المبنى الرئيسي
كان صوت خطوات الرجل يتردد في الممرات الرخامية لقصر أستورايت، مزيجًا من الهدوء والسلطة.
سأل بصوت خفيض لكن حاد، دون أن يلتفت إلى مرافقه:
“هل تقول إنها مريضة؟”
أجابه الجندي الذي يسير بجانبه، مرتديًا درع فرسان أستورايت الرسمي:
“أجل، سيدي… منذ مغادرة السيد الشاب كايل إلى أراكس الملعونة، لم تعد كما كانت.”
توقف الرجل برهة، أطلق تنهيدة غير مفهومة، ثم قال:
“هممم… حسنًا.”
وصلا إلى باب خشبي ضخم تعلوه نقوش قديمة لأشجار أستورايت، وقف الرجل أمامه، ثم قال بنبرة آمرة:
“اذهب الآن.”
انحنى الجندي سريعًا، ثم انصرف بصمت.
مدّ الرجل يده، دفع الباب ببطء، ودخل.
رآها هناك.
سيليا.
كانت مستلقية على السرير الكبير، جسدها ساكن، وجهها شاحب كأن الحياة قررت أن تغادره مؤقتًا. تعب السنين كان مرسومًا على قسماتها، وعلى جبينها المرهق، انعكست ظلال الوحدة.
رفعت رأسها ببطء، وجلست باستقامة رغم الثقل الواضح على كتفيها، تمتمت بصوت بالكاد يُسمع:
“لوسيان…؟”
اقترب الرجل بخطوات بطيئة، ألقى بسجارته إلى الأرض، وداس عليها دون أن يشيح بنظره عنها.
ابتسم ابتسامة مصطنعة، وكأنه يُجبر ملامحه على شكلٍ لم تعد ترتديه بسهولة.
قال بنبرة مرحة مصطنعة:
“لا داعي للجلوس من أجلي، آنستي سيليا.”
نظرت إليه بعينين غارقتين في الإرهاق، وقالت بصوتٍ خافت:
“ماذا أتى بك إلى هنا، لوسيان؟”
ضحك، بصوت بدا أنه أكثر ارتفاعًا مما ينبغي، ثم أجاب:
“أتيت للاطمئنان عليكِ، أليس هذا واضحًا؟”
أدارت سيليا وجهها نحو الجانب الآخر من السرير، كما لو أن التعب استوطن عينيها، ولم تعد تملك طاقة المواجهة.
بنبرة هادئة متعبة، سألت دون أن تكلّف نفسها عناء النظر إليه:
“ماذا حصل في الاجتماع عند الزعماء؟”
لم يكن السؤال عاديًا.
ضاقت عينا لوسيان للحظة، وتجمّد التعبير على وجهه، كمن باغتته رصاصة غير مرئية.
لكنه سرعان ما استعاد ابتسامته المصطنعة، تلك التي يرتديها كدرع.
“هاه؟ لم يقولوا شيئًا يُذكر.”
قال وهو يتنفس ببطء، يحرص أن لا تتسرب نبرات القلق إلى صوته.
“كانوا… فقط مستائين قليلًا لأنك لم تُخبريهم عن عودة الوريث، هذا كل شيء.”
كذب.
أخفى الحقيقة بأناقة.
لكن سيليا لم تبدُ مهتمة، أو ربما كانت أضعف من أن تُبدي اهتمامًا.
اكتفت بهمهمة ناعسة، بالكاد تخرج من بين شفتيها:
“همم… حسنًا.”
ثم عاد الصمت ليملأ الغرفة، كأن الكلام صار عبئًا ثقيلًا على أرواحهما معًا.
على الجانب الآخر من العالم…
في قلب أراكس الملعونة، تلك الأرض التي لفظها الزمن ونبذتها الحياة،
كان كايل يقاتل.
يتحرك بسرعة خاطفة، قدماه تكادان لا تلامسان الأرض، وخنجره يلمع كلما غاص في جسد وحش جديد.
كان يقاتل، كمن وجد نفسه في معركة لا خيار فيها… معركة ضد كل ما هو غير بشري.
