فقط… كان كالوحش الهائج، غارقًا في قوة لا تُضاهى.
ومع اقترابه من لحظة النصر، لم أتردد لحظة واحدة من مساعدته ضد ما سيوقفه، أطلقت خيوط الظل لتتحول إلى حاجز، تمنع أي شيء من أن يعيق طريقه أو يوقفه عن الانتصار.
بعد أن سقطت عذراء الصرخة صامتة على الأرض، بقيتُ في مكاني أراقبه.
كان جسده منهكًا، خطواته متثاقلة وهو يتجه نحو وجهة مجهولة بالنسبة لي، ومع ذلك كنت أعلم أنني سأتبعه، أياً كان الطريق الذي سيسلكه.
أطلقت تنهيدة طويلة، ثم خرجت من الظلال التي أخفتني طوال المعركة.
تقدمت بخطوات هادئة حتى وقفت أمامه، لحظتها رفع رأسه بصعوبة، عيناه نصف مغمضتين من الإرهاق، وصوته بالكاد يُسمع وهو يتمتم:
“نيبارا… ماذا تفعلين هنا؟”
توقفت لبرهة، نظرت إلى عينيه المرهقتين، وشعرت بتلك المرارة التي كانت تخنق صدري منذ افترقنا.
أخذت نفسًا بطيئًا ثم قلت بصوت خافت، لكن حاد:
“ألا ترى نفسك؟ كنت ستقتل لو لم أتدخل. مهما حاولت الهرب مني… لن أسمح لك أن تموت قبل أن أعرف إلى أين يقودك هذا الطريق.”
….
….
ظلت الظلال تتراقص حول قدميها وكأنها تعكس اضطراب مشاعرها، بينما كان هو يحدق بها بصمت، مترددًا بين أن يوبخها أو يتجاهلها.
ابتسم كايل ابتسامة باهتة، ثم سقط جسده متخليًا عن قوته.
أسرعت نيبارا، أمسكته قبل أن يلامس الأرض، وأسندت رأسه على كتفها برفق.
“إذن… لا تلوميني إن تأذيتِ.”
تمتم بتعب، وعيونه تغلق شيئًا فشيئًا.
نظرت إليه لوهلة، وعينيها تتأمل ملامحه الشاحبة، ثم أجابت بصوت منخفض، لكنه عميق:
“اللوم؟ كايل… أنت تقاتل حتى لا تموت، حتى لا يبتلعك هذا العالم. آخر ما سأفعله هو أن ألومك.”
رفعت رأسها نحو السماء المظلمة، تحدّق في النجوم وكأنها تبحث عن قوة تخفي اضطرابها.
عاد صوته يقطع الصمت:
“نيبارا… هل كنتِ بخير طوال هذه الأشهر؟”
خفضت نظرها إليه، ابتسامة قصيرة شقت وجهها رغم الدماء التي تحيط بهما، وقالت بخفة ساخرة:
“كنت بخير… في الحقيقة، أفضل حالاً منك الآن.”
ثم جلسته ببطء على الأرض الملطخة بدماء المعركة، وظلت ممسكة بكتفيه حتى لا ينهار مجددًا، فيما كانت عينيه تراقبها بصمت، مزيج من الامتنان والراحة يطفو على ملامحه.
“لماذا… لم تحاولي الخروج من هنا؟”
سألها كايل بصوت مبحوح، وعيناه نصف مغمضتين من التعب.
وقفت نيبارا صامتة للحظة، وكأن السؤال أعادها إلى كل ما مرت به في الأشهر الماضية، ثم قالت ببرود واضح:
“لأن الخروج لم يكن خيارًا آمنًا… ولا كنت سأتركك وسط كل هذا.”
أطلق كايل زفيرًا قصيرًا، شيء بين الضحكة والأنين، وقال بصوت خافت:
“ما زلتِ تتدخلين في طريقي…”
اقتربت منه قليلاً، ركعت بجانبه، وقالت بنبرة جافة:
“ولو لم أفعل، لما كنت تتكلم معي الآن.”
