كنت جالسًا فوق غصون إحدى الأشجار العملاقة، أراقب السماء التي بدأت تكتسي بظلال المساء. ومع اقتراب الظلام، بدأت الأصوات تتغير من حولي فهذا هو الوقت الذي تزداد فيه شراسة الوحوش، وتتحول الغابة إلى فخ مفتوح.
صعدت إلى أعلى الشجرة، وعيناي تتطلعان إلى السماء التي ابتلعها الظلام. راحت النجوم تتلألأ بهدوء، كأنها مصابيح ترشد التائهين في هذا العالم الموحش… لكنني كنت أعلم جيدًا أنني لست أحدهم.
نظرت حولي بحذر، فرأيت في البعيد شيئًا يشبه مبنى مهجورًا، أو ربما كان مجرد وهم صنعه الظلام. لم أكن متأكدًا… هل أذهب؟ أم أتجاهله وكأنني لم أرَ شيئًا؟
ـ “تسك…” تمتمت بضيق.
لم يكن هناك خيار آخر. إن بقيت هنا، قد لا أنجو. الطعام بدأ ينفد، والواقع أنني كنت السبب… بالغت في استهلاكه، وكأنني كنت أهرب من الجوع بالخداع، لا بالشبع.
بدأت أتنقل بحذر فوق الأغصان العالية، أقفز من شجرة إلى أخرى بصمت مدروس، متجنبًا أي صوت قد يلفت انتباه الوحوش التي تجوب الأرض أسفل مني. كل خطوة كانت مغامرة صغيرة، وكل قفزة قد تعني الفرق بين النجاة… أو الوقوع في الجحيم.. مرة اخرى..
ثبتُّ نظري إلى الأمام، نحو ذلك المبنى الغامض. مع كل قفزة، كنت أقترب أكثر، والمسافة بيني وبينه بدأت تتلاشى شيئًا فشيئًا. لم أكن أعلم ما ينتظرني هناك، لكن قدميّ لم تتوقفا… وكأن شيئًا ما يدفعني نحوه.
بعد دقائق من القفز المتواصل، وصلت أخيرًا إلى هدف الرحلة. وقفت فوق غصن شجرة مواجهة للمبنى، أراقبه بصمت.
ـ “معبد…” تمتمت باستغراب.
كان معبدًا، أو هكذا بدا. قديم، مهجور، وأشبه بشيء من زمن آخر. لم يكن هناك ما يدل على وجود حياة حوله، ولا حتى آثار أقدام… فقط الصمت، والغموض.
نزلت بحذر من الشجرة، خطوة بخطوة، حتى لامست الأرض. تقدّمت نحو الباب، وكل حواسي مشدودة. وضعت يدي على المقبض، وفتحته ببطء، بينما كانت يدي الأخرى تمسك بالخنجر، مستعدة لأي طارئ.
دخلت المكان بخطوات حذرة. لم يكن كبيرًا ولا صغيرًا، مجرد مساحة كافية لتثير الريبة دون أن توحي بالأمان. وقفت وسطه، أتفحص الجدران المتآكلة والعتمة التي تملأ الزوايا بعيني المتعبة.
ـ “هل من أحد هنا؟” ناديت بصوت مسموع، مكسور بشيء من التردد.
لم تأتِ أي إجابة. الصمت ظل معلقًا في المكان، لكنه لم يكن صمتًا مريحًا… كان كأن هناك أنفاسًا مكتومة خلفه، وعيونًا غير مرئية ترصدني من الظلال.
شعرت بشيء ما. انتفَضَ جسدي تلقائيًا، واستدرت بسرعة نحو الخلف… خطوات. صوتها خافت، لكنه كان حقيقيًا. ولم أكن وحدي هنا.
“من هناك؟”
صرخت بصوتٍ حاد، ثم تابعت بنبرة أكثر حزمًا:
ـ “اخرج… أعلم أنك هنا.”
كنت أدور في مكاني، أتلفّت بكل الاتجاهات، وعيناي تبحثان بيأس عن أي حركة بين الظلال. حاولت أن أُبقي تركيزي صافيًا، أن أميز الأصوات من الوهم، لكن الغموض كان أثقل من أن يُحتمل.