زمجرة، ثم صرخة، ثم صوت تمزّق لحم.
كايل دار بجسده في نصف دائرة، مزّق وحشًا قافزًا من الخلف، ثم استدار ليتلقى ضربة أخرى على ذراعه،
لكن تعزيز الجسد امتصّ الصدمة، وجراحه بدأت تلتئم فورًا، كما لو أن الزمن نفسه يحاول حمايته.
بين أنفاسه اللاهثة، تمتم:
“تبًا… لولا الخلود المؤقت، لما بقيت على قيد الحياة لثانية.”
ثم ضحك بمرارة، ومسح الدم عن حاجبه بذراعه:
“وأيضًا لا ننسى… تعزيز الجسد. هذا النظام اللعين… مفيد، رغم كل شيء.”
ومع كل جولة، ومع كل سقوط لوحش جديد، كان هناك شعور داخله لا يزول:
أنه كلما تقدم خطوة في هذا الجحيم، ازداد بعدًا عن كل شيء كان يعرفه ذات يوم.
هدأت الأرض تحت قدميه للحظات.
اختفى صوت الزئير، وسكنت الرياح بين أشجار أراكس الجرداء.
كايل وقف وسط أجساد الوحوش الميتة، أنفاسه لا تزال تتلاحق، لكنه بدا كمن خرج من موجة صاخبة إلى فراغ صامت.
رفع رأسه نحو السماء المتشققة، عينيه تتأملان الفراغ بلونٍ رماديٍّ باهت، كأنّه يبحث عن إجابة لا تأتي.
ثم، بهدوء، اختفت خناجره تدريجيًا، لتعود إلى موضعها في السوار السحري الملتفّ حول معصمه.
وميض خافت ومألوف لمع على سطح السوار، قبل أن يهدأ كأن شيئًا لم يكن.
قال بصوت خفيض، لكنّه مشبع بالعزم والانتباه:
“عليّ الخروج من هنا… بأسرع وقت.”
وفجأة-
هبت رياحٌ قوية، شرسة، اجتاحت الأرض من حوله، حملت معها الغبار وذرات الدم الجاف.
وفي تلك اللحظة،
اختفى ظل كايل.
كأن جسده ذاب في الريح،
كأن السرعة نفسها قد لبّت نداءه،
وتحرك كايل… كما تتحرك الرياح.
لا صوت.
لا أثر.
فقط خفة لا تُرى، وقرار لا يتراجع عنه.
وفي نفس اللحظة، في قصر أستورايت…
فتحت سيليا عينيها فجأة، وكأن بردًا غريبًا سرى في أطرافها.
جلست ببطء، نظراتها جامدة، لا تنظر إلى شيء معين.
لوسيان لاحظ ارتجافة خفيفة في أصابعها، فتوقف عن التدخين عند النافذة.
“ما الأمر؟” سأل، لكن صوته بدا بعيدًا… كأنها لم تسمعه.
همست سيليا وكأنها تتحدث إلى الريح:
“…شعرت به.”
“به؟” كرر لوسيان، حاجبه يرتفع.
لم تجب.
فقط أنزلت رأسها، وضغطت أصابعها فوق صدرها، حيث يكمن الرابط الذي لا يراه أحد.
رابطها بابنها… او هذا ما كانت تعتقده على الاقل…
“لوسيان…”
نادته بصوت خافت، أشبه بنبضة حنين خائفة.
التفت إليها فورًا، وقال بهدوء:
“نعم، سيدتي.”
رفع حاجبه قليلاً، وهو يراقب ملامحها التي خفت بريقها.
في عينيها لم يكن الحزن عابرًا… بل شيئًا أعمق، أثقل، كأنه سكنها منذ زمن بعيد ولم يشأ أن يرحل.
ترددت، وشفتاها ترتجفان قليلًا قبل أن تنطق بما تحاول كبته:
“هل تعتقد أن… أن كايل سيعود إلى أحضاني مرة أخرى؟
هل تظن… أنه لن يتركني كما حصل من قبل؟”
سؤالها لم يكن مجرد كلمات.
كان استغاثة، رغبة خافتة بالتشبث بالأمل، حتى لو كان مهترئًا.
