استفقتُ وكأن أحدهم مزّقني من حلمٍ لم أطلبه… أو من كابوسٍ قررتُ أن أبقى فيه إلى الأبد.
عيناي انفتحتا بقسوة، والضوء فوقي كأنما خانني من جديد. سقف رخامي رمادي، تملؤه شقوق كجروح قديمة…
هذا ليس قبري.
لكنه ليس حياة أيضًا.
جلست دفعة واحدة.
جسدي صرخ، احتجّ، وكأن كل خليةٍ فيّ تسألني:
“لماذا عدت؟”
نظرتُ حولي… الفراغ واسع، بارد، رخام في كل اتجاه.
رائحة العزلة تعبق في الهواء، تلك الرائحة ذاتها التي كانت تسكن داخلي منذ زمن بعيد.
تحسست صدري الملفوف بضماداتٍ مشدودة. لم يكن هناك مَن يحاول إنقاذي…
كانوا فقط يريدونني أن أبقى حيًّا بما يكفي… ومكسورًا بما يكفي.
تمتمت، أو ربما فكرت بصوتٍ مسموع:
“هذا المكان…”
نعم… أنا أعرفه. لا من الذاكرة، بل من شيءٍ آخر
“هذا معقل ريڤانثا.”
القبيلة التي لا ينتمي إليها أحد، لكنها تبتلع كل من لا يجد وطنًا.
لا أحد يعرف من أين جاءوا… لكنني أعلم جيدًا ما يُرِيدونه.
أن ترفض كل شيء.
كل سلطة. كل نور.
أن تُصبح ظلّك… أن تسير خلف كيانٍ لا اسم له، ولا حاجة له باسم.
هو فقط يتكرّر…
وجه جديد، جسد جديد…
لكن العيون؟
دائمًا قرمزية.
دائمًا مثل نزيفٍ لا يتوقف.
مددت يدي ببطء إلى أسفل جفني… لا أدري لماذا.
غريزةٌ فقط… لكن الأفكار لا تكتمل في هذا العالم.
قبل أن أُكملها، قطع حبلها صوتٌ خشن… كأن الجحيم ذاته تكلّم.
لا دفء فيه، لا رجاء… فقط أمر.
“استيقظت أخيرًا.”
رفعت بصري…
وهناك، وسط الضباب الخافت، كان واقفًا.
رجل برداء أحمر، وجهه مغطّى بالكامل… لا ملامح، لا إنسانية.
أحدهم.
أحد رجال ريڤانثا.
قلت بصوتٍ حذر:
“من أنت؟”
لكنّه لم يمنحني فرصةً للتفكير.
اندفع نحوي بسرعةٍ هائلة، يخلع عباءته في حركةٍ واحدة.
كاشفًا عن عضلاتٍ ممشوقة… ووجهٍ مقنّع بقناع على شكل وجه عديم الملامح .
تراجعت بالكاد، متفاديًا قبضته الضخمة في اللحظة الأخيرة.
“ما بك يا رجل؟!”
سألتُ وأنا أستعيد توازني، لكنّ شيئًا ما في أعماقي أخبرني:
هذا ليس مجرد لقاء.
بل اختبار.
ضاقت عيناي وأنا أحدّق فيه، وابتسامة ساخرة بدأت ترتسم على محيّاي، رغم كل الألم.
“ما هذا الآن؟”
قلت بنبرةٍ مريرة، وكأنني أسخر من الحياة نفسها:
“اختبار؟ عقوبة؟ أم مجرد عبث آخر في هذا الجحيم؟”
لكنّه لم يُجب.
كان واقفًا هناك… بثبات قاتل، يطق عنقه ببطء، وكأن جسده آلة تستعد للهجوم التالي.
وفعل.
اندفع نحوي مرة أخرى، بسرعةٍ لا تترك مجالًا للتفكير.
تراجعت… غريزتي سبقتني، لكن هذه المرة خانني الجسد.
سقطت على ركبتي، شهقت من الألم…
ضلوعي اشتعلت نارًا تحت الضمادات، وكأنها مكسورة بالفعل، أو لُعنت لتبقيني راكعًا.