وفجأة، ومن حيث لا أعلم، باغتتني ضربة قوية من الخلف. تهاويت خطوة إلى الأمام، متعثرًا بفعل المباغتة. عضضت على أسناني، وأمسكت بخنجري بإحكام، ثم سحبت توأمه من النظام الاثنان الآن في يدي، والهواء من حولي صار مشبعًا بالخطر.
شعرت بأنفاس دافئة تلامس أذني من الخلف… أنفاس حقيقية، قريبة بشكل مزعج. استدرت بسرعة خاطفة، والسلاحان في يدي، لكن لا جدوى. لم يكن هناك أحد.
ـ “تسك…” تمتمت بضيق، والغضب بدأ يتسلل إلى رأسي.
لم يكن ذلك وهماً. كنت متأكدًا من وجود شيء… أو شخص. لكنه كان أسرع من أن يُرصد، أو ربما كان يلعب لعبةً لا أحب أن أكون جزءًا منها.
صرخت متحديًا:
“اخرج وقاتلني إذا كنت رجلاً.”
بينما استدرت لأواجه من كان خلفي، جاءت ركلة قوية صوب صدري، أوقعَتني أرضًا. أزحت يدي عن صدري، أحاول كتم الألم، ورأيت أمامي فتاة بشعر أسود مرفوع على شكل ذيل حصان. كانت ترتدي ملابس سوداء، ووجهها نصفه مغطى بقناع يمتد من أنفها حتى فكها.
همست الفتاة بتهكم:
“أوبس، لست رجلاً، بل أنثى.”
ثم وجهت نحوي ركلة أخرى، لكنني تجنبتها بسرعة، وأطلقت خنجري نحوها. رغم ذلك، لم يصبها، فقد اختفت فجأة كأنها تلاشت في الهواء.
ظهرت من خلفي دون صوت، كأنها خرجت من ظلّي نفسه، وبدأت تهاجمني بسلسلة من الركلات واللكمات السريعة. كنت أصدها بصعوبة، خنجر في يد، وذراعي الأخرى ترد الضربات قدر المستطاع.
لكن فجأة… توقف جسدي.
حاولت أن أرفع ذراعي، أن ألوّح بالخنجر، أن أتحرك خطوة واحدة إلى الخلف… لا فائدة. شعرت وكأن شيئًا خفيًا يقيّد أطرافي، يمنع قبضتي من التحرك، يكبّلني دون حبال.
عيني كانت تتابعها، بينما هي تقترب ببطء، وعلى وجهها تلك النظرة العابثة التي لم أستطع تفسيرها.
“ما هذه الحيلة الرخيصة؟ هل… تتحكمين بجسدي؟”
صحتُ بامتعاض، والغضب يتصاعد داخلي بينما أطرافي لا تزال مشلولة تمامًا.
لم تجب.
اقتربت في صمت، خطواتها بالكاد تُسمع، حتى صارت أمامي تمامًا. انحنت قليلًا، وقرّبت وجهها من صدري، ثم أخذت شهيقًا طويلًا، كأنها تلتقط شيئًا لا يُرى. لحظة مرت، ثم رفعت رأسها ببطء، وعيناها الداكنتان تلتقيان بعيني.
“أوه… أنت لست وحشًا.”
قالتها بنبرة هادئة، ثم مالت شفتيها بابتسامة ساخرة قبل أن تضيف:
ـ”لكنك… عفن. تمامًا مثلها.”
رفعت يدها بهدوء، وخيوط رفيعة بدأت تظهر من حولي، تمتد من أطراف جسدي إلى الظلال التي تحيط بالمكان. من النظرة الأولى بدت كأنها لا تُرى، خيوط شفافة بالكاد تُدرك، لكنها كانت قوية… قوية بما يكفي لتشلني تمامًا.
قالت بنبرة هادئة، دون أن تزول الابتسامة الساخرة من وجهها:
ـ “وما تسميه حيلة رخيصة… هو خيط نسجته من ظلّي. وسيلة لقيد الوحوش هنا.”
راقبتُ الخيوط وهي تلتف حول ذراعيّ وساقيّ، تشدني دون أن ألمسها حقًا، كأن الظل نفسه صار قيدًا حيًّا.
قلت بتوتر، أقاوم نظرتها الثابتة:
ـ “لكن… كما ترين، أنا لست وحشًا.”