حدّق لوسيان في عينيها لثوانٍ، لم يقل شيئًا على الفور.
ربما لأنه لم يملك الجواب… أو لأنه خاف من أن يكون صادقًا أكثر مما ينبغي.
تنهّد ببطء، وكأن السؤال أثقل على صدره من كل ما حمله طوال حياته.
رفع يده إلى رأسه، وفرك شعره بخفة، كمن يبحث عن إجابة عالقة بين اليأس والشفقة.
ثم قال بصوت خافت:
“لا أعلم، يا سيدتي… لا أعلم حقًا ماذا عليّ أن أجيبك.”
توقّف قليلًا، عيناه تراقبان تعبير وجهها الهشّ، كأنّه يخشى أن تنهار أمامه بكلمة.
ثم أكمل، بصوت أكثر جديّة، وكأنّه يقتلع الحقيقة من حلقه:
“لكن إن أردتِ الحقيقة…”
صمت.
لم يكن صمت تردّد، بل صمت من يدرك أن الصدق أحيانًا أقسى من الكذب.
قال أخيرًا، بنبرة واقعية لا تعرف التزييف:
“لا أعتقد أن شخصًا خرج من مكان كذاك… من أرض لا تملك ما يكفي من الموارد لبناء نواة مانا سليمة…
يمكنه أن يعود سليمًا.
تلك الجُزر، يا سيدتي، ملعونة.
حتى أقوى المحاربين الذين أرسلناهم إلى هناك لم يعودوا…
وإن عادوا، لم نرهم يومًا مجددًا في ساحات المعارك.”
ترك كلماته تنزلق في الفراغ بينهما، ولم يحاول تخفيف وقعها.
لأنه يعلم-أن سيليا لا تسعى لعزاء… بل لصدق، مهما كان قاسيًا.
تنفّس لوسيان بعمق، وكأن ما قاله للتو أنهكه أكثر من قتالٍ دام أيامًا.
ثم عدّل وضع سترته بخفة، وقال بنبرة محترمة لكنها حازمة:
“الآن… اعذريني، سيدتي، عليّ المغادرة.”
خطا نحو الباب بخطوات بطيئة، لا استعجال فيها، وكأن جزءًا منه ما زال مترددًا في تركها وحدها وسط تلك الغرفة المشبعة بالصمت والذكريات.
لكن قبل أن يمد يده إلى المقبض، توقّف.
استدار بهدوء، ثم انحنى بخفة احترامٍ لم يعتده من الجميع، ونظر إليها بنظرة هادئة، مزيج من الاحترام والشفقة الحذرة.
قال بصوتٍ ناعم:
“سيدتي… لا تقلقي حيال أي شيء. سيكون كل شيء على ما يرام.”
لم تنتظر عيناه ردّها، ولم يحاول أن يقرأ ملامحها أكثر.
استدار مجددًا، وفتح الباب وغادر…
دون أن ينبس ببنت شفة.
وتُركت سيليا وحدها، مع فراغٍ أكبر من أي كلمة، وفرصة جديدة للبكاء… لم تأتِ بعد.
ما إن أغلق الباب خلفه حتى غمرت الغرفة موجة من الصمت،
صمت ثقيل لا يقطعه سوى أنفاس سيليا المتقطعة.
لم تتحرك.
جلست هناك، في مكانها، كأنها جُذرت في الأرض من فرط الانتظار.
ثم، بهدوء، أدارت رأسها نحو النافذة.
ضوء النهار كان خفيفًا، يتسلل من بين الغيوم، يغسل أطراف السماء بلونٍ أزرق باهت.
نظرت طويلاً… كأنها تبحث عن ظلّ ما، عن طيف مَن غادر ولم يعد.
وفي تلك اللحظة، ارتسمت على وجهها نظرة مختلفة-مزيج من الشوق والإيمان، شيء لا يملكه سوى قلب الأم.
همست، بصوت بالكاد يُسمع، كأنها تخاطب السماء لا نفسها:
“سيعود… أنا واثقة.”
كانت عيناها معلّقتين بالفراغ،
ترى فيه كايل… أو ربما شخصًا آخر يشبهه.
