Switch Mode

لعبة الخلود | الفصل 14

كان أندرو في غرفة سيليا، يُغطيها برقة وهي نائمة، كأن جسدها المنهك لم يعرف دفءَ الراحة منذ زمن بعيد. حدّق فيها للحظة، ثم تنفّس بعمق واستدار بخطى هادئة نحو الشرفة. أخرج علبة سجائر من جيب سترته، نقر عليها بخفة حتى خرجت واحدة، واحتفظ بها بين شفتيه دون أن يشعلها بعد.

وقف بجانبه لوسيان، صامتًا كعادته، يراقب السماء الرمادية التي غطت المدينة.

مد أندرو العلبة نحوه، وقال بصوت خفيض، وهو يشيح بنظره نحو الأفق:

“هل تريد واحدة، سيد لوسيان؟”

الريح تعبث بطرف الستائر الثقيلة خلفهما، وصمت الليل يضغط بثقله حتى قطعه صوت لوسيان المنخفض والحاد:

“كيف حالها؟”

تناول علبة السجائر دون أن ينظر إلى أندرو.

أجاب أندرو بعد تردد، وهو يشعل سيجارته:

“هي بخير… لكن مناعتها ضعيفة الآن.”

أشعل لوسيان سيجارته، سحب نفسًا طويلًا وزفره مع غيمة دخان خفيفة:

“كنت أعلم أنها ستفعل ذلك… وتستعمل اللعنة.”

قالها كما لو كان يحدث نفسه، والغضب يغلي بهدوء في صدره.

تنهد أندرو، ورفع عينيه إلى السماء، كأنه يخاطب شيئًا أكبر:

“هي أم، سيد لوسيان… ماذا كنت تتوقع أن تفعل في وضع كهذا؟”

رد لوسيان بحذر:

“أم… لم يكن أمامها خيار سوى استعمال لعنة كاميلار، أليس كذلك؟”

أخذ أندرو نفخة أخرى، عيناه معلقتان في البعيد، كأن الجواب أثقل مما يحتمل.

صمت لوسيان، مكتفيًا بمراقبة الدخان يتلاشى في الهواء البارد، كأن كل شيء فيه ينهار بهدوء… مثلها.

أردف أندرو بصوت متهدج، يحمل مزيجًا من السخط والحزن:

“كل ما فعلته… كان لحمايته. لو كنت مكانها، لفعلت الشيء نفسه.”

لوّح لوسيان بسيجارته ببطء وقال دون أن ينظر إليه:

“لا… لو كنت مكانها، لكنت قتلت التهديد قبل أن يقترب.”

قال أندرو بهدوء:

“أنت لا تعلم كم حاولت السيدة سيليا.”

ألقى بنظره نحو الفراغ بين السحاب والدخان، وأكمل، كمن يبرئ قلبًا غارقًا في الذنب:

“لكن السيد الشاب… عنيد جدًا. يشبهه… كثيرًا.”

رمقه لوسيان بطرف عينه، وسأل بسخرية مائلة:

“يشبهه… في العناد فقط؟”

هز أندرو رأسه ببطء، وزفر دخان سيجارته:

” ليس العناد فقط… بل حتى شكله.”

عمّ الصمت لحظة ثقيلة، ثم انحرف نظر لوسيان نحو الغرفة حيث ترقد سيليا، وقال بحذر:

“وهل هي مستعدة… لتراه يصبح هو؟”

توقف الزمن على الشرفة، ثم أضاف لوسيان بنبرة متهدجة، تحمل مرارة وخوفًا:

“هل هي مستعدة… أن ترى ابنها نسخة عن والده؟ طاغية… شيطان حرب… وآلة في آن واحد؟”

كانت الكلمات كطلقات تصيب أندرو في القلب. خفض عينيه نحو الأرض، وأسقط رماد سيجارته بصمت، كأنه فقد حق الدفاع، أو أن الدفاع لم يعد يجدي.

تنفس أندرو ببطء، كأن شيئًا ما كان يخنقه منذ زمن.

رفع عينيه نحو لوسيان، وقال بنبرة مؤلمة تحمل يقينًا لا يتزعزع:

“وإن أصبح مثل والده… ستبتسم السيدة سيليا.”

التفت نحو الغرفة، كأنه يراها رغم الجدران والمسافات:

“أنت تعرف ذلك… حق المعرفة، يا سيد لوسيان.”