نظرت إليّ نظرة طويلة، عميقة، كأنها تنبش في داخلي شيئًا لا يُقال بالكلمات. ثم قالت بصوت هادئ، خالٍ من الانفعال:
ـ “أنا لست غبية إلى درجة أنني لا أفرّق بين الوحوش والبشر.”
نظرتها لم تتزحزح، بل ازدادت ثباتًا… كأنها تحاول التسلل إلى أعماقي، تبحث عن شيء أجهله أنا نفسي. لم تكن تنظر إلى وجهي فحسب، بل إلى ما خلفه إلى الظلال التي أخفيها، والندوب التي لم تلتئم.
تراجعت خطوة للوراء، دون أن تفك قيد الظلال من حولي، وقالت بنبرة حاسمة:
ـ “المهم الآن… سأقيدك حتى تنطفئ شكوكي. وجودك هنا يعني شيئًا واحدًا فقط، أليس كذلك؟”
صمتُّ، أترقب كلمتها التالية، فواصلت وهي تحدق في وجهي:
ـ “أنك تفهم هذا… في جزر أراكس، البشر لا يكونون دائمًا بشرًا.”
اقتربت قليلًا، همست كأنها تكشف سرًا دفينًا:
ـ “أحيانًا… يكونون وحوشًا ممسوخة.”
حدّقتُ بها بعينين متسعتين، وقد بدأت قطع الصورة تتجمع في رأسي أخيرًا. سألتها بصوت خافت، يشوبه التردد:
ـ “هل… تقصدين مثل ناسخ الشكل؟”
رفعت حاجبًا وكأنها فوجئت بمعرفتي، ثم أومأت بهدوء:
ـ “أجل. يبدو أنك قابلته.”
جفّ حلقي، وشعرت بتوتر جديد يتسلل إلى صدري. ما لم أقله هو أنني لم أكتفِ بلقائه… بل كدت أموت بسببه.
ـ “أجل… وقتلته أيضاً.”
قلت ذلك بنبرة باردة، وعيناي لا تفارقان عينيها، دون أي اكتراث هذه المرة.
اتسعت عيناها بدهشة، ثم انفجرت في ضحكة قصيرة، متقطعة، تحمل شيئًا من السخرية:
ـ “ههه… لا تمزح. أنت؟ تقتل ناسخ الشكل؟”
لكن الضحكة ما لبثت أن خمدت. ساد الصمت بيننا لثوانٍ، قبل أن تعود إلى نظرتها الجادة، الحادة كالسيف:
ـ “هل تقصد… ذلك حقًا؟”
لم أجب. لم أكن بحاجة إلى ذلك.
كل ما فعلته أن رفعت حاجبًا واحدًا، ونظرت إليها بثبات. لم تكن الكلمات ضرورية حينها، فقد قالت نظرتي ما يكفي.
قالت بعد لحظة صمت، وقد بدا عليها شيء من التململ، كأنها مرغمة على الاعتراف:
ـ “حسنًا… صدقتك.”
كلماتها خرجت ببطء، وكأنها تُنتزع من بين أسنانها. لم تكن نظرتها قد خفّت حدتها تمامًا، لكن كان هناك شيء مختلف هذه المرة… شيء أقرب إلى الاحترام المتردد.
بدأت خيوط الظل من حولي تتلاشى تدريجيًا، تختفي في الهواء كما ظهرت، وتركت أطرافي تعود إلى حريّتها ببطء. وقفت دون أن أقول شيئًا، أنفض الغبار عن ردائي، وما زلت أراقبها بعين نصف ساخرة.
قالت وهي تطوي ذراعيها أمام صدرها، ونبرتها تعود للصرامة، لكن دون عدائية:
ـ “جيد… الآن، كيف أتيت إلى هنا؟ ولماذا أنت وحدك دون فرقة ؟”
كان سؤالها مباشرًا، لكن خلفه قلق خفي، كأنها لا تسأل لمجرد المعرفة، بل لشيء أبعد. وقفت أمامي تنتظر، والشمس الخافتة المنعكسة من خلال فتحات المعبد المهجور تلقي ظلالًا باهتة على وجهها المقنع.
لم أجب على سؤالها. اكتفيت بالنظر إليها لحظة، ثم انحنيت قليلًا لألتقط خنجري من الأرض وأعدته إلى مكانه ببطء. وحين رفعت نظري إليها مجددًا، كانت لا تزال تنتظر… لكنني ابتسمت بسخرية خفيفة، وقلت بهدوء:
ـ “سؤال مقابل سؤال.”