كان وجهًا يشبهه في الملامح، لكنه لا ينتمي لهذا الزمن… بل لشيء فقدته منذ زمن بعيد.
في مكانٍ آخر…
كانت العواصف تهب في كل حدب وصوب، تقلب السماء وتحرك الرمال والأنقاض.
المباني المحطمة كانت متناثرة كعظام مكسورة عبر الأرض، ذكريات صراع قديم طمست معالمه النيران والغبار.
وعلى تلٍ عالٍ يعلو الخراب، وقف قصرٌ مظلم، شامخ بلونه الأحمر والأسود.
كأنه جرح مفتوح في قلب هذه الأرض المنكوبة.
داخل ذلك القصر، وبين جدرانه التي تمتص الضوء،
ترددت همهمات صغيرة-سعيدة وخبيثة في آنٍ واحد.
كانت فتاة تسير بخفة على رؤوس أصابعها، تقفز كفراشة تتراقص في الظل،
همهمة مرحة على وجهها،
وذيلها الرفيع ذو الطرف الحاد يتمايل خلفها مع كل خطوة، وكأنه كائن منفصل يعبّر عن مزاجها أكثر منها.
ثم جاءه الصوت، جافًا، من خلفها:
“كم مرة قلت لكِ أن تتوقفي عن السير بهذه الطريقة؟”
توقفت، واستدارت إليه ببطء، ابتسامة صغيرة وُلدت على شفتيها، تحمل تحديًا طفوليًا:
“ولماذا عليّ أن أستمع إليك؟ هاه؟ أعطني سببًا واحدًا.”
لكن قبل أن تنهي جملتها،
كان خلفها بالفعل.
لم تره يتحرك… لم تسمع له صوتًا.
فقط، في غمضة عين، اختصر المسافة كما لو أنه قطع الفراغ ذاته.
كان طويل القامة، شاحب الوجه، كأن بشرته لم تعرف الشمس يومًا،
شعره الأسود الطويل يسقط على كتفيه كستارٍ من الظلال،
وقرنان منحنيان يخرجان من أعلى رأسه، كأنهما تاج شيطان وُلِد خارج حدود هذا العالم.
وقف خلفها، قريبًا حدّ أنفاسه الباردة لامست عنقها، اقترب أكثر، وصوته ينساب كخيطٍ بارد في أذنها:
“لأنني قلت ذلك… يا سافيرا-تشان.”
كان صوته ناعمًا، لكنه يحمل تلك النغمة الآمرة التي لا تقبل الجدال،
كأن كل من يخاطبه يجب أن يخضع، لا بالاقتناع… بل بالغريزة.
رفعت حاجبيها، ثم أدارت رأسها نحوه بنصف التفاتة، شفتيها ما زالتا تحملان أثر الابتسامة الساخرة.
“كعادتك… مزعج جدًا.”
قالتها وهي تلوّح بذيلها بتململ واضح، ثم استدارت وبدأت السير مجددًا بخفّتها المعتادة، كأن كلماته لم تكن أكثر من نكتة لم تُضحكها.
هو لم يتحرك، فقط ابتسم لنفسه، تلك الابتسامة التي لا تحمل دفئًا… بل شيئًا آخر.
شيئًا يشبه الرضا… أو التهديد المقنّع.
في أراكس الملعونة…
كان كايل يقاتل ببسالة، وسط جحيم لا يعرف الهدنة.
الوحوش الطائرة كانت تأتي من كل اتجاه، كأن السماء قررت أن تفرغ كل كوابيسها عليه دفعة واحدة.
أجنحتها تمزق الهواء، وأصواتها تملأ الفراغ بزئيرٍ أشبه بالنواح،
تدور حوله، تنقضّ فجأة، ثم تتراجع… وكأنها تلهو به قبل أن تفتك.
كايل كان يتنقل بينها بخفة، يصد، يطعن، يتفادى، لكن جسده لم يكن آلة.
كل لحظة تمر كانت تترك أثرًا عليه-جرحًا هنا، كدمة هناك، خدشًا عميقًا في كتفه، نزفًا في فخذه.
