Switch Mode

لعبة الخلود | الفصل 17

-كايل استورايت-

“آه…”

‘ما الذي يحدث؟ لماذا جسدي يؤلمني بهذا الشكل؟
أين أنا… ماذا جرى لي؟ آخر ما أتذكره هو قتالي مع الأسد… هل خسرت؟’

فتحت عيناي ببطء، والأسئلة تتزاحم في رأسي. نظرت من حولي، فرأيت القاعة مدمرة بالكامل.

حاولت الجلوس باستقامة، لكن ما إن فعلت حتى اجتاحتني موجة صداع عنيفة، وكأن رأسي ينبض من الداخل.

“لا تتحرك بسرعة هكذا.”

صوت فتاة رقيق ولطيف اخترق أذني.
رفعت بصري نحو مصدره، فرأيت فتاة صغيرة ترتدي قناع أرنب.

“من… أنتِ؟”

“أنا الأرنب… أو بالأحرى، المعالجة الأرنب هنا.”

قالت ذلك بنبرة هادئة تخفي خلفها شيئًا من الجدية.
ثم أضافت بصوت أكثر صرامة:

“والآن، استلقِ… ودعني أنهي علاجك. جسدك ما زال بعيدًا عن الشفاء التام.”

تجمدت الكلمات في حلقي للحظة، وأنا أحدق في الفتاة الصغيرة التي تقف أمامي. لم أفهم… أهذه مزحة؟ معالجتي طفلة؟

“معالجة… طفلة؟”

تمتمت وأنا أحاول كبح ارتباكي.

“هل هذا نوع من السخرية؟”

ضحكت بخفة، لكن ضحكتها حملت برودًا غريبًا.

“صدقني… لا يهم إن صدقت أم لا. المهم الآن أن تصمت وتدعني أُنهي عملي. إن حاولت التحرك أكثر، قد تتمزق جروحك مجددًا.”

شعرت بجسدي يخذلني وأنا أعود لأستلقي ببطء.
ومع ذلك، لم أستطع التوقف عن التحديق في عينيها… تلك الطفلة كانت تخفي شيئًا ما.

“هل خسرت؟”

سألتها وأنا أحدق في يديها الصغيرة، التي كانت تتحرك برفق على جراحي، وكأن طاقتها تنساب داخلي.
لم يختفِ الألم بعد، لكنه أصبح أقل حدّة مع كل لمسة، وكأن جسدي يلتقط أنفاسه من جديد.

أجابت بصوت هادئ لكنه مشحون بالمعنى:

“أجل… خسرت. لكن الأسد تأذى أيضًا. ولا نعلم إن كان سيسمح لك بالخروج من هنا، أم سيبقيك يومًا إضافيًا حتى تهزمه.”

تجمدت لحظة، وكأن الكلمات علّقت في رأسي.
قلبي بدأ ينبض بسرعة، بين الخوف, الغضب والتحدي.

“يوم إضافي؟!”

تمتمت بغضب، بينما يدي ترتجف رغم محاولتي السيطرة على جسدي.

لكن شيئًا في عيني الطفلة جعله يخفف من حدّة شعوري… شيء يوحي أنها تعرف أكثر مما تقول.

أبعدت الطفلة يديها عن جسدي، وقالت بهدوء:

“انتهيت.”

تنهدت قليلاً قبل أن تكمل بنبرة جادة:

“عليك ألا تقاتل كثيراً… جراحك لم تلتئم بالكامل. وأنا لا أستطيع شفاؤك تمامًا، لأن المانا خاصتي لم تتحرر بالكامل بعد، نظرًا لصغري.”

جلست لحظة وأنا أحاول استيعاب كلامها، شعور بالامتعاض والدهشة يختلط بداخلي.

“أنتِ صغيرة، ومع ذلك لديك هذه القدرة…”

تمتمت لنفسي، غير قادر على إخفاء الدهشة في عيني.
لكن شيئًا في هدوئها القاطع جعلني أدرك أن أي محاولة للتمرّد الآن لن تكون ذكية…

“حسناً… حسناً، لن أقاتل كثيراً.”