رفعت حاجبها، لكن لم تعترض
فتابعت أنا:
ـ “من أنت؟ ولماذا تقيمين في معبد مهجور في عمق أراضٍ تعج بالوحوش؟”
تغيرت ملامحها للحظة، لا خوف… بل تردد. كأنها لم تتوقع أن تُسأل هي.
الآن… كان دوري في كشف الظلال.
مرّت ساعات منذ لقائنا الأول. كنا الآن نجلس حول نار صغيرة أشعلتها بنفسها ببعض الحطب اليابس، تحيط بنا الأشجار العملاقة كجدران صامتة، والسماء فوقنا مثقلة بالنجوم. الظلال ترقص على وجهها المقنّع مع لهب النار، ولم تعد التهديدات بيننا قائمة… فقط صمتٌ متبادل، أقرب للهدنة.
رفعت قنينة الماء إلى فمي، شربت ببطء، ثم وضعتها جانبًا وقلت بنبرة هادئة، كأنني أعلِن نتيجة منطقية لمراقبة طويلة:
ـ “إذن… أفهم أنك هي. ابنة سيد الظل، التي جاءت إلى الجزيرة دون علم أحد.”
لم تجب.
فقط… أومأت برأسها.
إيماءة قصيرة، صامتة، لكنها حملت معها ثقلًا أكبر من أي اعتراف صريح. لم تكن مضطرة للكلام، فسكوتها كان كافيًا ليؤكد الحقيقة.
بينما كنا جالسَين حول النار، وقد بدأ سكونُ الليل يلفّ الغابة كغطاء ثقيل، دوّى صوتٌ غريب من بين الشجيرات.
زمجرة خافتة… تبعتها أخرى. ثم ثالثة.
التفتت هي فورًا، يدها تمسُّ مقبض سلاحها، ونظرتها عادت حادّة كما كانت حين التقينا أول مرة. وقفت دون كلمة، ظهرها للّهب، وعيناها تتفحصان الظلال بين الأشجار.
وقفتُ بدوري، التقطت خنجري مجددًا، ثم همست:
ـ “هل هي من وحوش الليل؟”
ردّت دون أن تلتفت إليّ:
ـ “لا… هذه الزمجرة ليست لأحدهم. هذه… لشيء آخر.”
صمتنا، والنار بيننا تصدر طقطقة خافتة، بينما أصوات الزمجرة تقترب.
تراجعت خطوة للوراء، وعيناي لا تزالان مثبتتين على الظلال المتحركة خلف الشجيرات. الزمجرة ازدادت وضوحًا، كأنها قادمة من أكثر من حنجرة واحدة.
همستُ بقلق، دون أن أرفع صوتي:
ـ “لا تخبريني… أنه ما أفكر به.”
ضحكت، ضحكة قصيرة متوترة، كأنها تحاول أن تسخر من الموقف بينما يدها لا تفارق سلاحها:
ـ “أعتقد أن ما تفكر به… هو ذاته ما أفكر به أنا.”
سحبت منجلها ببطء، والنار تومض في عينيها مع لهبٍ بدأ يخفت تحت ضغط الخوف الصامت. صمتنا مجددًا، نستمع… الزمجرات تزداد، تقترب، تلتف حولنا.
كأن شيئًا أو أشياء… تطوّقنا.
ثم فجأة…
من بين إحدى الشجيرات، انقضّ علينا مخلوق هائل، بسرعة لا تُرى بالعين. كان ذئبًا، لكن ليس كأي ذئب.
فراؤه أبيض كالثلج، وعيناه… عيناه كانت تشعّان بالضوء الأزرق الناري، تلمعان تحت ضوء القمر المكتمل، كأن فيهما أرواحًا حبيسة.
صرختُ وأنا أندفع أمامها:
ـ “اللعنة! انتبهي!”
رفعت خنجري في اللحظة الأخيرة، ولوّحت به بقوة لأضرب الذئب في الهواء. حركتي لم تكن أنيقة، لكنها كانت كافية لإبعاده نصف خطوة… مجرد لحظة فصلت بين الحياة والموت.
