كانت هناك بوجهها الشاحب وجسدها النحيل، كأن البرد قد سكن عظامها.
في الجانب المقابل، جلس الزعماء الثلاثة، وجوههم مغطاة بالظلال، حتى تحرّك دراكنوس المخلّد قليلًا، فانكشفت عيناه الذهبيتان، ذلك الرمز العريق لعائلة أستورايت.
انحنى دراكنوس قليلًا إلى الأمام، وصوته العميق ينساب في أرجاء القاعة المظلمة كصدى بعيد.
قال بهدوء مشوب بالرهبة:
“لقد مضى وقت طويل، سيليا.”
رفت جفونها ببطء، لكن عينيها ظلّتا مثبتتين على الطاولة السوداء، وكأن الردّ أثقل من أن يُقال.
ومع ذلك، انطلقت كلماتها أخيرًا، ببرود متحكم:
“أنا لم أحضر هذا الاجتماع لأنني أرغب، يا دراكنوس المخلّد.”
“بل أتيتُ بصفتي لورد لعائلة أستورايت.”
قالتها سيليا ببرود محسوب، وقبل أن تتمكن من متابعة كلامها، ارتفع صوت رجل آخر.
كان ذا شعر أزرق يلمع تحت الضوء الخافت، وعينين جليديتين لا تحملان أي دفء. نبرته متغطرسة، تنضح بالاستخفاف:
“أوه، سيليا… لا تكذبي. نحن نعرف تمامًا لماذا قررتِ أخيرًا حضور أحد الاجتماعات، بعد أكثر من إحدى عشرة سنة.”
كان ذلك إرفان نيفرونايت، لورد عائلة نيفرونايت وأب الأميرة الجليدية أوريس.
خطا نحو الطاولة بخطوات محسوبة، ثم جلس بارتخاء متعمد، مسندًا ذقنه على كفه، وعيناه لا تفارقانها، كصياد يتأمل فريسته.
“تبدين أجمل من قبل… وأجمل بدون ذلك الرجل.”
قالها إرفان نيفرونايت ببرود يقطر سخرية.
اتسعت عينا سيليا، وتعثرت أنفاسها لحظة قبل أن تتمتم:
“ماذا… تقصد يا هذا؟”
لمعت عيناها بوهج ذهبي حاد، وهي تثبت نظرها عليه من طرف عينها، وكأن شرارة الصراع اشتعلت بينهما في تلك اللحظة.
“بفتتت…”
ضحك بازدراء قبل أن يتابع، وابتسامة ساخرة ترتسم على وجهه:
“أنتِ مضحكة يا سيليا… هل تعلمين ذلك؟”
ارتفعت ضحكته القصيرة، جافة وساخرة، قبل أن يضيف ببرود جارح:
“انظري إلى نفسك… ذلك الوجه الشاحب والجسد النحيل. كيف تخرجين هكذا؟ هل تريدين أن يتحدث الجميع عنك فقط؟ أم… لكي يعلم الجميع، الحكاية المأساوية للمرأة التي فقدت ابنها، وبعد عودته… فقدته مرة أخرى؟ يا للأسف، يا لها من قصة حزينة.”
عندها، ومضة باردة أضاءت عينيه، توهج أزرق لا يحمل سوى القسوة.
“تسك…”
عضّت سيليا على أسنانها، عيناها تلمعان بالغضب، وحزن ثقيل يتسرب من ملامحها.
أرادت سيليا أن تتكلم، لكن صوت باب القاعة وهو يُفتح قطع كلماتها.
التفتت أنظار الجميع نحو الداخل.
دخل رجل ذو شعر أحمر كنيران متأججة، وعيون تومض بلهيب حاد. تقدم بخطوات واثقة نحو الطاولة، والهدوء يلف حركته رغم قوة حضوره.
“مرحبًا… أعذروني على تأخري، فالـبحث أخذ وقتًا طويلًا.”
قالها بنبرة هادئة وهو يجلس في مقعده المخصص، وكأن وصوله كان أمرًا لا يقبل النقاش.