أجبتها بتململ، وأنا أحاول تحريك جسدي بحذر.

“إذاً… استيقظت أخيرًا.”

جاء صوت الرجل من بعيد، غامض وهادئ في الوقت نفسه، يملأ القاعة المدمرة.

رفعت رأسي ببطء لأرى ظلًا كبيرًا يقترب، وكانت عيناي تتسعان بين الدهشة والحذر.

“الأسد…”

كان الأسد واقفًا هناك، متكئًا على الحائط، أنفاسه ثقيلة وصدره يعلو ويهبط ببطء.

رغم الجروح البادية على جسده، ظلّت هيبته تملأ المكان، كوحشٍ ينهض من بين الركام رافضًا السقوط.

نظرت إليه، شعور متناقض بين الرهبة والغضب يعتصر صدري.

لقد خسرت… لكنه أيضًا لم يخرج سالمًا.

وقفتُ ببطء، متجاهلًا الألم الذي ينهش جسدي، ورفعت عيني نحوه.

“إذن… هل سأبقى أيامًا أخرى هنا بينكم؟”

سألت وأنا أقبض على قبضتي بقوة، أقاوم الارتجاف الذي يفضح ضعفي.

ابتسم الأسد باستهزاء، ثم رفع رأسه قليلًا وكأنه يختبر ثباتي.

“ذلك يعتمد عليك، أيها الفتى… وعلى ما إذا كان لديك ما يكفي من القوة لتجاوز الغد.”

“إذن… سأبقى غدًا كذلك.”

قلت ذلك بنبرة منخفضة، وعيناي تكتسيان بظلمة غاضبة، ثم
رفعت صوتي فجأة، كأن صرخة التحدي اندفعت من أعماقي:

“لا أريد البقاء! هذا يكفي! أستطيع هزيمة نيثيريور بقوتي هذه!”

ساد الصمت لحظة، كأن القاعة كلها توقفت عن التنفس.
حدّق الأسد بي مطولًا، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة متوحشة، مزيج من السخرية والاهتمام.

“تظن أنك قادر على مجابهة نيثيريور بقوتك الهزيلة هذه؟”

قالها بصوت غليظ يتخلله الضحك المكتوم.
ثم دفع جسده عن الحائط ببطء، يتقدم خطوة نحوي، ليزداد ثقل حضوره الطاغي في المكان.

اقترب الأسد أكثر، ثم مال قليلًا وهمس بصوت ثقيل:

“إن خرجت بمستواك هذا… لن تنجو منه. ستكون مجرد وجبة خفيفة بالنسبة له.”

تجمدت أنفاسي للحظة، صررت على أسناني بغضب، حتى كدت أشعر بها تتشقق من قوة الضغط.

كلماته اللاذعة انغرست في أعماقي كخنجر، تزيد ألمي اشتعالًا وتوقظ في داخلي غضبًا لا أستطيع كبته.

“سنرى.”

قلت ذلك وأنا أحدق فيه دون أن أرمش، عينيّ تشعان ببريق قرمزي متوهج، خليط من التحدي والغضب المحتدم.

القاعة المدمرة بدت وكأنها تضيق من حولنا، والهواء صار أثقل مع تصاعد التوتر بيني وبينه.

الأسد لم يتحرك للحظة، لكنه ابتسم ابتسامة واسعة، ابتسامة وحشٍ وجد متعة في رؤية فريسته تتمرد بدل أن تستسلم.

“حسنًا، كايل أستورايت… بما أنك تريد ذلك.”

قال الأسد، وصوته يجلجل في القاعة، ثم تابع وهو يتراجع خطوة إلى الوراء ويفتح لي الطريق نحو باب الكنيسة:

“سأجعلك تواجه نيثيريور.”

“لكن سيدي…”

قاطعته الفتاة الأرنب، صوتها المرتجف مليء بالقلق.
غير أن يدًا وضعت على كتفها، جعلتها تصمت فجأة.

التفتُ بعيني، وإذا بالوشق تقف خلفها، نظرتها حادة كالسيف وهي تقول:

“فروبي، اتركيه. هو من يريد المواجهة، فليتحمل عواقب قراراته. نحن فعلنا ما نستطيع فعله.”