ظل يحدق بها بصمت، ثم أدار وجهه بعيدًا وكأنه لا يريد الاعتراف بصحتها، ونهض ببطء على قدميه بصعوبة.
“إلى أين هذه المرة؟”
سألت نيبارا وهي تمسح بعض الدماء عن يديها.
لم يجب مباشرة، اكتفى بالنظر نحو الأفق حيث يتصاعد دخان بعيد، ثم قال:
“إلى حيث ما زال كل هذا لم ينتهِ.”
نظر إليها كايل، عيناه الباردتان تستعيدان بريقهما القرمزي شيئًا فشيئًا، حدة نظرته تكاد تخترق قلبها.
شعرت نيبارا بقشعريرة وهي تلتقط نية القتل التي تفجرت منه، كأن الهواء من حوله أصبح أثقل.
اتسعت عيناها للحظة، قبل أن تنفجر بابتسامة واسعة، غريبة ومليئة بالتحدي، وكأنها تقبل الدعوة إلى هذا الجنون.
“حسنًا إذن، يا كايل…”
قالت بصوت منخفض يحمل نبرة غامضة، قبل أن تميل قليلاً للأمام وتكمل:
“سنخرج معًا من هذا الجحيم.”
ظل يحدق بها بصمت، البريق في عينيه يزداد اشتعالًا، وابتسامتها ما تزال ثابتة، وكأنها تتغذى من هذا التوتر الذي يحيط بهما.
“حسنًا، نيبارا…”
قال كايل بصوت هادئ لكن حاد، قبل أن يستدير، والوهج القرمزي في عينيه يلمع تحت ضوء القمر:
“كوني ظلي… وسأكون النور لك.”
ثم بدأ بالسير دون أن ينتظر ردها، خطواته تترك أثرًا خافتًا على الأرض الملطخة بالدماء، وكأن طريقه قد رُسم مسبقًا.
توقفت نيبارا للحظة، تحدّق في ظهره، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة هذه المرة، أكثر هدوءًا من ذي قبل، وهمست لنفسها:
“النور والظل إذن…”
لحقت به بخطوات ثابتة، والظلال من حولها تندمج مع الظلام المحيط، حتى صارا يسيران جنبًا إلى جنب نحو نيثيريور، تاركين خلفهم ساحة المعركة والدماء التي لم تجف بعد.
….
….
….
كان الهواء يزداد ثِقلاً مع كل خطوة يخطوانها، والسماء فوقهما أخذت تصطبغ بلون داكن، كأن الليل نفسه يراقبهما بصمت خانق.
توقفت نيبارا فجأة، يدها على منجل حاصدي الارواح خاصتها تشتد، شعرت بشيء يزحف في أعماق روحها.
“كايل… تشعر به أليس كذلك؟”
همست وهي تحدق في الظلام الممتد أمامهما.
لم يجب في البداية، ثم فتح عينيه المتوهجتين وقال:
“يبدو انه استيقظ… نيثيريور.”
تسارعت دقات قلبها رغماً عنها، ورسمت ابتسامة متوترة على وجهها:
“إذن هذا هو حارس أراكس الملعونة… لم أتخيل أن نواجهه بهذه السرعة.”
وقف كايل بثبات، صوته منخفض لكنه حاد:
“لن نخرج من هنا مالم نهزمه”
دوّى صوت عميق من بعيد، كأنه زئير يشق الأرض، وتشققت التربة من تحت أقدامهما، ارتجفت نيبارا، لكن كايل لم يرمش حتى.
“تراجعي للخلف نيبارا.”
قالها ببرود، يده تمسك سيفه الذي بدأ يتوهج بضوء خافت.
ابتسمت ابتسامة واسعة رغم خوفها:
“تظن أني سأفوت فرصة رؤيتك وانت تواجه نيثيريور؟ مستحيل.”
خطت خطوة للأمام بجانبه، ورفعت سلاحها.