إنه اللورد “موردان سيرفايت”، سيد عائلة سيرفايت النارية، تلك العائلة المعروفة بقوتها المدمرة وهيبتها التي تفرض نفسها أينما ذُكرت.
ابتسم اللورد إرفان نيفرونايت بخفة وهو يقول:
“أهلاً… أهلاً بموردان، أين كل تلك الغيبة؟”
لكن موردان تجاهله تمامًا، وعيناه تتجهان نحو دراكنوس المخلّد وهو يتحدث بهدوء محسوب:
“أيها الزعيم… بخصوص البحث، تقول التقارير إن ابنة نيكس أومبرايس مختفية، وأكبر الاحتمالات أنها في أراكس الملعونة أيضًا.”
ألقى نظرة خاطفة من طرف عينه على سيليا، ثم أعاد بصره إلى دراكنوس.
“هممم…”
همهم دراكنوس بصوت منخفض، قبل أن يرفع رأسه قليلًا ويسأل ببرود:
“هل هذا كل شيء؟”
“أجل، أيها الزعيم… هذا كل شيء.”
أجاب موردان بهدوء، ثم اعتدل في جلسته، وعيناه لا تزالان ثابتتين على دراكنوس وكأنهما تزنانه.
ساد الصمت في القاعة للحظات، ولم يُسمع سوى صوت أنفاس متوترة تتردد بين الجدران الرخامية، قبل أن تتحرك نظرات الحاضرين بين الزعيم والحاضرين، مترقبين الكلمة التالية.
إلى ان كسر الصمت إرفان نيفرونايت بصوت متسلٍّ يقطر سخرية، وهو يميل قليلًا للأمام:
“أليس ابنكِ، يا سيليا… أيضًا هناك، في أراكس؟..هل مات يا ترى؟.”
تسللت ابتسامة باردة إلى شفتيه، وعيناه الجليديتان لا تفارقان وجهها، وكأنه يتعمّد غرس كلماته كخنجر في قلبها أمام الجميع.
ارتجفت أنفاس سيليا، وشعرت بقبضتها تشد على يد لوسيان تحت الطاولة. رفعت رأسها ببطء، وعينيها تشتعلان بوهج ذهبي حاد وهي تقول بصوت منخفض لكنه مشبع بالغضب:
“احذر يا إرفان… فأنا لا أحتمل أن يذكر أحدٌ ابني على لسانه بهذه الطريقة.”
تفاجأ إرفان نيفرونايت قليلًا من ردة فعلها، وغمامة خفيفة مرّت على عينيه، قبل أن تعود ابتسامته الباردة إلى مكانها.
قال بصوت متمهل، وكأنه يتلذذ بكل كلمة:
“حسنًا… سيليا أستورايت، ابنك ما زال على قيد الحياة… رغم أني أشك في ذلك.”
تأرجحت كلماته في القاعة كطعنة بطيئة، بينما ظلت عيناه الجليديتان مثبتتين عليها، يترقب ما إذا كانت ستنهار أم سترد بالمثل.
وعندما همّت سيليا بالرد، وعيناها تشعان غضبًا، قطع صوت دراكنوس المخلّد حدة اللحظة:
“هذا يكفي… إرفان، سيليا… أنتما تجعلان الاجتماع مهزلة.”
“لك-”
بدأت سيليا بالاعتراض، لكن كلمتها انقطعت فجأة، إذ انتشرت هالة دراكنوس القوية في أرجاء القاعة، تلك الهالة التي تجعل الجسد يقشعر والهواء يثقل.
رفع نظره إليها، وصوته يهبط بثقل لا يقبل الجدل:
“قلت يكفي، سيليا… لوسيان، خذها، يبدو أنها متعبة.”
ساد القاعة صمت ثقيل، والجميع يراقب ما إذا كانت ستطيع الأمر أو ستجازف بتحديه.
“آنستي…”
قال لوسيان وهو يمد يده نحو سيليا ليقودها خارج الاجتماع.