“بالطبع… أنا من يتحمل عواقب قراراته.”

قلت ذلك بابتسامة ساخرة، وأنا أضع يدي في جيبي وأتابع بنبرة مشوبة بالمرارة:

“وليس أنتم… أنتم الذين لا أعرف لماذا ظللتم طوال هذه الأشهر مصرّين على تدريبي.”

خيّم على القاعة صمت ثقيل بعد كلماتي، والعيون كلها انصبت عليّ، بين غضب مكتوم واستغراب لا يريد أن ينطق.

“اصمت، أيها المدلل.”

قال الذئب بصوت جهوري، واقفًا بجانب الأسد، نظراته الثاقبة لا تفارق وجهي.
ثم أكمل بهدوء لكن بثقل يفرض نفسه:

“لدينا أسبابنا، يا فتى…”

شعرت بأن كلماته الثقيلة تثقل الجو، وكأن القاعة كلها تصمت لتصغي لصرامة الذئب وهيبته.

حتى الأرنب الصغيرة نظرت نحوي بعينين واسعتيْن، وكأنها تعرف أن ما سيحدث، لن يكون سهلاً.

“لدي سؤال واحد لكم…”

خرج صوتي ثابت، محاولًا السيطرة على نفسي رغم تسارع دقات قلبي.

توقف الأسد والذئب، وحتى الفتاة الأرنب، عن أي حركة، وعيونهم كلها مركّزة عليّ، مليئة بالفضول والريبة.

أخذت نفسًا عميقًا، ثم أكملت بنبرة تحدٍ واضحة:

“من أنتم… يا قبيلة ريڨانثا؟ ومن أين تعرفونني؟”

ساد صمت ثقيل في القاعة، وكأن الهواء نفسه تجمّد… الوشق، أدارت رأسها ببطء نحوي، وعينيها الحادتين تلمعان بالغموض، فيما ابتسم الأسد ابتسامة غامضة، تحدق بي وكأن كل كلمة قلتها كانت متوقعة مسبقًا.

“توقعت ذلك من ابن… سيريوس.”

اتسعت عيناي وأنا أسمع الاسم الذي نطقه، كان “سيريوس أستورايت”.

هذا الشخص… قائد الحرب العظمى الأخيرة في هذا العالم ضد الشياطين السماوية، الذي بقي اسمه محفورًا في ذاكرة الناس.

وبعد اختفائه، أعلنه الجميع ميتًا، ولا أحد يعلم الحقيقة… لكن هذا الاحتمال الوحيد المنطقي.

ذلك الشخص… والد صاحب هذا الجسد.

رفعت يديّ وأنا أحدق فيهما، ثم همست بصوت منخفض مشحون بالدهشة:

“من أين تعرف سيريوس أستورايت؟”

“ومن لا يعرف أسطورة الحرب العظمى؟”

قال وهو يقترب مني خطوة بخطوة، عينيه تضيقان وكأنهما تخترقان أعماقي.

ثم أضاف بابتسامة باهتة:

“وأيضًا… أنت لا تناديه أبي… هذا غريب.”

ارتجفت شفتاي للحظة، لكنني تماسكت بصعوبة، أحاول إخفاء التوتر الذي اجتاح صدري.

ابتسمت، ابتسامة باهتة أخفيت خلفها توتري، ثم قلت بصوت هادئ:

“أنا لم أعش مع المدعو سيريوس أستورايت… ولم أرَه يومًا. فكيف تريد مني مناداته بأبي؟”

استدرت نحو الباب، خطواتي ثقيلة، وقلت ببرودٍ قصدي:

“أنا سأغادر الآن.”

لكن صوتًا حازمًا قطع الطريق علي:

“انتظر.”

توقفت دون رغبة، نصف جسدي ما زال متجهًا نحو المخرج، ثم التفت ببطء.

رأيت الأسد يمدّ يده نحوي، وفي قبضته عقد بتصميم ذكوري صلب، يلمع بخفوت غامض.