أجابها كايل وهو يركز عينيه على الظلام أمامه:
“إذن لا تبتعدي عني.”
قال كايل وهو يلقي نظرة خاطفة نحو نيبارا، ثم أعاد تركيزه إلى الكيان المختبئ في الظلال.
فجأة، انطلقت مجسّات حادة كالسياط باتجاههما، تشق الهواء بصوت صفير مخيف.
“نيبارا! انتبهي… بجانبك!”
صاح كايل بصوت حاد، يقطع إحدى المجسات بسيفه المتوهج قبل أن تصل إليها، لتنكمش الظلال من أثر الضربة.
تراجعت نيبارا نصف خطوة للخلف، عينها على كايل الذي كان يضغط على صدره بيده الأخرى، ملامحه متوترة كأنه يكتم ألمًا حارقًا.
“كايل، هل أصابك شيء؟”
سألت بصوت قلق وهي تحاول صد مجس آخر بمنجلها.
زفر كايل بعمق وهز رأسه.
“أجل… أنا بخير. فقط… دعينا ننهي هذا بسرعة قبل أن يلتهمنا الظلام.”
بدأ يتقدم بخطوات بطيئة نحو مصدر الهجمات، كل خطوة منه تشق الأرض تحت قدميه، والسيف القرمزي في يده يشتعل أكثر مع اقترابه.
انشق الضباب الأحمر فجأة، كأن السماء نفسها تمزقت، ليخرج منها كابوس من جحيم آخر.
كان نيثيريور يقف أمامهما، عملاقًا يفوق حجمه أي مخلوق رأته نيبارا في حياتها. جسده كتلة متحركة من الظلام المشتعل، ومن قلبه ينبعث ضوء قرمزي متوهج كبركان على وشك الانفجار.
مئات المجسات الشائكة خرجت من جسده، تتلوى وتلتف كأذرع حية تبحث عمن تمزقه.
بعضها يضرب الأرض فتتشقق تحتها التربة وتتصاعد شرارات حمراء كأنها لهب.
وجهه بلا ملامح، سوى فجوة مظلمة تتوهج في عمقها عينان جمرتان تتقدان بكره أزلي.
وعلى رأسه ارتفعت قرون طويلة ملتوية، كتيجان شيطانية، تقطر منها شرارات حمراء مع كل حركة يقوم بها.
كان الهواء من حوله يحترق بحرارة خانقة، والسماء خلفه تلطخت بلون الدم، والقمر الأحمر بدا وكأنه يقف شاهدًا على هذه المواجهة الملعونة.
كل نبضة من قلبه القرمزي أطلقت موجة طاقة هزت الأرض وأرسلت رعشة في عظام نيبارا.
رفعت رأسها نحو كايل، ابتسامة صغيرة مريرة ارتسمت على شفتيها رغم الخوف الذي يجثم على صدرها:
“إنه… أكبر مما توقعت.”
شدّ كايل قبضته على سيفه، وعيناه القرمزيتان اشتعلتا بوميض يضاهي وهج قلب الوحش نفسه.
“لا يهم حجمه… قلبه هو هدفنا.”
وفي تلك اللحظة، دوّى زئير نيثيريور، صوت حطم الهواء وأرعب أرواحهم.
ارتفعت مجساته دفعة واحدة، لتضرب الأرض حولهما كالأعاصير، في حين بدأ الظلام يلتف ليغلق كل طريق للهرب.
همس كايل وهو يتخذ وضعية القتال:
“الطريق للخروج يبدأ هنا.”
ابتسمت نيبارا، خيوط الظلال بدأت تلتف حولها مثل الدرع:
“فلنمزق هذا الحارس ونفتح الطريق.”
ومع أول اندفاع لمجسات نيثيريور، اندفعت المعركة، والظلام والنور اشتبكا تحت القمر الدموي.
….
….
….
معلومات..
الوحش: نيثيريور
الرتبة: +SS
القدرة: مجسات الجحيم – قادرة على اختراق أي درع، وتجعل الضحية مشلولة للحظات عند لمسها.