لم يرد لوسيان، لكن وجهه تجمد، ارتجفت أصابعه للحظة، وأطفأ سيجارته على حافة الدرابزين ببطء، كمن يخنق شيئًا داخله لا يريد الاعتراف به.

ظل لوسيان يحدّق في الأفق، وصوته حين خرج كان أجشًّا، مبحوحًا كأنه ينبع من أعماق ذاكرة مؤلمة:

“هل تعتقد… أنه سيكون كوالده، يا أندرو؟”

توقفت يد أندرو عن الحركة، وتجمّد الدخان بين شفتيه.

تابع لوسيان، وعيناه معلقتان في البعيد:

“هل سيكون مثل الرجل… الذي لُقّب بالشيطان البشري؟”

لم يرد أندرو فورًا، اكتفى بالنظر إلى سيجارته المتوهجة بين أصابعه، ثم رفعها وأخذ نفسًا عميقًا، قبل أن يزفر ببطء، كما لو كان يحاول إخراج الحقيقة مع الدخان.

قال أخيرًا بصوت منخفض وحاد:

“ربما… لكن الفرق أن والده لم يكن لديه من يحبه بصدق كما هو الآن.”

التفت نحو لوسيان، وأردف:

“ولعل ذلك… هو الشيء الوحيد القادر على إنقاذه.”

ثم قال بخفوت، كأن الكلمات تُنتزع من صدره لا من لسانه:

“قد يكون الحب… هو نجاة كايل من قعر الجحيم الذي هو فيه…”

سكنت الشرفة فجأة، وكأن الهواء نفسه توقف احترامًا لاسم نُطق بشيء من الأمل، وكثير من الخوف.

أدار لوسيان وجهه بعيدًا، لكن عينيه فضحتا كل شيء. كان يعرف تمامًا نوع الجحيم الذي يتحدث عنه أندرو.

وبين أنفاس السجائر وصرير الريح، ظل اسم “كايل” معلقًا في الهواء… كدعاء أو حكم مؤجل.

في مكان بعيد، بعيدًا عن دخان الشرفات وثقل الكلمات،

كانت عينا كايل مغمضتين، ووجهه ساكنًا كمن غرق في نوم عميق لا تبلغه كوابيس ولا نداءات.

الريح تداعب خصلات شعره برفق، تمر على وجنتيه كأصابع أم خجولة.

مستلقٍ فوق الأعشاب الخضراء، كأن الأرض نفسها احتضنته، تخبئه مؤقتًا من كل شيء.

ثوبه ممزق عند الأطراف، وجسده يحمل آثار معركة انتهت منذ وقت قصير.

ورغم السكون المحيط، كان صدره يرتفع ويهبط ببطء… كأن الحياة تكافح فيه لتبقى.

طيور صغيرة تدور في السماء الزرقاء فوقه، والنسيم يروي الحقول بصوت همس لا يسمعه إلا الناجون.

لكن لم يكن واضحًا بعد:

هل هو نائم أم فاقد الوعي؟

وهل هذا المكان ملاذ أم محطة مؤقتة قبل سقوط جديد؟

فتح عينيه ببطء، وكأن جفنيه ثقيلا أكثر مما يحتمله الجسد.

أول ما شعر به كان دفء الشمس، يخترق مقلتيه بعد عتمة طويلة، مؤلمًا في البداية ثم مريحًا، كأن الضوء جاء ليُذكّره بأنه لا يزال هنا.

رمش عدة مرات، يحاول استيعاب ما حوله.

السماء الزرقاء بدت واسعة بشكل مخيف، والأشجار تحركت في الأفق كأنها تراقبه بصمت حي.

حاول رفع رأسه، فأنّى لجسده الألم، كأن كل عضلة فيه تتذكر ما عانته.

“… أين أنا؟”

لكن لم يأتِ جواب.

فقط الريح، والضوء، ورائحة العشب، وشعور غامض بأنه نجا من شيء لم يُفهم بعد.

ببطء، وبثقل لا يناسب عمره، وقف كايل على قدميه.

تأرجح قليلاً، كأن الأرض لم تعتده بعد، أو كأن جسده لا يزال يشكك في واقعه.

نظر حوله باستغراب، والفراغ في عينيه يشي بأن شيئًا ما داخله لم يستيقظ بعد.

كان المشهد هادئًا لكنه غريب… كأن العالم نفسه غير حقيقي بما يكفي.

وفجأة اتسعت عيناه.