قطبت حاجبي وسألت بحدة:

“ما هذا؟”

أجاب بصوتٍ عميق:

“خذه… إنه عقد شفاء قوي. ستحتاجه أمام نيثيريور… وغيره.”

ثم رماه نحوي برفق. مددت يدي، أمسكت به، وتفحصته بصمت، وأنا أشعر بثقل غريب يتسرب من الحجر الموجود بالعقد إلى كفي.

نظرتُ إلى الأسد، وتململٌ خفيف ارتسم في حركتي وأنا أهمّ بالخروج.
همست ببرودٍ قصير:

“شكراً.”

لم ألتفت لأرى إن كان يبتسم أم لا… فقط اخترق أذني صوته العميق وهو يقول:

“عندما تعود مرة أخرى… سأخبرك عن والدك، سيريوس.”

ابتسمتُ بخفّةٍ باهتة وأنا أسير مبتعدًا، لا أنظر خلفي.
تسلّل همسي إلى الفراغ كأنه وعد لنفسي أكثر من كونه ردًا:

“وكأنني سأعود مرةً أخرى… إلى هذا الجحيم.”

‘هناك شعورٌ غريب أخذ يراودني، ثِقَل غير مرئي يتسلّل إلى صدري… وكأن هناك عينًا ما تراقب خطواتي’.

فكّرتُ بصمت وأنا أسير بهدوءٍ بين الأشجار، محاولًا اقناع نفسي أنّها مجرّد أوهام، لكن كل ورقةٍ تتحرّك في العتمة بدت لي كأنها أنفاس أحدٍ يترصّدني.

أمسكت بخنجري بسرعةٍ خاطفة، واستدرت لأوجه ضربةً عشوائية خلفي.

ليتضح أن وحشًا طائرًا من جماعة “سكويبناتس” كان يوشك أن ينقض عليّ، مخالبه تلمع تحت خيوط الضوء المتسللة من بين الأشجار.

“تسـك… مقرف.”

تجمدت لوهلة، أنفاسي تتباطأ، وفكرة غريبة تخترق ذهني:

“هذا غريب… إنه وحده، وليس في مجموعة كما اعتادوا دائماً.”

بدأت أكمل طريقي، حذرًا أكثر هذه المرة.
وكلما سرت أعمق بين الأشجار، كانت عيني تقع على جثثٍ أخرى متفرقة لوحوش السكويبناتس، ممزقة وكأن شيئًا ما مزقها بوحشية.

تجعد جبيني وخرجت كلماتي همسًا:

“غريب… من قد يفعل هذا؟”

شعور بارد زحف على عمودي الفقري، وكأنني أتابع أثر صيّادٍ مجهول… صيّاد قد يكون أقوى من الفريسة نفسها.

رغم كل شيء… ذلك الشعور الغريب بأن أحدهم يراقبني مازال موجودًا.

كل حركة للريح، وكل همسة أوراق الأشجار، كانت كأنها تنقل لي رسالة خفية: لا شيء هنا كما يبدو.

تقدمت بحذر، عينيّ تلتقط أي ظل يتحرك في الظلام، وكل خطوة كانت تزيد من شعوري بأن شيئًا أكبر، شيء أذكى، يترصّدني من بعيد.

تجاهلت ذلك الشعور الغريب الذي يثقل صدري، وأكملت طريقي بثبات، متجاوزًا الخوف الذي يتسلل بين خطواتي.

اتجهت أولًا نحو “عذراء الصرخة”، كونها تبدو الهدف الأسهل بالنسبة لي في هذه اللحظة، على الأقل مقارنة بما قد ينتظرني لاحقًا.

كل خطوة أخذتني أعمق بين الأشجار، والظلال تتراقص من حولي، لكن عزيمتي لم تهتز.

كنت أعلم أن المواجهة القادمة لن تكون سهلة، لكنها كانت مجرد البداية…

….
….
….

[شاشة النظام]

تم تحديد موقع: عذراء الصرخة

الرتبة: S

مستوى الخطر: متوسط – عالٍ

الاتجاه: شمال شرق (١٫٢ كم متبقٍ)

ملاحظة: تجنب النظر مباشرة في عينيها أثناء الصرخة الأولى.