….
اندفعت المجسات نحو كايل ونيبارا كالسهام السوداء، ضرباتها تشق الأرض وتثير موجات من الغبار والشرر.
قفز كايل إلى الجانب، سيفه يتوهج بقوة أكبر، وقطع إحدى المجسات بضربة حادة جعلت الظلام ينفجر كدخان أحمر قبل أن يتجدد مرة أخرى.
“نيبارا، أبقي ظهري آمنًا!”
صرخ كايل، فيما أطلقت نيبارا خيوط ظلها التي التفّت على مجسات أخرى، جاذبة إياها بعيدًا عن كايل قبل أن تخترقه.
“أسرع، قلبه مكشوف لثوانٍ فقط بعد كل هجمة!”
هتفت نيبارا وهي تشد الخيوط لتقيّد الوحش للحظة.
انقض كايل للأمام بسرعة لا تصدق، السيف القرمزي يترك أثرًا مضيئًا في الهواء، وضرب صدر نيثيريور ضربة مباشرة جعلت الوحش يصرخ صرخة هزت المكان كله.
لكن قبل أن يتمكن من متابعة هجومه، اندفعت مجسات متعددة معًا لتضرب الأرض حوله وتبعده بعنف، فتراجع للخلف متماسكًا بصعوبة.
أخرج كايل نفسًا حادًا، يده ترتجف قليلًا من قوة الارتداد.
“إنه يتعلم… أصبح أسرع.”
ضحكت نيبارا رغم الموقف، ابتسامة متهورة ترتسم على وجهها.
“جيد، هذا يعني أن قتاله لن يكون مملاً.”
رفعت يديها، فاندفعت الظلال من الأرض كأنياب ضخمة، تغرز نفسها في أطراف الوحش لتثبته للحظة.
“الآن كايل!… قبل أن يتحرر!”
ركض كايل مرة اخرى، جسده يضيء أكثر فأكثر مع كل خطوة، كأنه شعلة من طاقة حمراء، قفز عاليًا، سيفه مرفوع فوق رأسه.
ومع سقوطه، هبطت ضربة السيف بكل قوته على قلب نيثيريور، لتنفجر موجة طاقة قرمزية أرسلت كايل ونيبارا يتدحرجان بعيدًا بفعل الانفجار.
ارتفع نيثيريور غاضبًا، قرونه تشع بوميض أحمر، وصدره يشتعل أكثر كأنه تحول إلى شمس صغيرة.
بدأت الأرض تتشقق بالكامل من حولهم، والسماء أظلمت أكثر، كأن الجحيم نفسه انفتح تحت أقدامهم.
نهض كايل ببطء، الدم يسيل من جانب فمه، لكنه ابتسم.
“هذا كل ما لديك يا حارس الجحيم؟”
وقفت نيبارا بجانبه، خيوط الظل تتلوى حول ذراعيها كسلاح، مع منجل الحاصدين.
“لنخرج من أراكس اليوم… أو نموت ونأخذك معنا.”
صرخ نيثيريور مجددًا، وانطلقت الجولة الثانية من القتال، أعنف وأشرس، وكأن العالم كله ينهار من حولهم.
هزّ نيثيريور جسده بعنف، محطماً قيود الظلال التي وضعتها نيبارا، لتتناثر شظايا سوداء كالشظايا المعدنية في كل اتجاه.
أطلقت نيبارا صرخة وهي تتراجع للخلف، إحدى الشظايا مزقت كتفها، والدم اختلط بظلالها وهي تحاول التماسك.
“نيبارا!”
صرخ كايل، عينيه القرمزيتين تشتعلان بغضب.
اشتعل السيف في يده بضوء أحمر، جسده كله يضيء بطاقة قاتلة.
اندفع كايل للأمام بكل ما تبقى له من قوة، يصد المجسات بضربات متتالية، كل ضربة تُحدث انفجارًا من الضوء والشرر.
