Switch Mode

لعبة الخلود | الفصل 12

وقف الفتى ذو الشعر الأسود القاتم أمام المغسلة، يتكئ بيديه على حافتها، بينما كانت عيناه الداكنتان تنعكسان في المرآة بصمت ثقيل.
لحظة صمت تخللتها ابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيه، لم تكن مريحة… بل كانت تحمل شيئًا خفيًا، شيئًا لا يُبشِّر بالخير.
ثم قال بصوت منخفض لكنه مشحون:

“هل تقول… إن وريث أستورايت قد عاد؟”

في تلك اللحظة، انكسر الصمت بصوت أجش قادم من عند باب الحمام.
كان رجل يقف هناك، ملامحه شبه مخفية في الظلال، لكن نبرته كانت واضحة، تحمل شيئًا من التوتر والانضباط:

“أجل، سيدي… لقد عاد وريث أستورايت.”

بلمحة مفاجئة، تغيّر بياض عيني الفتى إلى سواد قاتم، وتفجّرت حول عينيه أوردة رفيعة داكنة، كأن شيئًا مظلمًا استيقظ داخله.
ابتسم من جديد، لكنها لم تكن ابتسامة إنسان… بل ابتسامة شر، خافتة وثابتة، توحي بما هو أعمق من الغضب.

أما الرجل الواقف عند الباب، بعينيه القاسية وشعره الفضي، فلم يتحرك. لم يبدُ عليه الذهول أو حتى التعجّب، كأن ما يراه أمامه لم يكن غريبًا عليه… بل مألوفًا، أو معتادًا.

في مكانٍ آخر، وسط ضباب خفيف يعانق الأشجار، كانت فتاة ذات شعر أسود كسواد الليل تتحرك بخفة وقوة.
منجلها يدور في الهواء مع كل حركة لها، تحيط به هالة قاتلة تنبعث منها رهبة صامتة.
بضربة دقيقة، مزّقت عنق أحد الذئاب، وسرعان ما تبعته أخرى دون تردد.

وعلى مقربة منها، جلس فتى بشعر أبيض ناصع يصل إلى كتفيه، متكئًا بظهره على جذع شجرة.
كان هادئًا على نحو غريب، عيناه تتابعان القتال بلا خوف ولا استعجال، كأن العالم من حوله لا يعنيه كثيرًا… أو كأنّه رأى ما هو أسوأ من الذئاب بألف مرة.

رفع الفتى يده ببطء إلى موضع الجرح في بطنه، ضغط عليه بخفة، ثم قال بصوت خافت يغلّفه الألم، دون أن يتخلى عن نبرته الساخرة:

“نيبارا… ألستِ على وشك ترك بعض الذئاب تهرب؟”

كانت نيبارا في قلب المعركة، تنحني فوق أحد الذئاب، عيناها تلمعان بقسوة.
وبدون أن تلتفت إليه، غرست إصبعين في عيني الوحش بكل برودة، قبل أن تردّ بنبرة حادة:

“اصمت… ألم ترَ ما فعلوه بنا؟ أو بالأحرى، بك أنت.”

سحبت نيبارا أصابعها من عيني الذئب، وفي يدها مقلة لامعة، نصفها ملوث بالدم، والنصف الآخر يشعّ ببريق بلوري غريب.
نظر كايل إلى المشهد بعينين ضيقتين وملامح مقززة، ثم قال وهو يشيح بنظره:

“ما الذي تفعلينه بمقل العيون تلك؟”

أجابته دون أن ترفع عينيها عن ما في يدها، بنبرة واقعية خالية من أي شعور بالاشمئزاز:

“عند قتل الذئاب، تتحول عيونها الكرستالية إلى كريستال حقيقي. باهظ الثمن عند بيعه… لهذا سموها بذئاب العيون الكرستالية.”

دون أن يلتفت إليها، مدّ كايل يده إلى السوار الملفوف حول معصمه، وضغط بخفة على أحد جوانبه.
انفتح السوار ليكشف عن قارورة صغيرة تحوي إكسير شفاء بلون أزرق لامع.
تناولها بهدوء، ثم قال بصوت خافت، كأن الحديث مجرد تمرين ذهني لتشتيت ألمه:

“جميل… وبكم تفكرين في بيعها عندما نخرج من هنا؟”

لم ينتظر جوابها، بل فتح القارورة وسكب الإكسير مباشرة على جرح بطنه.
زفر من بين أسنانه حين اجتاحه شعور لاذع بالحرق، ثم تمتم:

“تسك… مؤلم.”