الموقع مكتمل بنسبة: 87%.

واصلت السير بخطوات حذرة، والهواء من حولي ازداد ثِقلاً، كأن الغابة بأكملها تحبس أنفاسها مترقبة ما سيقع.

لم يطل الصمت كثيرًا، إذ بدأ صدى صرخات خافتة ينساب بين الأشجار، أنثوية النبرة، حادة كالزجاج المكسور، تخترق الأذن وتنهش الأعصاب.

توقفت في مكاني، قبضتي تنغلق أكثر على خنجري، وملامحي تنقبض تحت وطأة ذلك الصوت.

“إذن… لقد وصلت أخيرًا.”

تمتمت بصوت منخفض.

ومن بين الظلال تجسدت، خطواتها تكاد لا تُسمع، جسدها النحيل يتمايل ببطء، وعيناها كهاويتين مظلمتين، بينما يتطاير شعرها الأسود كما لو أنه يقتات على الريح ذاتها.
إنها عذراء الصرخة.

رفعت رأسها ببطء مميت، وما إن تلاقت نظراتنا حتى انبثقت صرخة مروّعة شقت الفضاء من حولي، ارتطمت بأذني كعاصفة ممزقة حتى شعرت أن جمجمتي ستتحطم.

تراجعت بخطوة مثقلة، أضغط أسناني بقوة، فيما تتحرك يدي لا شعوريًا نحو عقد الشفاء الذي أهداني إياه الأسد.

“اللعنة… لم أتوقع أن يكون لقائي الأول بها بهذه الوحشية.”

بينما تراجعت للخلف، رفعت يدي بسرعة لأطبق على أذني بكل قوة، في محاولة يائسة لعزل ذلك الصوت الذي كان يخترقني كإبر نارية.

لكن صرختها لم تكن مجرد صوت… كانت تخترق داخلي، تتسرب إلى أعصابي مباشرة، تهز روحي كما لو أنها تريد اقتلاعها من جذوري.

ارتجفت ركبتاي للحظة، كاد جسدي أن يسقط أرضًا، لكنني تماسكت بصعوبة، أتنفس ببطء وكأنني أغرق في هواء أثقل من الرصاص.

عيني لم تفارقها، أدركت أن أي حركة خاطئة ستجعل نهايتي أسرع مما أتخيل.

‘لستُ أول ضحاياها… لكنني بالتأكيد لن أكون الأخير… أن لم اقتلها هنا… والآن.’

همست في داخلي، وأنا أرفع خنجري استعدادًا للجولة الأولى ضد عذراء الصرخة.

بسرعة فائقة انطلقت نحوها، مستغلًا أي لحظة لأظهر خلفها وأطعنها بخنجري.

لكن ما إن اقتربت حتى شعرت أن شيء يتغير… لم يبقَ سوى شعرة تفصل بيني وبين الضربة، فجأة أدارت رأسها نحوّي.

صرخت بصوت مرتفع، تصاعد كالرعد بين الأشجار، وشعرها الأسود الطويل يتطاير حولها كما لو كان له حياة مستقلة، يزيد من شدة اللحظة.

قلبي تكسر في صدري للحظة، ويداي ارتجفتا قليلاً تحت وقع الصرخة… كل شيء حولي أصبح أكثر قتامة وغموضًا.

دفعت للخلف بعنف، حتى ارتطم جسدي بجذع الشجرة بصوت صامت من شدة الصدمة.
بصقت الدماء من فمي، طعم الحديد يملأ فمي، وكل نبضة في رأسي كانت تترافق مع صرختها المدوية التي لا تهدأ.

تراجعت خطوة أخرى، أحاول استجماع قواي، واليدان ما زالتا تتشبثان بخنجري بشدة، بينما عينيّ تلاحقان كل حركة من عذراء الصرخة.

وقفت أترنح، أنفاسي ثقيلة، ومسحت الدماء عن فمي بيد مرتجفة.

لكن سرعان ما شددت قبضتي على الخنجر، قدماي انطلقتا من جديد نحوها، أسرع هذه المرة، أعمق من أي مرة مضت.