قفز عاليًا مرة أخرى، لكن هذه المرة سيفه امتد بطول يفوق جسده، وكأنه أصبح شظية من القمر الدموي نفسه.
ومع صرخة حادة اخترقت ضجيج المعركة، هبط كايل بكل قوته على قلب نيثيريور.
انفجر الضوء القرمزي في دوامة عملاقة، أضاءت سماء أراكس لوهلة، والوحش أطلق زئيره الأخير قبل أن يتفتت جسده إلى غبار أحمر يتناثر في الهواء.
لكن الانفجار كان هائلاً، دفع كايل بعيدًا ليسقط بقوة على الأرض، سيفه يختفي من يده، وجسده يرتعش من الإرهاق.
ركضت نيبارا نحوه وهي تكاد تفقد توازنها من النزيف، وأمسكت به قبل أن يسقط وجهه على الأرض.
“كايل!”
صرخت وهي تحاول إيقاظه، أنفاسه بطيئة، وصدره يرتفع بصعوبة.
فتح عينيه نصف فتحة، ابتسامة باهتة على وجهه رغم الدم الذي يلطخ شفتيه.
“لقد… فعلناها… الطريق مفتوح الآن.”
نظرت نيبارا إلى الأفق حيث بدأ الظلام يتراجع، وظهرت بوابة بلون المعركة الدموي تؤدي للخروج من أراكس.
دموع غير متوقعة تجمعت في عينيها، ابتسمت رغم الألم:
“أجل… فعلناها، أيها الأحمق.”
حملت نيبارا كايل على كتفها رغم الألم الذي يمزق جسدها، جرحها العميق ينزف لكن عينيها كانتا تلمعان بإصرار.
الظل انبثق من قدميها كأنه يجرّها ويساعدها على حمله، يتمايل مع خطواتها البطيئة نحو البوابة المتلألئة في البعيد.
كل خطوة كانت أثقل من الجبال، وكايل بين يديها بالكاد يفتح عينيه، أنفاسه متقطعة.
ثم…
شعرت بشيء يزحف على ظهرها، ذلك الإحساس البارد الذي تعرفه جيدًا.
توقف ظلها فجأة.
استدارت ببطء، لتجد الأرض من خلفها قد تحولت إلى بحر من المجسات السوداء الممزقة، تتقارب ببطء كأنها تنبض بالحياة.
صوت لزج مرعب يملأ الفراغ، والظلال تتكتل حتى شكّلت من جديد جسد نيثيريور.
هذه المرة كان أضخم، أطرافه تزداد طولًا، وقرونه تلمع كأنها مصقولة بالدم.
قلبه القرمزي ينبض بقوة، كل نبضة تصدر موجة من الظلام تضرب الهواء كعاصفة.
“مستحيل…”
همست نيبارا بصوت خافت، ثم وضعت كايل على الأرض برفق، وشدّت قبضتها على منجل الظل خاصتها:
“إذن… سننهي هذه الجولة الأخيرة، يا وحش أراكس.”
اختفت نيبارا فجأة داخل ظلها، تاركة خلفها أثرًا أسود يتلاشى في الهواء.
في جزء من الثانية، ظهرت خلف نيثيريور وكأنها انبثقت من الظلام نفسه، عيناها تلمعان ببرود قاتل.
انطلقت وبدأت بتقطيع المجسات التي تحاول الالتفاف حولها إلى أشلاء متناثرة.
انفجرت الأرض تحت قدمي الوحش، وصوت صرير مرعب خرج منه وهو يتلوى، لكن قلبه القرمزي ازداد توهجًا كلما تمزقت مجساته، وكأن الألم يزيده قوة.
“لن أسمح لك بالاقتراب منه!”
صرخت نيبارا، ثم اندفعت مرة أخرى، تتنقل بين الظلال بسرعة لا تترك للوحش فرصة لمتابعتها، تقطع مجساته قبل أن تصل إلى كايل.