لكنني لم أصرخ.
لم أمنحه هذا الرضا.
وقفتُ بالكاد على قدميّ، جسدي يتأرجح، وأنفاسي متقطعة.
بصقت الدم من فمي، طعمه معدني، مرّ… كذكريات لا أريد استرجاعها.
يدي ارتفعت بثقل، نحو السوار الملتف على معصمي.
أصابعي المرتجفة لامست النقش المحفور فيه… وفي لحظة، شعرت بالشرارة.
“يكفي.”
همست بها كأنني أوقظ شيئًا داخلي.
السيف انساب من السوار.
قبضتي عليه كانت متوترة، لكن ثابتة.
وفي داخلي… شيء تغيّر.
[الخلود المؤقت – مفعل]
النبض تسارع. الألم اختفى.
كأن روحي صارت دخانًا لا يُكسر، وجسدي قطعة من زمن لا يُمس.
صرخت، لا غضبًا… بل رفضًا.
وركضت نحوه، السيف مشتعلاً في يدي، والخوف… مات مؤقتًا.
…
…
…
“هممم… هممم…”
كانت تجلس على حافة مبنى شاهق، قدماها تتأرجحان في الهواء، تدندن لحناً غريباً بينما تضع إصبعيها أمام عينيها كأنهما منظار صغير.
من ذلك العلوّ، كانت تطالع مشهد إمبراطورية أوريفال، عيناها تتأملان الأبنية والطرق والأعلام، وشعرها الأسود القصير الذي يصل لكتفيها، يتمايل مع الريح.
ابتسمت ابتسامة واسعة وهمست:
“أوه… يا لها من إمبراطورية فاتنة… جميلة لدرجة تدفعني لتدميرها بالكامل.”
ثم أطلقت ضحكة مكتومة، قبل أن يصمت صوتها فجأة، كأن فكرة ما عصفت بعقلها.
“لكن… للأسف.”
أمالت رأسها جانباً، وعيناها تلمعان بخبث خفي.
“لا يمكنني ذلك… بفضل سيدي الأحمق.”
“هل تعلمين… لو سمعك السيّد الآن، فلن يسامحك يا سافيرا.”
جاء صوته الأجش، بنبرة ساخرة، من خلفها مباشرة.
لم تلتفت إليه. اكتفت بأن حرّكت قدمها للأمام والخلف ببطء، كما لو كانت تستمتع بلحن خفي لا يسمعه سواها.
“أنت تعلم جيدًا…”
“أن السيّد… لن يجرؤ على فعل شيء لي.”
قالت ببرود، وهي تراقب الأفق كأن كلماته لم تزعجها.
ابتسم بهدوء، ونظرته تضيق نحوها بشيء من التهكم الخافت.
يعرفها جيدًا… سافيرا، الشيطان الذي لا يحركه شيء سوى متعته العابثة، ولا يأبه بعواقب أفعاله طالما يشعر بالمرح.
قال بصوته الأجش وهو يخطو بضع خطوات نحوها:
“لا تنسي أننا هنا بمهمة من السيّد.”
لكنها لم تلتفت بعد، ظلت تتأمل الإمبراطورية كأنها قطعة فنية مملة.
“أعرف…”
تمتمت ببرود، ثم أردفت بابتسامة لاهية:
“لكن من قال إن تنفيذ الأوامر لا يمكن أن يكون… مسليًا قليلاً؟”
…
…
…
مرّت الأيام والليالي، وكايل لا يزال يتدرّب في كنف تلك القبيلة … ريڤانثا.
كان يتلقّى تدريبه على يد محاربيها، واحدًا تلو الآخر، وكل واحدٍ يبدو أضخم وأشد بأسًا من الذي سبقه.
لكن الملفت حقًا… أن من تولّين تدريبه في الغالب كنّ من الإناث، نساء شرسات، يُنظر إليهن على أنهنّ محاربات القبيلة الحقيقيات، لا يقلّ بأسهنّ عن أي رجل، بل يفوقنه في كثير من الأحيان.
من بينهن برزت واحدة تُدعى الوشق.