أجابته نيبارا وهي تنحني لتلتقط المزيد من الكريستالات، تمسحها سريعًا في ثوبها قبل أن تخزنها داخل جيوبها:

“لا أعلم… دعنا نخرج أولًا، ثم سأفكر في الأمر.”

كانت نبرتها عملية، خالية من المزاح، كأنها لا تملك ترف الأحلام الآن.
في عينيها بريق بارد، لا يشبه بريق الكريستال الذي تخزنه… بل يشبه من اعتاد القتال أكثر من الحساب.

كايل لم يعلّق، فقط أغلق القارورة الفارغة وأعادها إلى السوار، بينما لا يزال الألم يخيم على ملامحه بصمت متحمل.

وقف كايل على قدميه بصعوبة، مستندًا إلى شجرة ليستجمع قواه.
قال بصوت خافت لكن حازم:

“دعينا ندخل للمعبد… ثم نأكل شيئًا.”

بدأ بالمشي ببطء، كانت نيبارا تتبعه بصمت خلفه، خطواتها هادئة لكنها متيقظة.
بعد لحظة، كسرت الصمت بسؤالها:

“هل أنت بخير؟”

ابتسم كايل بسخرية قاتمة، نظراته تعبر عن ألم لا يخفى، ورد قائلاً:

“وهل تعتقدين أن وضعي هذا يُسمى بخير؟ ارحميني… بحق الجحيم.”

تنهدت نيبارا بحدة، والغضب المكبوت يعلو أنفاسها. عقدت ذراعيها أمام صدرها، وحدقت في ظهره بنظرة تحمل من الضيق أكثر مما تحمل من الكلمات.

“لماذا تكلمني هكذا؟ لم أقل شيئًا أصلاً…”

لكنه لم يتوقف، ولم يتعب نفسه حتى بالنظر إليها.
ظل يمشي كما لو أن التعب لا يكفيه، والحديث عبء زائد لا حاجة له.
قال بصوت بارد، مقتضب:

“فقط تحركي… وكُفي عن التصرف هكذا.”

توقفت فجأة، وحدّقت فيه بخطوات غاضبة أثقل من وقعها الحقيقي، ثم قالت بنبرة مشحونة:

“هاه؟ كيف تقصد أنني أتصرف؟”

توقف هو الآخر، لكن دون أن يلتفت. ظلّ يحدّق في الطريق أمامه، وصوته جاء هادئًا على نحو مستفز:

“أقصد أنكِ تتصرفين كالأطفال.”

كانت كلماته كافية لتشعل الغضب في عينيها، لكن ملامحه ظلت خالية من أي ندم… أو اهتمام.

قالت بصوت مضطرب يخفي وراءه شعورًا لا تريد الاعتراف به:

“ما بك؟ لماذا تتكلم بهذه الطريقة منذ مواجهتنا للذئاب الكريستالية؟”

توقف كايل، واستدار نحوها ببطء.
كانت نظرته مظلمة، عميقة، كأن شيئًا أثقل من التعب ينهشه من الداخل.

“ليس من شأنك.”

ثم استدار مجددًا وبدأ بالسير دون أن ينتظر ردًا.
وقبل أن يبتعد أكثر، توقف فجأة، وألقى نظرة جانبية نحوها، نبرته حادة، قاطعة:

“من الأفضل أن نفترق… كلٌّ منا يذهب في طريقه.”

وما إن أنهى جملته، حتى قفز بين الأشجار بخفة، واختفى في الظلال دون أن ينتظر سؤالًا أو اعتراضًا.

وقفت نيبارا في مكانها، جامدة للحظة، الدهشة تلمع في عينيها.
لكنها سرعان ما عضّت على أسنانها بقوة، والغضب يشق طريقه عبر صوتها:

“وكأنني أهتم إن ذهبت وحدك… وغد ضعيف.”

وما لبثت أن تبخّرت في الظل، تاركة خلفها الهواء يهمس بما لم يُقال.

في الجانب الآخر، كنت أقفز بين الأشجار بخفة، أتنقل من غصن إلى غصن، متجنبًا أي مواجهة.
حالتي لا تسمح لي بقتال آخر الآن… جسدي لم يُشفَ تمامًا، وكل خطوة أشعر بها وكأنها تمزق ما تبقى من طاقتي.