لكنها ضربت يده بعنف وهي تبعدها عنها، وعيناها لا تزالان مشتعلة بالغضب:
“يمكنني الخروج بمفردي.”
استدارت بخطوات حازمة نحو باب القاعة، وهدير الصمت عاد ليسود المكان.
وقف لوسيان في مكانه، متفاجئًا قليلًا من ردة فعلها، يحدّق في الباب الذي خرجت منه.
ظل الصمت يخيّم على القاعة حتى كسره اللورد موردان، وهو ينهض من مقعده الفخم المنقوش عليه وسم عائلة سيرفايت.
قال بنبرة هادئة، وهو يزيح عباءته عن كتفه:
“اعذروني… سأذهب لأرى الآنسة سيليا.”
ثم خطا مبتعدًا، تاركًا وراءه أنظار الحاضرين تتبعه، وكأنهم يعلمون أن خروجه هذا لن يكون مجرد مجاملة.
….
….
….
في أرجاء الكنيسة الصامتة، جلس كايل أستورايت على مقعد حجري بارد، تتدلى فوقه أضواء خافتة من النوافذ الملونة.
أمامه كانت تطفو شاشة النظام الزرقاء، أرقامها وكلماتها تلمع كأنها وُجدت لتغريه بالدم والنجاة:
المهام:
1 – قتل “عذراء الصرخة” – 6000 نقطة مانا.
2 – قتل “نيثيريور” – 8000 نقطة مانا.
3 – الخروج من “جزر أراكس” – 10,000 نقطة مانا.
“مغري جدًا…”
تمتم وهو يعتدل في جلسته، يمرر يده على شعره الأبيض الذي أصبح أطول مما كان، بينما جسده الذي كان يومًا هزيلًا بات مشدودًا، يحمل أثر القوة التي اكتسبها خلال أيامه في الجحيم.
“متى ستكف عن مراقبتي هكذا؟”
قالها كايل بصوت مسموع، دون أن يرفع عينيه عن شاشة النظام، وكأنه يتحدث إلى فراغ الكنيسة، أو إلى الظل الذي يعلم أنه هناك.
ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة، تحمل سخرية مكتومة:
“ألن تود بتحطيمي أنت أيضًا؟”
كان صدى كلماته يتردد بين الجدران الحجرية، بينما ظلّت العتمة في زاوية القاعة ساكنة… ساكنة أكثر مما يجب.
“يبدو أن الوقت قد حان.”
وقف أمام كايل على مسافة، جثته مغطاة بالكامل بتلك العباءة الحمراء الداكنة المعروفة لقبيلة ريفانثا، خيوطها الممزقة تتمايل مع تيار هواء بارد يمر من بين الأعمدة.
“إن فزت… فسيفتح لك الحاجز لتغادر… تعال وقاتلني، فأنا خصمك الأخير في هذا المكان.”
قالها بصوت أجش وهو يمد يده ويمسك طرف العباءة، قبل أن يلقيها جانبًا.
تحتها، ظهر رجل بجثة ضخمة، عضلاته مثل الصخور، وجهه مخفي خلف قناع وجه أسد هائل، أنيابه معدنية، وعيناه تلمعان من خلف الفتحات كجمرتين تترصدان الفريسة.
ابتسم كايل بخفة وهو ينهض من مكانه، يضع يديه في جيوبه وكأن الأمر لا يستحق العناء، ثم قال بصوت هادئ يتخلله التحدي:
“حسناً… يا ملك الحيوانات.”
توهجت عينا صاحب قناع الأسد القرمزي بوميض وحشي، وانطلق بجسده الضخم نحو كايل بسرعة مدهشة، خطواته تهز الأرض تحت وزنه.
انحرف كايل جانبًا بخفة، متفاديًا الضربة الأولى، وتراجع خطوة إلى الوراء، قبل أن تتبدل ملامحه إلى تركيز حاد وهو يتمتم:
“تعزيز الجسد.”
ليتبعها بصوت أثقل وأعمق:
“الخلود المؤقت – الإصدار الهجومي.”