جسدها مشدود كالوتر،أما وجهها لم يستطع رؤيته. بسبب قناع الوشق خاصتها، وحركاتها لا تشبه الرقص لكنها كانت أكثر أناقة من أي رقصة حرب.
كانت تهاجمه كل صباحٍ بعنف مدروس، وتُسقطه أرضًا بلا رحمة. لا تمنحه وقتًا للراحة، ولا تعترف بالشفقة، وكأنها تحاول كسر شيء بداخله…
في إحدى المرات، سقط كايل على الأرض وهو يلهث، محاطًا بالغبار والعرق والوجع، رفعت الوشق رمحها، غرسته بجانب رأسه، وقالت بصوت بارد:
“أنت لست هنا لتتعلم القتال، بل لتنسى أنك ضعيف.”
نظر إليها بصمت، وهو يدرك شيئًا فظيعًا…
في ريڤانثا، لا ينجو إلا من يحترق حتى العظم، ليُصقل كالفولاذ.
ابتسم كايل بسخرية، شفتاه تقطران دمًا، وعيناه تلمعان بتحدٍّ مكتوم.
نهض ببطء من على الأرض، يتجاهل الألم الذي يعصف بجسده، ثم قال بنبرة مشبعة بالتهكم:
“هل حقًا تحتجزونني من أجل أمر تافه كهذا؟”
رفع نظره نحوها، نحو تلك المحاربة الصارمة التي تُخفي وجهها خلف قناع الوشق،
قناع معدني ذو ملامح مفترسة، بعينين ضيّقتين تلمعان خلفهما نظرة لا يمكن سبرها.
“وماذا لو لم أرغب في نسيان ضعفي؟ أخبريني يا فتاة الوشق.”
نطقها ببطء، يتحدّاها، يختبر ردّ فعلها.
ذلك اللقب لم يكن محض سخرية، بل صار انعكاسًا حقيقيًا لها… هادئة، متربّصة، قاتلة.
تجاهلت الوشق كلماته كأنها لم تسمعها، مدّت يدها بهدوء… فاندفع الرمح من حيث كان مغروزًا، مخترقًا الهواء بثبات، واستقر بين أصابعها بدقة مذهلة.
أمسكته دون أي التفاتة، ثم قالت بصوت بارد وهي تسير مبتعدة:
“الأخ الأكبر… حان دورك.”
من بين الظلال الزاحفة خلفها، خرج رجلٌ أشبه بالوحش.
جثته ضخمة بصورة غير طبيعية، ووجهه مخفي خلف قناعٍ معدني على هيئة ذئب، عيناه يلمعان بلونٍ فاحم من خلف فتحاته، بلا مشاعر، بلا تردد.
ومع كل خطوة يقترب بها، كانت الأرض تحت قدميه تهتز خافتًا.
ثم رفع يده فجأة… وانطلقت من أصابعه مخالب معدنية سوداء، حادّة كأنها نُحتت من ليلٍ دامٍ.
كايل راقبه بشبه صدمة، ثم تمتم ساخرًا بصوت خافت:
“تبًا… هذا ما كان ينقصني… الذئب الأسود.”
ثم اعتدل في وقفته، مسح الدم عن فمه، ورفع قبضته بثبات، نظراته لا تفارق ذلك القناع الحيواني.
“حسنًا إذن… أيها الذئب، واجهني.”
انقض الذئب الأسود. كأنه طلقة نار، اندفع نحو كايل بخفة لا تليق بجسده الضخم، وقبل أن يستوعب كايل الحركة، كانت المخالب تلمع في الهواء، تقطع الفراغ باتجاه صدره.
تدحرج كايل على الأرض في اللحظة الأخيرة، والضربة شقت الغبار خلفه تاركة أثرًا غائرًا في الأرض الصلبة.
“سريع…”
تمتم كايل وهو يقفز على قدميه، لكن الضربة الثانية كانت قريبة جدًا.
كاد القناع المعدني أن يصطدم بوجهه، لولا أنه انحنى ووجه لكمة مضادة إلى خاصرة الذئب.
لكنها لم تُحرّكه.
“توقف عن مداعبتي!”