بدأت إصاباته تتزايد.
الألم لم يعد عارضًا، بل صار يعرقل حركته، يُبطئ رد فعله.
ومع ذلك، لم يتوقف.
أنفاسه كانت متقطعة، وعرقه يمتزج بالدم، لكنه ظل واقفًا،
يقاتل بكل ما تبقى له من وعي وقوة.
كان هذا طبيعيًا،
بالنسبة لشخص لم يتلقَّ التدريب الكافي…و لم يصل بعد إلى مستوى عالٍ.
لكنه لم يحتج أن يكون في القمة…
فقط أن يبقى حيًا، ضربة بعد ضربة، إلى أن تنتهي هذه الليلة، أو تنتهي حياته
“تسـك…”
تمتم بها كايل بين أنفاسه المتقطعة، بصوت خافت لا يسمعه أحد سوى نفسه.
“تبا… تبا… إلى متى سيستمر هذا الجحيم؟”
كان صوته يخرج مشوبًا بالغضب واليأس، كأن الكلمات نفسها باتت تحترق في حلقه.
رفع نظره، لكن المشهد من حوله بدأ يضطرب.
العالم لم يعد واضحًا.
السماء تُموج كبحرٍ مقلوب، والوحوش صارت ظلالًا مشوشة تتحرك بلا شكل.
عينيه…
بدأ نظره يغبش،
تضببت الرؤية أمامه، كأن الغبار استقر خلف عينيه لا فوقهما،
وصار كل شيء من حوله باهتًا، عديم اللون، عديم المعنى.
أحس بثقل في رأسه، كأن دماغه نفسه بدأ يرفض الاستمرار.
جثته تقاوم…
لكن عقله يوشك أن يسقط.
وسط الضباب، وبين أصوات الوحوش التي بدأت تخفت من حوله كأن العالم انكمش فجأة…
جاءه الصوت.
ناعماً، حنونًا، عميقًا كأنّه قادم من الذاكرة نفسها:
“لا تستسلم، بُني.”
تجمّد كايل.
رمش مرارًا، ثم فرك عينيه بيد مرتجفة، غير مصدق ما سمعه.
استدار ببطء، كأنّه يخشى أن تتحطم تلك اللحظة إن تحرك بسرعة…
ثم اتسعت عيناه بذهول، مفاجأة أشبه بالحلم.
“أمّي؟”
همسها بشفاه جافة، وصوته محمّل بالتعب والانكسار.
شَعره الأبيض الطويل تناثر حول وجهه الملطخ بالغبار والدم،
وعيناه القرمزيتان، المنطفئتان من شدة الإرهاق، اشتعلتا للحظة بنور خافت.
كانت تقف هناك، كيانها يشع بنعومة لا تنتمي لهذا المكان.
مألوفة… مطمئنة… مستحيلة.
مدّ يده نحوها، حركته بطيئة كمن يمد يده نحو طيف يخشى أن يتبخر:
“أمّي… هل هذه أنتِ حقًا؟”
وكان في صوته رجاء طفل… لا محارب يحاول البقاء على قيد الحياة
رجاء من نسي كيف يبدو الحضن… وتذكّره فجأة.
“أمّي…”
ناداها كايل بصوتٍ متهدّج، متعب، كأن الكلمات نفسها خرجت من جرحٍ لا من فم.
كانت عينيه القرمزيتان، اللتان قاومتا السقوط طويلاً، تلمعان الآن بدموعٍ تتجمّع على أطراف الجفن… خفيفة، راجفة، تُصارع الانهيار.
مدّ يده قليلًا، وصوته يرتجف كقلبٍ صغير يقرع باب الأمان:
“أمّي… أنا متعب جدًا…”
توقفت أنفاسه للحظة، وكأن الاعتراف بالضعف كان أثقل من كل الضربات التي تلقّاها
ثم ابتسم، ابتسامة باهتة تحمل وجعًا لا يوصف، وأضاف:
“أريد فقط… أن أُعانقك. حتى وإن كنتِ مجرد وهم…”
كلماته لم تكن توسّلًا.