أضاء خنجراه بوميض ساطع من طاقة النجم الفضي، تراقصت شراراتها في الهواء، كأنها تهيئ نفسها لافتراس خصمها.
اندفع كايل للأمام، خطواته تخترق الأرض وكأنها صدى لنبض المعركة نفسها.
تألق النجم الفضي على خنجرَيه، يعكس وهجًا باردًا تحت أضواء القاعة الحجرية المتهالكة.
صاحب قناع الأسد الأحمر زمجر بصوت أشبه بهدير وحشٍ من أعماق البراري، عضلاته تنتفخ تحت وشوم داكنة تغطي جسده، وكل خطوة منه كانت تهز الأرض.
التقت الخناجر بالقبضات المغطاة بجلد معدني، شررٌ يتطاير، وصوت احتكاك المعدن يملأ الأجواء.
كايل، بعينيه المضيئتين بوهج القدرة، كان يختفي ويظهر بخطوات متسارعة، يطعن، يراوغ، ثم يعود بهجومٍ أشرس.
لكن ملك الحيوانات لم يكن خصمًا عاديًا…كانت كل حركة منه تحمل وزن معركة كاملة، وكل ضربة كفيلة بتهشيم الجدران من حولهم.
“أرني يا وريث أستورايت… هل أنت مجرد اسم؟”
قالها الأسد الأحمر قبل أن يقفز عاليًا، ملوحًا بقبضة عملاقة تهبط على كايل كنيزك مشتعل.
ارتج المكان، وارتفع الغبار… لكن وسط الدخان، انبثق وهج الفضة مجددًا.
ارتدت الضربة عبر القاعة كصوت انفجار مكتوم، الشرر يتطاير من احتكاك الخنجرين بقبضة الوحش الحديدية.
كايل دفع بكل ما في جسده من قوة، والوهج الفضي يشتعل من ذراعيه حتى أطراف أصابعه.
اندفع جسد الأسد الأحمر للخلف، خطواته الثقيلة تهتز على الأرض، وعبق القوة يتساقط من حوله كغبارٍ محموم.
رفع رأسه من خلف القناع، عينيه المتوهجتين تشعان غضبًا ووحشية، وزمجر بصوت عميق اخترق المكان:
“لم أتوقع أن تصمد… أيها الفتى.”
وقف كايل مستقيمًا، أنفاسه متقطعة لكن عينيه ثابتتان، مسح الدم من طرف فمه بابتسامة خفيفة وقال:
“ألم أخبرك؟… أنني لست مجرد وريث.”
أضاءت الخناجر من جديد بطاقة النجم الفضي، والهواء حوله بدأ يتشقق من شدة الطاقة.
الأسد الأحمر شد عضلاته، وبسط ذراعيه كأنه يستعد لهجومه الأعنف.
كايل بدوره ثبت قدميه، مائلًا بجسده إلى الأمام، جاهزًا للاندفاع.
كانت لحظة صمت قصيرة… ما قبل العاصفة.
بسرعة خاطفة تشابكت خطواتهما في دوامة من الضوء والشرر، كأن الأرض نفسها لا تقوى على استيعاب وزنهما.
اندفع الأسد الأحمر من الجانب، قبضته كالمطرقة تحطم الهواء، لكن كايل رفع خنجريه المتوهجين بطاقة النجم الفضي، ليصد الضربة بصوت معدني صاخب اخترق القاعة.
ارتد الشرر كالعاصفة حول جسديهما، لحظة تماس تحولت إلى وميضٍ أعمى العيون.
لم يترك كايل فرصة، التفت بجسده اندفاعًا وهو يهاجم بخنجره الأيمن، حركة حادة كالبرق، لكن الأسد أزاح الضربة بذراعه المغطاة بالقوة الحمراء، ثم رد بلكمة هادرة كادت تحطم جدار القاعة.
انخفض كايل بسرعة، جسده يتراقص بين الضربات، كل خطوة له مدعومة بـ”تعزيز الجسد”،
وكل هجوم يتفجر بطاقة “الخلود المؤقت-الإصدار الهجومي”.