زمجر الذئب بصوت خافت من خلف القناع، ووجه ضربة بمخالبه أُجبر كايل على صدّها بكلتا يديه.
الشرر تطاير، وكايل طار للخلف عدة أمتار، ظهره ارتطم بالجدار فتهشم خلفه.
نهض يلهث، الدم ينزف من ذراعيه.
“قوته… وحشية… لكن لا أحد لا يمكن إسقاطه.”
همس لنفسه، وهو يُفعّل مهارته الخفية،والجديدة وميض النجم.
توهّج خافت مرّ على جسده، وعيناه اشتعلتا بلونٍ غريب.
عاد الذئب يهاجم، لكن هذه المرّة… كايل لم يتراجع.
أمسك ذراعه الضاربة، ولوى جسده بطريقة حادة، استغل زخمه ووجه ضربة مفاجئة إلى الجانب المكشوف من القناع، فصدر طنين معدني وصوت تصدع خافت.
تراجع الذئب خطوة.
“هل صدمني حقًا؟”
همس الذئب، وكأنه فوجئ للحظة.
“أنت لست الأسوأ هنا…”
قال كايل، والابتسامة ترتسم على وجهه رغم الدم.
“لكنني لن أكون الضحية في حكايتك.”
ارتجفت أصابع الذئب الأسود من الاثارة والتحدي،
صوت طقطقة معدن المخالب تصاعد كتهديد.
“كنت أظن أنني سأكسر عظامك بسهولة… لكن يبدو أنني سأستمتع أكثر.”
خرج صوته الأجش من خلف القناع، مشبعًا بنبرة افتراس.
ثم فجأة… انبعث دخان أسود كثيف من جسده، غلّف أطرافه، والتهمه كما يلتهم الليلُ القمر.
بدأت مخالبه تتمدد، تزداد طولًا وحدة، حتى أصبحت أشبه بسيوف مقوّسة تتلألأ بوميض شيطاني.
“تبا… لم يخبروني أنك تملك هذه القدرة.”
تمتم كايل وهو يثبت قدميه في الأرض.
انقضّ الذئب هذه المرة بسرعة غير طبيعية، واختفى وسط سحابة الدخان…
ولم يره كايل إلا عندما شعر ببرودة المخالب تلامس عنقه.
بسرعة خاطفة، انحنى وأفلت من الضربة، لكن ردّة الفعل لم تكن كافية لتجنّب الركلة التي هوت على جانبه، قذفته مترين في الهواء قبل أن يرتطم بالأرض.
كايل نهض بصعوبة، الدم يسيل من زاوية فمه، لكنه ابتسم، وكأن الألم يشحنه بدلاً من أن يضعفه.
“حسنًا أيها الذئب… إذا كنت تملك أنيابًا، فأنا أملك ما يجعلها تتفتت.”
رفع يده إلى السوار المعلّق في معصمه، فانفجر ضوء فضي قوي، وانطلقت منه شفرات طاقة على شكل خطوط متوهجة تحيط بذراعيه.
تقدم خطوة، والهواء من حوله بدأ يهتز، والأرض تتشقق تحت قدميه.
“الخلود المؤقت… الإصدار الهجومي.”
الذئب الأسود أطلق زئيرًا مدويًا، وكايل انقض نحوه.
في اللحظة التالية… اصطدمت قوتهما، الهواء امتلأ بشرر المعدن وضربات الطاقة.
لكل ضربة، كان هناك رد… ولكل خطوة للأمام، كان هناك ارتداد للخلف.
لكن أحدهما… كان ينهك الآخر ببطء.
ابتعد الاثنان عن بعضهما مسافة، لكن الهواء بينهما كان يشتعل بالتوتر.
أنفاسهما ثقيلة، والعرق والدم يغطيان جسديهما، كأنهما خرجا من قلب معركة أبدية.
رفع الذئب يده إلى قناعه، أصابعه الخشنة تحسسته، وأثر الضربة التي كادت تكسر هيبته.
لحظة صمت قصيرة… ثم توهجت عيناه من خلف القناع بضوء أحمر أعمق، أكثر غضبًا.
