Switch Mode

لعبة الخلود | الفصل 1

وسط الظلام الدامس، لم يكن هناك سوى الصراخ والركض، خطوات متعثرة وأصوات أنفاس متلاحقة، كأن المدينة تحولت إلى كابوس حي. كانت الوحوش تجوب المكان، تفترس كل من لم يسعفه حظه بالهرب. بعضها كان بأربعة أقدام، وأخرى تملك ستة أذرع اشكال و كيانات مشوهة مولودة من اسوء كوابيس قد يحلم بها إنسان، وحشية بلا حدود، تلتهم أجساد الفارين كما لو كانت مجرد طرائد صغيرة تهرب لجحورها أو تفر لاعشاشها.

وسط الفوضى، صرع صوت فتاة من الخلف ، صوتها كان مشبعًا بعزمٍ ويأسٍ معًا:
“سارعوا بالهرب”

كانت تقاتل ببسالة، ترسل أجرامها النارية لتصد زحف الوحوش عن الباقين، تحاول أن تمنحهم فرصة أخرى للحياة. لكن القدر لم يكن رحيمًا،لم توجد رحمة في ذلك العالم أو اقداره

بضربة مباغتة من أحد الوحوش، وجدت نفسها تهوي إلى الأرض ، جسدها يرتطم بعنف بالغبار الملطخ بالدماء. شهقت، تحاول أن تلتقط أنفاسها كفعل غريزي ، لكن الحديد في حلقها حال دون ذلك..

تقدمت الوحوش نحوها، بريق أعينها االخالية من العقل و المنطق تعكس الجوع الذي ينهش أحشاءها، لعابها يسيل كأنها تستمتع بتخيل الفتاة بين أنيابها.

حاولت أن تنهض، أن تقاتل، لكن طاقتها استُنزفت، وسحرها الناري نفد. أصبحت محاصرة من كل الجهات، وكل ما تبقى لها هو مواجهة مصيراً بدى لها مكتوباً منذ دهر.

شيء ثقيل تسلل إلى قلبها، مزيج قاتم من العجز واليأس. أغمضت عينيها، مستسلمة.

ثوانٍ مرّت… لا شيء.

فتحت عينيها ببطء، تتوقع الألم، الموت، أو حتى الفراغ الأبدي، لكن بدلًا من ذلك، وجدت الوحوش ممددة أمامها، بلا حراك، جثث هامدة تفوح منها رائحة الموت.

شعرت بهالة مألوفة تتسلل إلى حواسها، فتسارعت أنفاسها وهي تدير رأسها ببطء.

وهناك، وسط جثث الوحوش، وقف فتى… شعره أبيض يضيء و كأن نجوم تلك الليلة حطت على رأسه وعيناه داكنتان بلون احمر كآخر قطرة في قنينة نبيذ أو شريان قطيع . هالة سوداء وحمراء كانت تلتف حوله، تنبض بطاقة غامضة أشبه بصراخ معذبين او مناجاة قديسين .

لم يكن مجرد منقذ… كان شيئًا يفوق الخيال

بمجرد أن تسللت هالته إلى الأجواء، انتفضت الوحوش الأخرى، وكأنها تلتقط رائحة فريسة لا تُقاوَم شيء استفز كل خلية من شهوتهم للدماء و اللحم و العظم.

تدفق لعابها وهي تندفع نحوه بسرعة خاطفة، مسلوبة الإرادة أمام الوعد الذي تحمله رائحته: وجبة مشبعة بلذة لم يختبروها من قبل. لكنها لم تكن تدرك أن من اعتبرته فريسة لم يكن سوى صياد بدم بارد.

في اللحظة التي انقضوا عليه، كان نصيبهم التمزق إربًا، واحدًا تلو الآخر.

تحولت الساحة إلى مسرح دموي، حيث تتطاير الأشلاء، وتتردد صرخات الألم في الهواء. غير أن هذا لم يكن سوى بداية المواجهة الحقيقية.