الخناجر رسمت أقواسًا فضية في الهواء، والأسد قابلها بزئير مكتوم وضربات عنيفة تزلزل المكان.
في لحظة، تلاقت قبضته مع الخنجر مرة أخرى… وانفجر الشرر من بينهما كسيل نجوم متساقط، كأن السماء انفتحت داخل القاعة.
كلاهما لم يتراجع، وكأنهما يختبران من سيسقط أولاً.
….
بين الظلال، حيث لا تصل أنفاس الشرر ولا أصداء الضربات، جلست الوشق متكئة إلى الجدار البارد، عيناها الضيقتان تلمعان بتركيز حاد وهي تتابع كل حركة.
لم تفارق ابتسامة خفيفة محياها، ابتسامة من يراقب اختباراً لا يخصه، لكنه يستمتع بمتابعته.
همست بصوتٍ منخفض لكنه حاد:
” ما رأيك بأداء كايل، أيها الذئب؟ ”
بجانبها، كان الذئب جالساً وكتفاه العريضتان تهتز مع كل شهيق مكتوم.
مد يده إلى صدره، كأن الألم يسكن هناك، وخرج صوته خشناً متوتراً:
” … ليس سيئاً. ”
ثم زمجر بخفوت، نظراته لم تفارق كايل وهو يواجه ضربات الأسد الأحمر. بدا الغضب في عينيه مكبوتاً، كأن شيئاً داخله يرفض الاعتراف بما يرى.
الوشق أمالت رأسها بخفة، نبرتها لاذعة كالسهم:
” لكنك لا تبدو راضياً.”
لم يرد الذئب مباشرة، بل قبض كفه على صدره أكثر، وصوته خرج هذه المرة وكأنه يقضم كلماته:
” لا أطيق الاعتراف… لكنه قوي. ”
تصلبت نظرات الذئب وهو يتابع القتال، الشرر المتطاير من اصطدام الخناجر بمخالب الأسد ينعكس في عينيه المشتعلتين. صوته خرج خشناً متردداً بين الفضول والحذر:
“من تظنين أنه سيفوز، أيتها الوشق؟”
لكن الوشق لم تجبه فوراً، بل أمالت رأسها قليلاً نحو ميدان الصراع، عينيها تضيئان كمن يقرأ ما وراء الحركات.
ثم فجأة، وبهدوء مريب، أدارت ظهرها وبدأت بالابتعاد بين الظلال، خطواتها خفيفة كأنها لم تدُس الأرض يوماً.
قالت دون أن تلتفت، نبرتها كخيط رفيع يتلاشى مع الهواء:
“لست أدري بحق… لكن لا أنصح بالاستهانة بذلك الفتى.”
وفي اللحظة التالية، تلاشت ملامحها في الظلام كأنها لم تكن موجودة قط، تاركة الذئب وحيداً مع صداه وغضبه المكتوم.
جلس الذئب بثقله، عيناه لا تفارقان الشرر المتطاير من ميدان القتال. ارتسمت على شفتيه ابتسامة غاضبة، خليط من السخرية والمرارة، وهو يغمغم في نفسه كأن الكلمات جرح لا يندمل:
«بالطبع… لست غبياً لأستهين بهذا الصعلوك… فأنا قد خسرت امامه.»
ضغط بأصابعه على صدره، حيث لا يزال الألم محفوراً من تلك المواجهة السابقة، والحنق يغلي في دمه.
ومع ذلك، في أعماقه، لم يكن قادراً على إنكار أن شيئاً في ذلك الفتى جعله مختلفاً… شيئاً يهدد كل كبرياء الوحوش.
ارتطم جسد كايل بالجدار بعنف، وارتد منه بقوة كادت تكسر أضلاعه.
تدفق الدم بغزارة من فمه، وجبهته انشقت بخط دموي يمتد إلى عينيه، بينما قطرات حمراء تتساقط على صدره وترتوي الأرض الحجرية تحت قدميه.