بل كانت حنينًا متجسدًا، يائسًا، يبحث عن دفء لحظة… ولو زائفة.
وفي عينيه، تلك النظرة الأخيرة التي لا يرفعها أحد إلا إن كان قد اقترب من الحافة.
سقط كايل على ركبتيه،
الطين والدم اختلطا أسفل قدميه، وجسده المرتجف بالكاد يقوى على حمل نفسه.
كان يحاول المشي نحوها،
نحو ذلك الطيف الذي بدا له مألوفًا حدّ الوجع…
ملامح أمه كما يحفظها عقله المتعب، واقفة وسط الدمار كأنها لم تتغير،
كأنّها جاءت لتنتشله من كل شيء.
سيفه سقط من قبضته، وارتطم بالأرض بصوت خافت-
صوت يشبه الوداع.
رفع يديه نحوها، ببطء،
عيناه دامعتان، مشوشتان، تتوسلان الخلاص من هذا الجحيم.
وهمس، بصوت متهالك كأن كل ما تبقى من قلبه عالق في كلماته:
“أمي… أمسكي يدي…
فأنا متعب… وأريد النوم.”
لكن تلك اللحظة، التي كان فيها أقرب إلى الأمان…
انتهت فجأة.
من خلفه-
انغرس مخلب حاد في جانب صدره الأيمن،سقطت
اخترق جسده دون رحمة، ببطء متعمد، كأن الألم نفسه يُعزف على وتيرة قاسية.
شهق كايل،
اتسعت عيناه بصدمة،
وفمه فُتح دون أن يخرج منه صوت… فقط صمت الموت القادم.
يداه، الممدودتان نحو طيف أمه،
توقفتا في الهواء…
ثم بدأتا بالارتجاف.
نظر إليها…
وعيناه رغم الغشاوة، رغم الألم، ظلّتا معلّقتين بها،
كأنّه لا يرى سواها،
كأنّ العالم كله انكمش واختُصر في ذلك الوجه-الوجه الذي أراد أن يكون آخر ما يراه.
ابتسم.
ابتسامة باهتة، متشققة، ملطخة بالدم،
كأنّه يعتذر أو يودّع… أو يشكرها على الوهم الجميل.
الدم تساقط من فمه، قطرة فقطرة،
ويداه، الممدودتان نحوها، تخلّتا عنه أخيرًا… وسقطتا على جانبيه بثقل من انتهى كل ما فيه.
ثم ارتخى جسده،
وسقط رأسه على الأرض ببطء،
كأن الأرض احتضنته كما لم تفعل الحياة يومًا.
وفي لحظة خافتة، هامسة، خرجت الكلمة الأخيرة من بين شفتيه المرتجفتين…
“أمي…”
ثم عمّ الصمت.
صمتٌ ثقيل… كأنّه نهاية حلمٍ لم يُكتب له أن يكتمل.
….
….
….
في قصر أستورايت…
كان صوتها يملأ الأرجاء، يمزق الصمت الراسخ في جدرانه العتيقة،
“آآآه… ابتعدوا عني!”
صرخت سيليا،
كأن شيئًا ما انتُزع من صدرها دون إنذار.
“أريد الذهاب إلى كايل! إنه بخطر! إنه ليس بخير! دعوني… دعوني أذهب إليه!”
كانت تهتز، تندفع، تصرخ، تلهث،
تحاول دفع الخدم الذين تجمعوا حولها في محاولة يائسة لإيقافها.
لكنها كانت أقوى منهم… أو ربما كانت قوة الأمومة، لا الجسد، هي من تدفعها.
كانت عيناها تشتعلان بالخوف، نظراتها لا تركّز على أحد،
كأنها ترى شيئًا لا يمكن للآخرين رؤيته-كأنها شعرت… بشيء كُسِر.
“كايل… كايل ينزف… هو يناديني… أنا… أشعر به!”
جسدها كان يرتجف،
أنفاسها تتقطع،
وكلماتها تنهال كسيلٍ غاضب لا يتوقف.
لم يكن هناك من تفسير.
لكنها كانت تعرف.
كانت تعرف أن هناك شيئًا رهيبًا حدث… وأن قلبها قد سُحق في مكان بعيد لا تصل إليه إلا الأرواح.