هناك، وسط الضوء المتسلل بين الأشجار، رأى طيفًا مألوفًا… وجهًا لطالما رآه بين الحلم واليقظة.

كانت واقفة، تنظر إليه بابتسامة كانت تطمئنه وهو صغير، وبحنان غاب طويلًا.

همس بصوت مشروخ، كأن الحروف تشق طريقها من قلبه لا من فمه:

“أمي…؟”

ثم قال، وعيناه تمتلئان بارتباك ووجع:

“أين أنا؟ وما هذا المكان؟”

لكنها لم تجبه بكلمات ثقيلة.

ابتسمت… تلك الابتسامة اللطيفة التي تحمل دفء العناق ونبوءة الغياب.

مدت يدها نحوه وهمست برقة:

“تعال معي، بني… دعنا نتمشى قليلاً.”

تقدمت نحوه بخطى هادئة، ويدها ممدودة إليه، لكن كايل لم يتحرك.

وقف في مكانه مترددًا، يُحدق في كفها المفتوحة كأنها خيط بين الحياة والمجهول.

ارتجفت عيناه، وعضلاته تشدّدت فجأة، كأن جسده كله يقاوم رغبة لم يفهمها.

فكر في نفسه، وعبثًا حاول أن يفهم ما يثقل قلبه:

«لماذا أشعر بعدم الراحة؟ لماذا… لا أستطيع أن أمد يدي لأمي؟»

نظراته انكسرت نحو عينيها، باحثًا عن شيء… يقين… مأوى.

لكن شيئًا ما كان مختلفًا.

ابتسامتها مألوفة، نعم… لكنها تحمل هدوءًا باردًا لم يعهده.

صوت الريح تغيّر… كأنه يهمس بتحذير لا يُقال.

تراجع خطوة صغيرة، بالكاد مرئية، لكن قلبه شعر بها كقفزة في هاوية.

هز رأسه بخفة، كأنه يحاول طرد تلك المشاعر التي تعصر قلبه بلا رحمة.

ذلك الخوف… ذلك الرفض الغريب… لم يكن له مكان الآن.

إنها أمه.

ابتسم رغم الارتجاف في صدره، رغم الصوت الخافت الذي ظل يهمس: تراجع… شيء ليس على ما يرام.

لكنه تجاهله.

“أمي…”

قالها بصوت حنون خافت،

ثم خطا نحوها ببطء، وكل خطوة تقربه كانت تبعده عن منطق العالم من حوله.

هي لم تتحرك، ولم تنطق… فقط وقفت هناك، بذات الابتسامة، وذراعيها المفتوحتين كمن ينتظر طفله منذ ألف عام.

اقترب كايل حتى صار على بعد أنفاس منها… مد يده أخيرًا.

اقترب… حتى لم يعد بينه وبينها سوى نبضته المترددة.

مد ذراعيه ببطء، ثم ارتمى في حضنها كطفل أنهكه الفقد.

عانقها.

وفي تلك اللحظة، اختفى كل شيء.

لم يشعر بدموعه التي انهمرت بصمت، ولا بضعف جسده المرتجف في سكون مكسور.

كل ما شعر به… دفء ذراعيها.

ذلك الدفء الذي لا يشبه شيئًا في هذا العالم.

دفء يتسلل إلى أعماقه، يذيب برد الغربة، يسكن الألم، يخرس الأسئلة.

أغمض عينيه، ودفن وجهه في كتفها هامسًا من قلبه الممزق:

“أمي…”

ولحظة شعر كأنه نجا من كل شيء.

ولم يكن يعلم… أن العناق، أحيانًا، بوابة لما هو أعمق من الحلم…

ضاق العناق أكثر، كأنه يحاول احتواء ما فاته من سنين.

انهار صوته أخيرًا، يتكسّر بين شهقات مكتومة وبكاء لم يعد قادرًا على كتمانه:

“أنا آسف يا أمي… آسف لأنني لم أهتم بك… آسف جدًا… آسف لأنني تركتك وحيدة وعشت في عالمي الخاص، في غرفتي…”

كان صدره يرتجف بين ذراعيها، وكلماته تسقط مثل دموعه، صادقة ومنكسرة:

“آسف لأنني لم أعرك أي اهتمام… آسف يا أمي… آسف…”

كانت ذراعاها حوله، تحيطانه بثبات لا يتغير، ودفء لا ينطفئ.

لم تتكلم، لكن في صمتها كان هناك شيء أكبر من الكلمات.