من بين الظلال، برز آخر حضور كبير كأعين النبيذ قبله يقف بثقة مشوبة بالغموض، خلفه تنين أسود، ينبض وهجًا أحمر كالجمر المتقد. لم يكن مجرد تنين عادي، بل وحش ينبض بالقوة، عينيه تتقدان بوهج جائع لا يقل عن الوحوش التي سبقته، لكن هذه المرة، لم يكن هو من يسعى للالتهام.

وقف الفتيان متقابلين، أحدهما بشعر أبيض كالثلج، والآخر بشعر أسود كسواد الليل. الصمت بينهما كان أكثر ضجيجًا من العاصفة، كل منهما يترقب الآخر، بانتظار الشرارة التي ستشعل المعركة.

لم يحتج الفتى ذو الشعر الأسود سوى إلى فرقعة أصابعه. تردد الصوت في الهواء كناقوس خطر، وفي لحظة، صرخ التنين الأسود، دافعًا من فمه نيرانًا متوحشة، التهمت كل ما في طريقها، زاحفة بسرعة مرعبة نحو خصمه. الآن، لم يعد الأمر مجرد قتال… بل معركة لتحديد من يستحق البقاء.

عندما اندفع الفتيان ، يركضان نحو بعضهما البعض وسط ساحة المعركة …
خيم الظلام فجأة. الشاشة أظلمت دفعة واحدة، تاركةً خلفها صدى خطواتهما المعلقة في الفراغ ..

شهق الفتى الجالس خلف الحاسوب، قبل أن ينفجر صوته في أرجاء الغرفة:

“لا! لماذا الآن؟! تبًّا لك أيها الحاسوب اللعين!”

وقف بغضب، يمرر أصابعه في شعره، يضغط أسنانه وهو يتمتم بشتائم لم يسمعها سوى الجدران الصامتة.

“لماذا تنطفئ دائمًا عندما أصل للجزء المشوّق؟! نكتة سيئة يا قطعة الخردة !”

بينما كان يحدّق في الشاشة السوداء، انبعث ضوء خافت من هاتفه، تلاه اهتزاز خفيف. التقطه ببطء، ليجد إشعارًا جديدًا.

رسالة من أمي .

ضغط على الإشعار، لتظهر كلماتها على الشاشة، دافئة وسط برودة الغرفة الفوضوية :

“بني العزيز، سأتأخر قليلًا في العمل اليوم. الطعام موجود في الثلاجة، لا تنسَ أن تأكل عندما تشعر بالجوع. وأرجوك، لا تسهر لوقت متأخر… غدًا هو أول يوم في الجامعة، يوم مهم لا ينبغي أن تفوّته. أنا فخورة بك، وأحبك كثيرًا يا صغيري.”

حدّق في الرسالة للحظات، وكأن الكلمات تسللت عبر الشاشة لتعانق قلبه. زفر بهدوء، وألقى نظرة أخيرة على الحاسوب المطفأ، قبل أن يتمتم بابتسامة خفيفة:

“على … الاقل امي لاتنطفئ”

تنهدتُ بعمق، وكأن زفيري يحمل ثقل العالم، ثم خطوتُ نحو الحاسوب وجلستُ على المقعد من جديد. وضعتُ أناملي على الأزرار الباردة، اضغطها بنفاد صبر، وغمغمتُ بتهديد خافت:

“حسنًا، عليك أن تعمل الآن… وإلا، فلن تنجو من التحطيم!”

ضغطتُ زر التشغيل، وانتظرتُ… لحظات مرت وكأنها دهر، ثم أضاءت الشاشة، وعاد كل شيء إلى طبيعته. تنفستُ الصعداء وعُدتُ للعبة، انغمستُ فيها كليًا، غارقًا في عالمها الافتراضي، غير مدرك للوقت الذي بدأ يتلاشى بين أصابعي. ساعة، ساعتان، ثلاث… لا أعلم. كنت ألعب وألعب، حتى بدأ الهواء من حولي يزداد سخونة.

رفعتُ حاجبي بقلق، أحدق في الشاشة التي بدأت تهتزّ بشكل غير مألوف. تمتمتُ بشك:

“همم… ماذا يحدث فجأة؟”

لم يمنحني الحاسوب فرصة للتفكير، إذ بدأ الدخان يتصاعد من زواياه، كوحش يحاول الهروب من داخله. وقبل أن أتمكن من التحرك، انفجر ضوءٌ أحمرٌ ساطع، اجتاح المكان كعاصفة نارية، جعلني اجفل لا اراديا و حجب عن عيني الرؤية تمامًا.