هالة مظلمة انطلقت من جسده، زاحفة على الأرض كأنها كائن حي، ملتفة حول قدميه، ثم صعدت على كتفيه، لتغلفه برداء من الظلال.
صوته خرج أعمق، أثقل، كزمجرة ذئب يقسم بدمه:
“هل تظن أن طفلاً مثلك… سيهزمني؟”
كان صوته لا يحمل استهزاءً فقط، بل وعيدًا ثقيلًا… وعدًا بأن القادم سيكون أسوأ بكثير مما رآه كايل حتى الآن.
….
وقف الذئب الأسود بوضعية هجومية، جسده منحنٍ قليلًا للأمام، والمخالب الممدودة أمامه تلتف حولها هالة سوداء كثيفة، تتراقص كألسنة نار مظلمة.
عينيه الحمراوين تتوهجان بشدة، وصوت زمجرته يخترق الهواء.
ثم… انطلق.
سرعته كانت صاعقة، لم ترَ مثلها العيون، حتى إن ظلّه ترك أثرًا أسود خلفه على الأرض.
في طرفة عين أصبح أمام كايل، والمخالب تهوي في مسار مائل، كقطع شبحٍ يمزق الفضاء نفسه.
كايل بالكاد التقط الحركة، لكنه أدار جسده وانحنى، تاركًا المخالب تمر بجانب وجهه، شعره تحرك مع تيار الضربة.
لكن الذئب لم يتوقف
استدار فورًا، مخالبُه تلمع في الهواء، موجّهًا الضربة الثانية، أسرع من الأولى، مباشرة نحو وجه كايل.
كايل دفع طاقته الفضية إلى الحد الأقصى، وميضٌ قوي انفجر حول جسده، وأدار ذراعه ليصد الضربة.
الاصطدام كان هائلًا، الشرر تطاير، وأصوات المعدن على المعدن ترددت في المكان، بينما الأرض تحت أقدامهما بدأت تتشقق من الضغط.
“هذا… لن يكفي.”
تمتم كايل، ثم أطلق من قبضته دفقة طاقة عنيفة، دفعت الذئب للخلف نصف خطوة… لكنها لم توقفه.
الذئب ابتسم من خلف قناعه المتصدع، وقال بصوت غليظ مليء بالوعيد:
“أنت أسرع من أن تسقط… لكني سأجعلك تركع.”
وفي لحظة، انقض مجددًا، الهالة السوداء حوله تزداد كثافة حتى بدت كجدار من الظلام يبتلع كل شيء أمامه.
أمسك كايل خنجرَيه بكلتا يديه، والضوء الفضي المتوهج من طاقة النجم غمر جسده بالكامل، يلتف حوله كسربٍ من الشهب الصغيرة.
الوميض كان نابضًا بالحياة، كأن قلبه نفسه صار نجمةً تصرخ للقتال.
في الجهة المقابلة، كان الذئب الأسود يندفع نحوه، الهالة المظلمة تتدفق من جسده كأنها محيط أسود لا قاع له.
وعندما التقيا… امتزج النور بالظلام.
انفجار من الشرر الفضّي والأسود تطاير في كل اتجاه، كقطع زجاج ملتهبة في الهواء.
الضوء والنور تقاتلا ككائنين حيين، كل منهما يحاول ابتلاع الآخر، وكأن المعركة لم تعد بين رجل وذئب… بل بين ليلٍ لا ينتهي وفجرٍ يرفض أن يولد صامتًا.
صوت الاصطدام كان أشبه بصاعقة شقت السماء، تبعها دويّ ارتجّت له الأرض.
كايل دفع بكل قوته، خنجرَيه يضغطان على مخالب الذئب التي تحاول شق طريقها نحوه، بينما قوة كل منهما تتناوب على دفع الآخر للخلف.
لكن لا أحد منهما كان مستعدًا للتراجع.
الفضة كانت تتوهج أكثر، والظلام كان يشتعل أعمق، حتى صار المكان بينهما عاصفة متصارعة من النور والليل، تهدد بابتلاع كل ما حولها.
وفي لحظة، أطلق الاثنان صرخة الحرب، ودفعا كل ما تبقى في جسديهما إلى الهجمة الأخيرة…