كأنها سامحته قبل أن ينطق، كأنها احتضنت ذنوبه قبل أن يعترف.

كان كايل يبكي بشدة، لا يخجل ولا يخفي، فقط يتطهّر من صمت طويل، ومن تقصير لم يكن يملك له شجاعة الاعتراف من قبل.

في تلك اللحظة، بين العشب والريح ودفء الأمومة، بدا العالم وكأنه توقف ليمنح قلبًا مكسورًا فرصة للغفران.

ظل يعانقها، كأن العالم كله اختزل في هذا الحضن.

دموعه لا تزال تنهمر، وصدره يرتجف كطفل ضاع طويلًا وعاد ليجد وطنه بين ذراعيها.

ثم سمعها…

همست في أذنه بنبرة حانية مشبعة بكل الحنان الذي عرفه وكل الحنان الذي فقده:

“أُسامحك يا بني…

أُسامحك يا طفلي الوحيد…”

لكن شيئًا غريبًا بدأ يحدث.

لم تعد ذراعاها كما كانتا… بدأت تتلاشى ببطء، كالدخان، كالحلم.

ارتجف كايل، وشد العناق كأنه يحاول إبقائها، يمنعها من الذوبان في الهواء.

“أمي؟ لا… لا، أرجوك… لا تذهبي…”

لكنها تلاشت بين ذراعيه، شفافة أكثر فأكثر،

وابتسامتها لا تزال هناك… مؤلمة بجمالها، مطمئنة حد الانهيار.

لم يبق منه سوى هو، وذراعاه الممتدتان للفراغ، ودموعه التي لم تجد من تسقط عليه.

ما إن اختفت تمامًا، كأنها لم تكن، حتى انكسر كايل من الداخل.

ارتجف جسده كله، ثم انهارت ركبتاه على الأرض، وسقط بين الأعشاب التي لم تعد خضراء في عينيه… بل باهتة، صامتة، شاهدة على وجعه.

صرخ بكل ما تبقى من صوته، بكل ما تراكم في صدره من ندم وقهر:

“آااااه! لماذا يحصل هذا؟!”

لم تكن صرخة سؤال بقدر ما كانت صرخة ألم لا تطلب جوابًا.

كانت الدموع تغمر وجهه، تختلط بأنفاسه المتقطعة، تنحدر بلا وعي، كأن روحه تبكي.

ضرب قبضته بالأرض، مرة… مرتين… كأن الألم الجسدي أهون من تلك اللحظة.

“لماذا؟!”

عاد يصرخ، لكن صوته تلاشى في الريح كما تلاشت هي.

وكان وحده… وحده تمامًا.

هدأت صرخاته، وبدأت أنفاسه تعود بصعوبة حتى جاءه الصوت… عميق، ثابت، قاطع كسيف:

“توقف الآن… عليك أن تعود.”

تجمّد كايل.

اتسعت عيناه، وارتجفت كتفاه دون إرادة.

استدار ببطء.

هناك، خلفه، على مسافة، وقف الشخص المقنّع.

بعباءته السوداء التي تتحرك بخفّة الريح… كالظل.

واقف بثبات، لا يقترب ولا يبتعد.

كأن وجوده وحده يفرض الهيبة والرهبة معًا.

تمتم كايل، وصوته بالكاد خرج من حلقه:

“أنت…؟”

كانت الكلمة مشبعة بالدهشة والحذر وربما الخوف.

لكن المقنّع لم يرد.

رفع يده ببطء، وأشار إلى الأفق خلفه، حيث الأرض تهتز خفيفًا.

كأن شيئًا يستعد للاستيقاظ… أو الانفتاح.

بدأت تتشكل بوابة أرجوانية على الأحمر.

تكلم الرجل بصوته الأجش:

“عليك العودة إلى أراكس…”

قالها بثقل، كأن كل كلمة حُفرت في الزمن ذاته.

“والقضاء على عذراء الصرخة… ونيثيريور.

إن أردت الخروج…

والعودة لتلك المرأة.”

كلماته لم تكن أوامر فقط… كانت نبوءة، لعنة، أو صفقة مع المجهول.

ما إن اكتملت البوابة، دائرية، تتوهج بلون أحمر مملوء بالسواد،

بدأ المقنّع يتلاشى، كما جاء، تذروه الرياح كأثر حلم غامض.

صرخ كايل بجنون اليأس:

“توقف! انتظر! أخبرني… من أنت؟!”

ركض خطوة، لكن لم يبق أحد.