ارتدّ الذئب إلى الوراء وهو يزمجر، يدور حولنا ببطء، أنيابه تقطر باللعاب، وصدره يرتفع وينخفض بشراسة قاتلة.
سمعتها تقف خلفي، سلاحها جاهز، وظهرها لظهري. كانت لحظة قتال لا مهرب منها.
فجأة، ومن دون أي إنذار… رمت منجلها أرضًا واختفى تحت الارض .
وقبل أن أستوعب ما حدث، بدأت قدماها تغرقان في الظل أسفلها، كأن الأرض نفسها تبتلعها. كانت تتلاشى ببطء في الظلام، ذراعاها تُسحبان معها، ووجهها بالكاد يُرى حين تمتمت بشراسة:
ـ “اللعنة… يا ابناء العاهرة!”
شهقتُ، لم أفهم ما تعنيه، ناديت بتوتر:
ـ “إلى أين تذهبين؟! هيه! أجيبي!”
لكنها لم ترد.
الظل ابتلعها بالكامل… وتركتني وحدي.
استدرت ببطء نحو الذئب الأبيض، وأدركت متأخرًا حجم الكارثة. خلفه، من بين الأشجار… ظهر قطيعٌ كامل. أنياب تلمع، أعين تشتعل تحت ضوء القمر، وقلوب لا تعرف الرحمة.
زأر الذئب الأبيض، ثم بدأوا الهجوم.
صرخت، ورفعت خنجري بكلتا يديّ، أضرب، أصدّ، أتعثر، ألهث. واحد، اثنان، ثلاثة… كلما سقط واحد، ظهر اثنان.
أنفاسي تتسارع، كتفي ينزف، لكنني لا أتراجع. أنا وحيد… والوحوش لا ترحم.
تمامًا حين كنت على وشك السقوط… حين بدأتُ أظن أن هذه هي النهاية تحرك شيء في الأرض.
من الظلال التي تحت قدمي، بدأت تتكوّن يدٌ سوداء… ثم أخرى، ثم عشرات. كانت طويلة، رفيعة كأنها مصنوعة من دخان حي، لكنها قوية بشكل مرعب.
امتدت اليد الأولى، أمسكت بذئب كان يهمُّ بعضّي، وسحبته إلى الأسفل وهو يصرخ. تلتها أخرى، تشبثت بعنق ذئب آخر وسحبته بقوة حتى تقطّع جسده، وانفجر الدم على الأشجار المجاورة.
تراجعت الذئاب للحظة… لكن الأيدي كانت أسرع.
وقفتُ، أتألم، الدم يسيل من كتفي وذراعي، لكنني ابتسمت رغم كل شيء. نظرت نحو الأرض، حيث كانت تلك الظلال تساعدني، وغمغمت بسخرية متقطعة:
ـ “آه… فهمت الآن ما قصدته بكلامها…”
سحبت خنجري من جسد أحدهم، رفعت رأسي نحو البقية وصرخت:
ـ “أنتم حقًا أبناء عاهرة.”
ثم اندفعت من جديد.
أطعن، أقطع، والظلال تسحبهم واحدًا تلو الآخر. بعضهم يُبتلع حيًّا، وبعضهم يعود مقطوع الأوصال. الأرض أصبحت مسرحًا لذبحٍ صامت..
كنت ألهث وسط سحب الظلال المتصاعدة من الأرض، والأيدي لا تزال تمزّق الذئاب كما لو كانت أوراقًا. جسدي مثخن بالجراح، لكن شيئًا في داخلي تحرّر.
وفي تلك اللحظة، أدركت الحقيقة.
لم أكن وحدي منذ البداية… لقد كانت معي. ابنة سيد الظل… أقوى من أن توصف، وأغرب من أن تُفهم.
ـ “نيبارا أومبرايس…” تمتمتُ باسمها، وأنا أراقب كيف بدأت الأيدي تتكاثر وتلتف كالأفاعي السوداء حول آخر الذئاب، تشقها إلى نصفين.
اسمٌ يُهمس به في إمبراطورية اوريفال كما يُهمس بأسماء الآلهة المنسية.
عائلة معروفة بغموضها، ظلّها الذي إن دخلته، فلن تخرج منه حيًا.
“أومبرايس”… الاسم وحده يكفي ليجمد الدم في عروق أقسى القتلة.