لم أعد أستطيع التنفس، وكأن الهواء من حولي تبخر في العدم. حاولت أن أشعر بأي شيء—برد، حرارة، خشونة الأرض تحت يدي—لكن لا شيء. الفراغ فقط، كان يبتلعني ببطء، يسحبني نحو مجهول لا نهاية له.

تلاشى كل شيء، حتى صوت أنفاسي التي لم أعد متأكدًا إن كانت لا تزال موجودة. لم يكن هناك سوى الظلام، كثيفًا، عميقًا، وكأنني عالق في نقطة بين الوجود والعدم.

…..

…..

كان الظلام حالكًا، كما لو أنه لن ينقشع أبدًا. شعرت وكأنني محاصر في العدم، حتى بدأت أنفاسي تتسارع، وكأنني أستعيد السيطرة على وجودي أخيرًا. لكن قبل أن أتمكن من استيعاب وضعي، اخترق الصمت صوت فتاة، هادئ لكنه يحمل في طياته رهبة خفية، كأن كلماته تحمل نبوءة مشؤومة:

“سيبدأ العد التنازلي لموت اللاعب إن لم يستيقظ بسرعة.”

لاعب؟ ما هذا الهراء؟ عن أي لاعب تتحدث؟ ولماذا أشعر وكأنني عالق بين الحلم والواقع؟ هل يجب عليّ أن أستيقظ؟

“ثلاثة…”

الصوت بدا أقرب، وكأن الزمن يتقلص من حولي.

“اثنان…”

شعرت بقشعريرة تزحف على جلدي، أجبرت نفسي على الاستيقاظ كما لو أن حياتي تعتمد على ذلك. فتحت عينيّ دفعة واحدة، لأجد نفسي أحدّق في سقف متآكل، تتساقط منه قطع صغيرة من الطلاء المهترئ، وكأنه على وشك الانهيار فوق رأسي.

رفعت جسدي المتثاقل، نظرت حولي بذهول. جدران باهتة، رائحة عفن تخترق أنفي، وأثاث مبعثر يوحي بأن الغرفة قد هُجرت منذ زمن. لا… هذه ليست غرفتي، لا يمكن أن تكون غرفتي!

“لكن إذا لم تكن كذلك… فأين أنا بحق الجحيم؟ ”

تمتمت بصوت بالكاد سمعته أذناي، وأنا أحدّق في يديّ الممتدتين أمامي. كانتا بيضاء شاحبتين، نحيلتين، لكن ليس تمامًا. أصابعي بدت وكأنها ليست لي، كأنها تخص شخصًا آخر، غريب عني. مررت أناملي فوق راحتي، أبحث عن أي علامة مألوفة، عن أي ندبة، عن أي شيء يخبرني أنني لا أتوهم.

لكن لا شيء.

بلعت ريقي بصعوبة، وشعرت بأنفاسي تتباطأ. هل هذا جسدي فعلًا؟ أم أنني…؟ لا، لا أريد إكمال تلك الفكرة..

جلست على حافة السرير، قدماي تلامسان الأرض الباردة كأنها تحاول سحبي إلى واقع لا أفهمه. شعرت برجفة خفيفة تسري في جسدي، لكنني تجاهلتها. لا وقت للتردد.

نهضت، خطواتي متثاقلة، وكأن الهواء نفسه يعيقني. المرايا دائمًا ما تعكس الحقيقة، لكن ماذا لو لم أكن مستعدًا لرؤيتها؟ قبضت يدي بقوة، أحاول أن أسيطر على دقات قلبي المتسارعة. هل هو الخوف مما سأراه، أم رغبة غامضة في اكتشاف المجهول؟

أغمضت عيني للحظة، ثم فتحتها ببطء وأنا أواجه انعكاسي… أو ما يفترض أنه انعكاسي.

اتسعت عيناي على مصرعيهما، وشعرت بقشعريرة باردة تسري في عمودي الفقري. ما رأيته لم يكن… أنا. لم يكن قريبًا حتى.