وقف وسط العشب المنحني تحت الريح، يمد يده في الفراغ…

يد لا تجد سوى الهواء، وصدى قلبه.

انخفض صوته وهو يهمس برجاء مكسور:

“أخبرني… لماذا تظهر كل مرة أكون في موقف كهذا؟”

لكن الصمت أجابه.

لا صوت سوى هدير البوابة المفتوحة كجوف لا يُعرف إن كان خلاصًا أم هلاكًا.

قبض قبضته بقوة، وأخفض رأسه، ثم مرر يده بين خصلات شعره بتململ واضح.

أنفاسه متثاقلة، وعيناه تتنقلان بين الأرض والبوابة المتوهجة…

…ذلك الفم المفتوح على المجهول.

بدأ يسير نحوها، خُطى مترددة، كأن كل خطوة يسرقها من تردده.

تمتم بصوت بالكاد يُسمع وسط عواء الريح:

“هل سأخرج حقًا… من هذا المكان الملعون؟
هل سأعود… إلى منزلي؟ إلى عالمي؟”

توقف عند حافة البوابة، شعاعها الأحمر يُلقي ظلالًا راقصة على وجهه الشاحب.

خفض عينيه، ثم تابع بنبرة أقرب للتفكير منها للكلام:

“إن نفّذت ما يقوله…
هل سيكون الخلاص حقًا؟ أم مجرد بداية جديدة… لكابوسٍ آخر؟”

لم يُجبه أحد.

وكان عليه أن يقرر… قبل أن تُغلق البوابة.

نظر إليها، إلى البوابة المتلألئة كمرآةٍ مشققة بين عالَمين.

لم يتردد أكثر.

بخطوةٍ واحدة… ثابتة رغم كل ما في صدره من ارتباك، دخلها.

فور أن لامس الضوء جسده، بدا كأن شيئًا في الزمن نفسه انكسر.

جسده اختفى داخل الدوّامة النابضة، وابتلعته البوابة كما يبتلع البحر جسد الغريق… بلا صوت، بلا وداع.

فور عبوره…

أغلقت البوابة خلفه بصوت خافت، كشهقةٍ مختنقة.

ثم تلاشت… كأنها لم تكن موجودة أبدًا.

ولم يبقَ شيء في الحقل…

سوى الريح.

لعبة الخلود

لعبة الخلود

Game Of Immortality
الحالة: Ongoing النوع: المؤلف: اللغة الأصلية: العربية
عِش ما تريد، وتمنَّ ما تشاء، لكن لا تنسَ أن تضع حدًا لأمنياتك... فقد يأتي يوم تتحقق فيه بطريقة لم تكن تحلم بها، وحينها ستدرك كم كنتَ أحمقًا. كنتُ أحد أولئك القلائل مهووسون بألعاب الفيديو، أعيش بين الشاشات، وأحلم بأن أكون جزءًا من العوالم الرقمية التي كنت أغرق فيها لساعات. لم أكن أريد أن أكون البطل النبيل الذي يبكي كالطفل عند أول خسارة، أو ذاك الذي يحمل شعارات العدالة وهو بالكاد يستطيع حماية نفسه. لا، كنتُ أريد أن أكون الشرير—ذلك الذي يفرض هيبته، تتزلزل الأرض تحت قدميه، ويمتلك قوة تفوق بطل اللعبة ذاته. في يوم مشؤوم ، لم أستيقظ في سريري كالمعتاد، بل داخل إحدى الألعاب التي كنت أعشقها حتى الهوس. كل شيء كان مألوفًا، من المدن الشاهقة إلى الشخصيات التي حفظت حواراتها عن ظهر قلب... لكن هناك مشكلة، مشكلة لم تكن في الحسبان—لم أتجسد في جسد ذلك الشرير الأسطوري الذي كنت أتخيله، بل في جسد أكثر شخصية كرهتها على الإطلاق... بطل اللعبة "كايل استورايت".   الآن، وأنا عالق في هذا الدور الذي طالما سخرت منه، محاط بالأعداء الذين لطالما تمنيت أن أكون واحدًا منهم، أدركت حقيقة لم أفكر فيها أبدًا: ربما كان للأبطال سبب يجعلهم يقاتلون، وربما لم يكن الأشرار بتلك العظمة التي تخيلتها... أو ربما، فقط ربما، لم يكن هذا مجرد "لعبة ".

تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الإعدادات

لا يعمل مع الوضع الداكن
إعادة تعيين