لم أكن أعلم أي تعبير يرتسم على وجهي… كل ما أدركته هو تلك الابتسامة التي لم تفارق شفتي، ابتسامة أقرب إلى الجنون.

شعرت وكأن جسدي بأكمله قد اشتعل من الداخل، وكأنني لم أطلق سوى خيط من قوتي من قبل… أما الآن فقد أضرمت نيران المانا كلها دفعة واحدة.

عروقي تلتهب بضوء أزرق متوهج، نبضاتي تتسارع كطبول حرب، والهواء من حولي يتشقق بوميض خاطف كلما خطوت خطوة أقرب إليها.

أما هي، فبدا على عينيها للمرة الأولى شيء لم أره سابقًا… ارتعاشة طفيفة، كأنها رأت وحشًا يندفع من العدم.

“سأخرج من هذا الجحيم… وسأعود لمنزلي… لأمي.”

تمتمت بها وأنا أضغط الخنجرعلى عنقها، أنفاسي متقطّعة لكن عيناي تشتعلان ببريقٍ قرمزي كأنهما جمرتان تستعران.

رفعت رأسي ببطء، والابتسامة الملتوية ترتسم على شفتي:

“لن أدعكم تقتلوني هنا… لن أُمحى بهذه السهولة. أنا… سأعيش. ومادمتُ أتنفس، سأقاتل حتى الرمق الأخير لي..!”

ضحكت عذراء الصرخة ضحكةً هستيرية، كأنها لا تشعر بالخنجر الملتصق بعنقها ولا بقطرات الدم التي سالت من جرحٍ صغير بفعل ضغط حدّه.

شعرها الأسود الطويل تطاير بفوضوية، وعيناها السوداء ثبتتا في عينيّ دون خوف، بل بشيءٍ غامض أقرب إلى السخرية.

همست بصوتٍ أجش، متقطع مع أنفاسها العالية:

“تظن أنك… ستخرج من هنا؟… تظن أن أمك تنتظرك خلف هذا الجحيم؟”

اقتربت أكثر من شفرتي كأنها تتحداني أن أذبحها في لحظتها، ثم صرخت فجأة بصوتٍ يخترق أذناي كالخناجر:

“لن تخرج… لن تعود… ستبقى هنا… بين صرخاتي!”

اهتز جسدي كله، ضغطت على أذني بيديّ لكنني لم أتراجع، بل شددت قبضتي أكثر على الخنجر، والابتسامة لم تفارق وجهي، ابتسامة ممزوجة بالجنون والإصرار.

“إذن… سنرى من سيبقى للأخير.”

صرختها لم تكن مجرد صوت… بل كانت موجة مدمّرة، اهتزت الأرض تحت قدمي، تساقطت أوراق الأشجار من حولنا كعاصفة، انفجر الهواء في دوائر متتابعة كأن الغابة كلها تئن من الألم.

ارتطم جسدي بجذع شجرة أخرى بقوة حتى شعرت بأضلعي تكاد تتحطم، والدم اندفع من فمي مجددًا، لكن يدي لم تفلت الخنجر، قبضتي التصقت بمقبضه كأنه امتداد لي.

الأصوات في رأسي كانت تتلاطم، أذناي تنزفان من قوة الموجة، ومع ذلك ضحكت، ضحكةً قصيرة متقطعة:

“هاه… هذا كل ما لديكِ؟!”

رفعت رأسي وعيناي مشتعلة ببريقٍ قرمزي أعمق من قبل، وكأن المانا في داخلي انفجرت بكل عنفها هذه المرة.

أحسست بالحرارة تسري في عروقي، عضلاتي ترتجف لا من الضعف، بل من القوة التي لا تحتملها أوصالي.

تقدّمت خطوة للأمام رغم ضغط الموجات الصوتية، قدماي تغرس في التربة كأنني أحطم القيود، قلت بصوتٍ متحشرج لكنه ثابت:

“أنا… سأمزق صرخاتك… وأجعلها آخر ما يخرج من حنجرتك.”

قلت ذلك وأنا أضغط الخنجر أكثر على رقبتها، أشعر بالمقاومة تتلاشى شيئًا فشيئًا تحت قبضتي، حتى بدا أن نصف قوتها يتفكك أمامي.