تراجع نفسي لاهثًا، أحدّق في الانعكاس الذي لا ينتمي إليّ. أمامي، في المرآة، وقف فتى غريب، بشرته شاحبة كأنها نُحتت من ضوء القمر، وشعره أبيض كالثلج، خصلاته تتماوج مع حركة أنفاسي المتسارعة. لكن ما جعل الدم يتجمد في عروقي كانت عيناه…

عينان بلون الخمر الداكن، بلون الدماء التي تلمع تحت الضوء الخافت.

ارتجفت أناملي وأنا ألمس وجهي ببطء، وكأنني أختبر واقعية هذا الجسد الجديد. الجلد كان دافئًا، ينبض بالحياة، لكنه لم يكن لي. لم يكن وجهي.

و لم يكن هناك مجال للشك. هذا الجسد، و هذه الملامح، هذا الشعر الأبيض والعينان القرمزيتان… كل شيء يصرخ بحقيقة واحدة لا يمكنني الهروب منها.

لقد أصبحت “كايل استورايت”.

الشخصية التي لطالما كرهتها، التي كنت أسخر منها كلما لعبت، وأتمنى لو أنني أستطيع تغيير قراراته الحمقاء. تصرفاته العاطفية المبالغ فيها، وبروده الغريب في ذات الوقت، لطالما بدت لي غير متناسقة، غير منطقية. كيف يمكن لشخص أن يكون حساسًا إلى هذا الحد، ثم ينقلب في اللحظة التالية إلى كيان بلا مشاعر؟

والآن… أصبحت أنا ذلك الشخص.

شعرت بضيق في صدري، وكأن إدراك الحقيقة بدأ يضغط عليّ كجدار ينهار ببطء. إذا كنت كايل… فهل هذا يعني أنني داخل اللعبة نفسها؟ هل أصبحت جزءًا من عالمها؟

ولكن، إن كان الأمر كذلك… فمتى ستبدأ اللعبة؟

لعبة الخلود

لعبة الخلود

Game Of Immortality
الحالة: Ongoing النوع: المؤلف: اللغة الأصلية: العربية
عِش ما تريد، وتمنَّ ما تشاء، لكن لا تنسَ أن تضع حدًا لأمنياتك... فقد يأتي يوم تتحقق فيه بطريقة لم تكن تحلم بها، وحينها ستدرك كم كنتَ أحمقًا. كنتُ أحد أولئك القلائل مهووسون بألعاب الفيديو، أعيش بين الشاشات، وأحلم بأن أكون جزءًا من العوالم الرقمية التي كنت أغرق فيها لساعات. لم أكن أريد أن أكون البطل النبيل الذي يبكي كالطفل عند أول خسارة، أو ذاك الذي يحمل شعارات العدالة وهو بالكاد يستطيع حماية نفسه. لا، كنتُ أريد أن أكون الشرير—ذلك الذي يفرض هيبته، تتزلزل الأرض تحت قدميه، ويمتلك قوة تفوق بطل اللعبة ذاته. في يوم مشؤوم ، لم أستيقظ في سريري كالمعتاد، بل داخل إحدى الألعاب التي كنت أعشقها حتى الهوس. كل شيء كان مألوفًا، من المدن الشاهقة إلى الشخصيات التي حفظت حواراتها عن ظهر قلب... لكن هناك مشكلة، مشكلة لم تكن في الحسبان—لم أتجسد في جسد ذلك الشرير الأسطوري الذي كنت أتخيله، بل في جسد أكثر شخصية كرهتها على الإطلاق... بطل اللعبة "كايل استورايت".   الآن، وأنا عالق في هذا الدور الذي طالما سخرت منه، محاط بالأعداء الذين لطالما تمنيت أن أكون واحدًا منهم، أدركت حقيقة لم أفكر فيها أبدًا: ربما كان للأبطال سبب يجعلهم يقاتلون، وربما لم يكن الأشرار بتلك العظمة التي تخيلتها... أو ربما، فقط ربما، لم يكن هذا مجرد "لعبة ".

تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الإعدادات

لا يعمل مع الوضع الداكن
إعادة تعيين