لكن فجأة…
ارتفعت المجسات من كل اتجاه، عشرات منها، بشكل عشوائي وسريع كالعاصفة، حتى لم يعد هناك مكان آمن تقف فيه.
كان نيثيريور يستعيد نفسه بالكامل، جسده يزداد ضخامة، وصوته يدوّي كهدير بركان يعلن بداية الجولة الأخيرة.
طعنت المجسات جسد نيبارا من كل اتجاه، وألقتها أرضًا بلا رحمة.
صرخة مكتومة خرجت منها، والدماء تسيل من جراحها، بينما عيناها تراقب كايل بعجز.
خيوط الظل اختفت… والمنجل سقط منها، وكأن العالم كله توقف لحظة.
لكن فجأة…
تحرك إصبع كايل على الأرض الملطخة بالدماء، ثم قبض يده ببطء.
ارتجف جسده وهو ينهض من على الأرض، كتفاه تتصاعد منهما بخار دموي، وعيناه تشتعلان بالقرمزي القاتم.
وقف هناك، نصف منحني، يتنفس بعمق.
أمسك سيفه بكلتا يديه، ثم رفع رأسه لينظر إلى نيثيريور مباشرة، وصوته خرج عميقًا، مشبعًا بالغضب:
“لقد أخطأت يا نيثيريور.”
بخطوة واحدة تحرك، فاهتزت الأرض تحته، وارتفعت ذرات الغبار من حوله.
الهالة القرمزية انفجرت فجأة، مزلزلة المكان، كأن وحشًا قد استيقظ داخله.
عيناه لم تعودا بشريتين، بريقهما يشي بنية القتل الباردة.
“لن أسمح لك بلمسها مرة أخرى.”
انطلق كايل للأمام كالعاصفة، خطواته لم تعد مسموعة، وكأن جسده تجاوز حدود البشر.
في غمضة عين، كان أمام نيثيريور، قبل أن تدرك المجسات حتى ما يحدث.
” الطعنة الأولى ”
سيفه اخترق جسد الوحش بسرعة خيالية، كأن الهواء نفسه انشق ليفسح له الطريق.
توهج القلب القرمزي للحظة، صوت أشبه بصرخة وحشية دوى في المكان.
ارتد كايل للخلف بخفة، وعيناه تتوهجان بقوة أشد، بينما دماء نيثيريور تتساقط كأمطار سوداء من الجرح المفتوح.
المجسات اهتزت بجنون، تضرب الأرض عشوائيًا محاولة إصابته، لكنه كان قد اختفى عن مكانه، ظهر خلف الوحش في لحظة أخرى، سيفه يستعد لضربة ثانية.
قبل أن يفيق نيثيريور من الصدمة الأولى، كان كايل قد اختفى مجددًا من أمامه، ليظهر على جانبه الأيمن.
” الطعنة ثانية ”
هذه المرة مزّق سيفه مجسات بأكملها، فتناثرت على الأرض وهي تتلوى كأنها ثعابين تحتضر.
قفز للأعلى، وهالة الدم الحمراء تتصاعد حوله كدوامة نيران، ثم هوى بسيفه على ظهر الوحش، شاقًا لحمَه حتى وصل إلى العمود الفقري.
صرخة نيثيريور هزت المكان، والظلال التي تغطيه تموجت بعنف.
لم يتوقف كايل، بل اندفع للأمام، يضرب مرة، مرتين، ثلاث…
كل ضربة أسرع من التي قبلها، كأن الزمن نفسه لم يعد قادرًا على ملاحقته.
مع كل ضربة، كان الجسد الضخم لنيثيريور يتراجع للخلف، المجسات تتساقط، والدماء السوداء تغطي ساحة المعركة.
وأخيرًا، ظهر كايل أمام قلبه القرمزي مباشرة، سيفه يتوهج بضوء ساطع، وصوته خرج حادًا كالحكم الأخير:
” الثالثة… انتهى أمرك!”