صرختها لم تنقطع، لكنها اختلطت بالصرخة التي خرجت من جسدي أنا، صرخة قوة وغضب متفجر، حتى كأن الغابة كلها تصفق لهذا الاصطدام بين العزم والوحشية.

“ااااااه… سأقتلك!”

كانت كلماتي تخرج بصراخ حاد، ممزوجًا بأنينها المكتوم. ضغطت بيدي على رقبتها أكثر فأكثر، مستشعرًا ضعفها يتلاشى تدريجيًا.

حاولت أن تقاوم، مادةً يدها لمنعي بأظافرها الطويلة كآخر محاولة يائسة. ولكن فجأة، تجمدت حركتها، وكأن هناك قوة غامضة شلت جسدها. لم أتردد لحظة.

استغليت الفرصة وأنهيت الأمر بضربة حاسمة. انفصل رأسها عن جسدها في لحظة، وسقط على الأرض بضجيج خافت.

وقفت ألهث، وعيناي مظلمتان. كان جسدها ينهار، والدماء تتطاير من رقبتها المقطوعة.

“أخيرًا انتهيت.”

تمتمت وأنا أتحرك لوجهتي الاخرى.

“لم يبق سوى نيثـ… أغغغ.”

انهرت من الألم، ضاغطًا على أذني النازفتين، وأنا أبصق الدماء مرة أخرى.

فجأة، تحطم التعزيز الجسد الشفاف الذي كان يحيط بي. انكسر إلى آلاف الشظايا غير المرئية، تاركًا جسدي مكشوفًا.

شعرت وكأنني أتعرض للطعن من الداخل، بينما كانت الدماء تسيل من أذني، وانهار جسدي بالكامل.

“تبًا، كم أنا ضعيف.”

همست الكلمات بصوت بالكاد مسموع، بينما كنت أصارع من أجل الوقوف على قدمي مرة أخرى.

لعبة الخلود

لعبة الخلود

Game Of Immortality
الحالة: Ongoing النوع: المؤلف: اللغة الأصلية: العربية
عِش ما تريد، وتمنَّ ما تشاء، لكن لا تنسَ أن تضع حدًا لأمنياتك... فقد يأتي يوم تتحقق فيه بطريقة لم تكن تحلم بها، وحينها ستدرك كم كنتَ أحمقًا. كنتُ أحد أولئك القلائل مهووسون بألعاب الفيديو، أعيش بين الشاشات، وأحلم بأن أكون جزءًا من العوالم الرقمية التي كنت أغرق فيها لساعات. لم أكن أريد أن أكون البطل النبيل الذي يبكي كالطفل عند أول خسارة، أو ذاك الذي يحمل شعارات العدالة وهو بالكاد يستطيع حماية نفسه. لا، كنتُ أريد أن أكون الشرير—ذلك الذي يفرض هيبته، تتزلزل الأرض تحت قدميه، ويمتلك قوة تفوق بطل اللعبة ذاته. في يوم مشؤوم ، لم أستيقظ في سريري كالمعتاد، بل داخل إحدى الألعاب التي كنت أعشقها حتى الهوس. كل شيء كان مألوفًا، من المدن الشاهقة إلى الشخصيات التي حفظت حواراتها عن ظهر قلب... لكن هناك مشكلة، مشكلة لم تكن في الحسبان—لم أتجسد في جسد ذلك الشرير الأسطوري الذي كنت أتخيله، بل في جسد أكثر شخصية كرهتها على الإطلاق... بطل اللعبة "كايل استورايت".   الآن، وأنا عالق في هذا الدور الذي طالما سخرت منه، محاط بالأعداء الذين لطالما تمنيت أن أكون واحدًا منهم، أدركت حقيقة لم أفكر فيها أبدًا: ربما كان للأبطال سبب يجعلهم يقاتلون، وربما لم يكن الأشرار بتلك العظمة التي تخيلتها... أو ربما، فقط ربما، لم يكن هذا مجرد "لعبة ".

تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الإعدادات

لا يعمل مع الوضع الداكن
إعادة تعيين