“سيليا… أوقفي هذه المهزلة!”
انفجر صوته في أرجاء القصر كالرعد، حادًا، نافذًا، قاطعًا ما تبقّى من نحيبها.
كان لوسيان، واقفًا عند مدخل القاعة، يداه على خاصرته، وعيناه تضيقان بنفاد صبر.
رفع يده ليحك شعره بتوتر واضح، ثم تقدم خطوات بطيئة، لكن واثقة، باتجاهها.
“تششش… انظري إلى نفسك،”
قال بنبرة تزداد برودة مع كل خطوة.
“هل هذه هي الحالة التي يليق بها أن تكون رئيسة عائلة أستورايت؟”
وصل أمامها تمامًا،
نظر إلى عينيها الذهبية لمنتفخة، والدموع التي لم تتوقف عن النزول.
كانت تتنفس بصعوبة، ترتجف، كأنها على وشك الانفجار مرة أخرى.
لكن صوته جاءها هادئًا فجأة، هادئًا بشكل يُثير القلق:
“ما كل هذه الجلبة، يا سيليا؟”
قالها بنبرة أقرب للعتاب منها إلى الأمر.
وبقي واقفًا هناك…
ينظر إلى عينيها، لا ليفهمها، بل ليُجبرها على العودة إلى صلابتها القديمة.
تعثرت سيليا في أنفاسها، ووجهها مبلل بالدموع، ثم تمتمت بصوت مرتجف:
“لوسيان… كايل بـــ-”
لكنها لم تُكمل.
رفع لوسيان يده فجأة، بإشارة حاسمة، وصوته جاء قاسيًا كالسوط:
“توقفي.”
حدّق بها بعينين مشتعلتين بالغضب المكبوت، ثم تابع:
“سمعت كل شيء، سيليا. ليس أنا فقط… بل كل من في هذا القصر سمع أيضًا.”
اقترب منها خطوة إضافية، صوته ينخفض لكن حدّته ازدادت:
“لذلك… كفي عن قول كايل وكايل وكايل.”
توقف، ينظر في عينيها كمن يطعن دون سلاح:
“هل فهمتِ؟”
كان صوته قاطعًا، لا يمنحها مجالًا للجدال.
وكأن اسم كايل أصبح جرحًا يرفض أن يُفتح… أو لعنة لا يجب أن تُنطق في أروقة أستورايت.
لكن ملامح سيليا… لم تكن ملامح خاضعة.
بل ملامح قلب يتمزق، وقيد لا يحتمله.
“تبًّا لكم جميعًا!”
صرخت سيليا، صوتها مشقوق بالألم، محمّل بكل ما لم يُقال على مدار اثني عشر عامًا.
“جميعكم لا تريدونني أن أكون مع طفلي!”
كانت تمشي مترنحة، تتكلم وهي تصرخ وكأن الكلمات نفسها تنزف من صدرها:
“طفلي… الذي غاب عني اثنتي عشرة سنة!”
شهقت بصوت متهدّج، وجسدها يرتجف:
“وبعد أن وجدته بشق الأنفُس… بعذاب القلب والعمر… ذهب!
ذهب إلى تلك الجُزر الملعونة… دون أن أتمكن حتى من احتضانه!”
ثم تعثّرت.
وسقطت على الأرض.
ركبتاها ارتطمتا بالرخام البارد،
لكن الألم الحقيقي كان ينزف من الداخل، لا من الجسد.
بدموعٍ لا تنتهي،
زحفت قليلًا، حتى وصلت إلى قدمي لوسيان،
وأمسكت بملابسه برجاء مذبوح، عيناها ترتجفان، غارقتان في دموع اليأس:
“من فضلك…”
تمتمت بشفاه ترتجف، وصوت بالكاد يسمع:
“أعد لي… بُني.”
وفور نطقها الكلمة الأخيرة…
غابت عن الوعي.
سقط جسدها كزهرة ميتة،
وبقي صدى رجائها الأخير معلقًا في الهواء،
يخترق كل من سمعه… حتى إن لم يفهمه.