وغرس كايل السيف بكل قوته في قلب الوحش، فاندفع الضوء الأحمر إلى كامل جسده، قبل أن ينفجر نيثيريور بانفجار ظلالي هائل، تناثرت شظاياه كالدخان في الهواء.
ثم خيّم صمت ثقيل…
قبل أن تنفجر السماء فوقهم، تمطر دماء سوداء كثيفة، تتساقط على الأرض وتذيب الحجارة تحتها، وتصبغ العالم بلون الليل.
كل قطرة تصدر همهمة كأنها تراتيل جنائزية، وكل ما تبقى من صوت كان وقع المطر، يقرع الأرض كإعلان بداية جديدة.
وقفت نيبارا بصعوبة، تنظر حولها لهذا المطر الجحيمي، ثم نظرت إلى البوابة البعيدة التي بدأت تتوهج بضوء خافت، كأنها تستجيب لموت الحارس.
“ها هو الخروج…”
تمتمت بصوت مبحوح، وابتسامة باهتة متعبة ترتسم على وجهها رغم الدماء التي تغطيها.
أما كايل، فقد رفع رأسه نحو السماء السوداء، وعيناه القرمزيتان تعكسان المطر، ثم قبض على سيفه بقوة وقال بصوت منخفض:
“لن أبقى هنا بعد الآن.”
وبقي صوت المطر وحده، وكأنه يعلن بداية الرحلة التي ستأخذهم خارج هذه البوابة… وخارج أراكس كلها.
وقف كايل بصعوبة، قدماه ترتجفان تحت ثقل جسده المرهق، والدماء السوداء تتساقط عليه من السماء فتختلط بدمائه الحمراء.
بدأ يمشي مترنحًا نحو البوابة، خطواته بطيئة لكنها مصممة، وعيناه مثبتتان على الضوء الخافت المنبعث منها.
“عليّ… الخروج من هذا المكان… بسرعة.”
تمتم بصوت مبحوح يكاد يختفي وسط صوت المطر.
لحقت به نيبارا بصمت، وجهها شاحب وجسدها مثقل بالجراح، لكنها استخدمت الظل ليدعم وزنها وتمنع نفسها من السقوط.
ظلالها زحفت على الأرض، تلتف حول ساقيها وذراعيها وكأنها تحاول دفعها إلى الأمام.
تعثر كايل فجأة، وسقط على ركبتيه أمام البوابة مباشرة، كأن المسافة الأخيرة أثقلته أكثر من كل القتال السابق.
مد يده نحو الضوء، أصابعه ترتجف، وهو يزحف على الأرض الملطخة بالدماء.
“عليّ… الخروج من هنا…”
تمتم بصوت خافت، وكأن كل ما تبقى من قوته ينسكب في هذه الكلمات.
رأته نيبارا، فهرعت نحوه رغم ألمها، وركضت حتى جثت بجانبه.
“كايل!”
نادته بقلق، لكنها رأت في عينيه بريق الإصرار ذاته، ذلك البريق الذي لم ينطفئ رغم كل شيء.
ابتسمت ابتسامة متعبة، مزيج من الألم والانتصار، وقالت بصوت هادئ:
“لا تقلق… ها نحن نخرج من هذا الجحيم.”
مدّت يديها، وجمعت الظلال من حوله، لتغمره ببطء كأنها ترفعه من بين الموت.
وقفت وهي تحمله، ثم ساعدته ليضع يده على البوابة.
عندها، اشتعل الضوء فجأة، وارتج المكان كله، وانفتحت البوابة أمامهما كعين عملاقة تستعد لابتلاعهما.
خطوا الخطوة الأخيرة معًا، كأنهما يتركان خلفهما وزن سنة وستة أشهر من الجحيم الذي عاشاه في أراكس.
ومع اختفائهما داخل الضوء، خيّم الصمت على الساحة، لم يبقَ إلا صوت المطر الأسود يتساقط…
شاهدًا على نهاية الحارس، ونهاية أراكس.
Hisakawa: لا تنسوا الانضمام لسيرفر الرواية على الديسكورد