سعل بصوت خشن ومرير،
“كح… كح…”
بينما تقطر الدماء من زاوية فمه. أصابعه الملطخة بالدم تشبثت بخنجريه، وعيناه لا تزالان تلمعان بالغضب والتحدي، كأن الألم نفسه صار وقودًا له.
قفز الأسد الأحمر نحو كايل، زئيره يملأ القاعة، والشرر يتطاير من قوة اصطدامهما مرة أخرى، لكن كايل تماسك، الدماء تتدفق منه، وابتسامته المتعبة توحي أنه لم ينهزم بعد.
دفع كايل نفسه بخطوة خطوة إلى الأمام، جسده ممتلئ بالقوة، والدماء تتصبغ على يديه ووجهه، بينما يتراجع الأسد الأحمر قليلاً تحت وطأة ضغطه المتزايد.
امتزجت عينا كايل باللون القرمزي، مشعّة بطاقة تهز المكان، وابتسامته المتعبة اتسعت، تحمل تحديًا صامتًا لكل وحش يحاول الوقوف أمامه.
“سأخرج من هذا المكان ولن يوقفني أحد.”
بدأ كايل في منح الضربات بخنجرَيه بتتابع سريع، كل حركة محسوبة ومتفجرة، الشرر يتطاير مع كل اصطدام، وصدى الحديد والمخالب يملأ القاعة.
الأسد يحاول مقاومة، لكن كل خطوة للأمام من كايل كانت كالجبل، كل ضربة كالسيف الذي لا يلين، حتى بدأت قوة الأسد تتراجع أمام العزم الغاضب والفريد الذي يتدفق في جسد كايل.
بدأت خطوط التعب والارتباك تظهر على جسد الأسد الأحمر، المخالب الثقيلة لم تعد تضرب بثقة كما في البداية، وزئيره المكتوم أصبح أقرب للخرخرة من الهيبة.
كايل استمر في دفعه، ضرباته بالخنجرين تتوالى بلا هوادة، كل ضربة تتفجر بطاقة النجم الفضي، والشرر يتطاير من الاصطدامات كما لو أن السماء نفسها تنهار في القاعة.
ارتعش الأسد تحت وابل الضربات. تراجع خطوة، ثم أخرى، وعيناه المتقدتان باللون الأحمر تلمعان بخوف لم يذقه من قبل.
كل حركة له أصبحت مضغوطة، كل خطوة للارتداد كانت تكاد تفتحه على نفسه.
ابتسامة كايل المتعبة اتسعت أكثر، والدماء التي تغطي جسده لم تخفف من هيبته بل زادتها، فهو الآن يبدولا يُقهَر، وقوته كانت تفرض سيطرته على كل زاوية من القاعة.
لحظة قبل الحسم، رفع خنجره الأيمن واليسرى في حركة مزدوجة، متوهجة بالطاقة الفضية، وبدأ في تحضير الضربة الحاسمة التي ستنهي صراع الأسد الأحمر بلا رجعة.
في اللحظة التي اندفع فيها الأسد بمخالبه العملاقة ليصد الهجوم، استسلم جسد كايل المنهك فجأة.
غامت الرؤية أمام عينيه، وخارت قدماه تحت ثقله، فتأرجح للحظة قبل أن يهوي بقوة على الأرض، محدثًا ارتطامًا مكتومًا دوّى في القاعة.
الخنجران أفلتَا من قبضتيه المرتجفتين، وسقطا على الرخام بصوت معدني حاد، ارتد صداه كأنهما أعلنا هزيمته.
عينيه أُطبقتا ببطء، والدماء انزلقت من فمه وجبينه، لتترك أثرًا قاتمًا على الأرضية البيضاء تحته، فيما بقي صدره يرتفع ويهبط بأنفاس متقطعة، أقرب للاحتضار منها للحياة.
الأسد توقف في مكانه لحظة، مخالبه لا تزال معلقة في الهواء، وعيناه المتوحشتان تابعتا الجسد الملقى أمامه… جسد المحارب الصغير الذي انهار أخيرًا.