لكن ذلك لم يكن ما يقلقني فعلاً.
ما يقلقني حقًا… هو نيبارا.

هل ستكون بخير بمفردها؟

هي قوية، لا شك في ذلك. أقوى مما تُظهره.
لكن رغم قوتها، لا أريد أن أجرّها إلى ما هو قادم… المهمة التي كلّفني بها النظام، والتي وصلتني بينما كنا وسط قتالنا مع الذئاب الكريستالية… تلك المهمة التي لا أستطيع أن أطلب منها أن تتورط فيها، ولا أريدها أن تفعل.

قطع حبل أفكاري صوت حاد خلفي… زئير منخفض لكن قريب، كأن الهواء نفسه اختنق.
استدرت بسرعة، ويدي تمسك بأحد الخناجري.
في اللحظة الأخيرة، صدّيت الضربة… مخالب وحش طائر كادت تفتك بي.

تراجعت خطوة، أحدّق به.
كان من فصيلة الوحوش الطائرة، النوع الذي لا يظهر إلا ضمن قطيع…
لكن هذا واحد، بمفرده.
غريب.

وفي اللحظة التي حاول فيها عقلي فهم الأمر، تذكّرت.
تذكّرت ما يجعل وحوش “سكويبناتس” تتخلى عن سربها وتُحلّق منفردة.

ابتلعت ريقي، وشعور ثقيل بدأ يزحف في صدري.

“إنه هو… لا محالة. نيثيريور.”

عندما يظهر هذا الكائن، كل وحش طائر يطأ الأرض بجناحيه ويبتعد.
كأنها غريزة.
رهبة.

نيثيريور… وحش طاغية، لا يُخطئه اي وحش من وحوش أراكس الملعونة.

لهذا السبب بالذات ، لا أريد من نيبارا أن تكون قريبة.
هي لا تعرف من هو… ولا يجب أن تعرف.
لا أريد أن ترى ما سأراه، ولا أن تُمسّ بما سأقاتله.

رفعت بصري، نظري مشدود إلى ما ينتظرني وسط الأشجار المعتمة،
قلبي ينبض بصمت… وصوت داخلي يتمسك بالحقيقة الوحيدة التي أؤمن بها:

“هذه… حربي. وسأخوضها وحدي، حتى النهاية.”

لعبة الخلود

لعبة الخلود

Game Of Immortality
الحالة: Ongoing النوع: المؤلف: اللغة الأصلية: العربية
عِش ما تريد، وتمنَّ ما تشاء، لكن لا تنسَ أن تضع حدًا لأمنياتك... فقد يأتي يوم تتحقق فيه بطريقة لم تكن تحلم بها، وحينها ستدرك كم كنتَ أحمقًا. كنتُ أحد أولئك القلائل مهووسون بألعاب الفيديو، أعيش بين الشاشات، وأحلم بأن أكون جزءًا من العوالم الرقمية التي كنت أغرق فيها لساعات. لم أكن أريد أن أكون البطل النبيل الذي يبكي كالطفل عند أول خسارة، أو ذاك الذي يحمل شعارات العدالة وهو بالكاد يستطيع حماية نفسه. لا، كنتُ أريد أن أكون الشرير—ذلك الذي يفرض هيبته، تتزلزل الأرض تحت قدميه، ويمتلك قوة تفوق بطل اللعبة ذاته. في يوم مشؤوم ، لم أستيقظ في سريري كالمعتاد، بل داخل إحدى الألعاب التي كنت أعشقها حتى الهوس. كل شيء كان مألوفًا، من المدن الشاهقة إلى الشخصيات التي حفظت حواراتها عن ظهر قلب... لكن هناك مشكلة، مشكلة لم تكن في الحسبان—لم أتجسد في جسد ذلك الشرير الأسطوري الذي كنت أتخيله، بل في جسد أكثر شخصية كرهتها على الإطلاق... بطل اللعبة "كايل استورايت".   الآن، وأنا عالق في هذا الدور الذي طالما سخرت منه، محاط بالأعداء الذين لطالما تمنيت أن أكون واحدًا منهم، أدركت حقيقة لم أفكر فيها أبدًا: ربما كان للأبطال سبب يجعلهم يقاتلون، وربما لم يكن الأشرار بتلك العظمة التي تخيلتها... أو ربما، فقط ربما، لم يكن هذا مجرد "لعبة ".

تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الإعدادات

لا يعمل مع الوضع الداكن
إعادة تعيين