الفصل 962
«أتساءل ماذا رأيت»
وقفت المرأة على أطراف قدميها الشاحبتين، ثم مشت ببطء نحو يارانغ
ومع اقترابها، صار عبير الزهور في الغرفة أكثر كثافة
أبقت يارانغ رأسها منحنيا إلى الأسفل، ثم حركت يدها
بدت كأنها على وشك أن تكتب شيئا على الأرض
«ابقي ساكنة»
عند كلمات المرأة، تجمدت حركة يارانغ
وبقيت ساكنة، مطيعة للأمر
مدت المرأة يدها وربتت برفق على شعر يارانغ
«ابنتي»
«…»
«أظن أنه من الأفضل أن أراه بنفسي هذه المرة»
ابتسمت وهي تتكلم، وخفضت يارانغ رأسها أكثر، وكأنها تعدل وقفتها لتسهل لمسها
وبعد أن صار وضعها مناسبا، توقفت المرأة عن ملاطفة شعرها، ثم وضعت راحة يدها بثبات على قمة رأس يارانغ
ثم
سسسسس—!!!
ارتفع تيار من الطاقة من رأس يارانغ، وصعد على ذراع المرأة
هالة أرجوانية حمراء جميلة
تسربت الهالة ببطء إلى جسد المرأة
«همم»
أطلقت همهمة خافتة وابتلعت الطاقة كاملة
ثم، بعد صمت قصير
«ما أغرب هذا…»
فتحت عينيها بعد أن كانتا مغمضتين، وثبتهما على يارانغ
«غريب حقا»
لكن يارانغ لم ترفع رأسها
راقبتها المرأة وهمست بصوت خفيف
«لماذا لا أستطيع رؤيته…؟»
ظهر تجعد بسيط بين حاجبيها، واستقر على وجهها تعبير نادر من الانزعاج
لقد امتصت ذكريات يارانغ قبل لحظات، وكانت تنوي أن ترى مباشرة ما رأته
ومع ذلك
«لا أرى شيئا»
ولدهشتها، لم تظهر لها الوضوح المعتاد الذي كانت تراه دائما عند قراءة الذكريات
لا، لم يختف تماما
كانت ما تزال ترى يارانغ وهي تتحرك
وكانت تسمع ما سمعته يارانغ
وكانت تدرك الروائح والإحساسات، وكل ما يجب أن يكون منطبعا في الذاكرة
لقد امتصت معظم ذكريات يارانغ
«…همم»
لكن بشكل غريب، كانت بعض الأجزاء مفقودة
وأكثر ما لفت الانتباه أن نهاية الذاكرة نفسها كانت شبه فارغة تماما
رأت يارانغ تتجه إلى مكان ما، ورأت النظرة التي وجهتها إلى شيء ما
ورأت الموضع الذي استقرت عليه تلك النظرة
لكن بعدها
في اللحظة نفسها التي بدا فيها أن يارانغ اكتشفت شخصا ما، هبط ضباب أسود كثيف وغطى بقية الذاكرة بالكامل
وحين تلاشى الضباب، لم يبق أمامها إلا يارانغ تمشي وحدها تحت المطر
«همم»
أمالت المرأة رأسها بفضول
كان هذا يحدث لأول مرة
أن تصبح الذكريات محجوبة
حتى داخل النطاق المكرم للشجرة العظمى، لم يحدث أمر كهذا من قبل
«ما هذا؟»
أي وضع هذا؟
لم تستطع الفهم
لذلك رفعت يدها ووضعت أصابعها تحت ذقن يارانغ
ورفعت وجه يارانغ المقنع إلى الأعلى
ثم مدت يدها الأخرى إلى الأمام
سرررك
انزلق القناع بعيدا
وتحته انكشف وجه آسر
طخ
سقط القناع على الأرض بينما مررت المرأة أصابعها برفق على خد يارانغ
«ابنتي»
«…»
«ما الذي يحدث هنا؟»
ورغم سؤالها، لم تتلق أي جواب
لكنها لم تنزعج
فهي كانت تتوقع ذلك
«أنت لا تكذبين علي، صحيح؟»
احتمال أن تكون يارانغ تخدعها
لم يكن مستحيلا
ومع ذلك، رأت المرأة أن ذلك غير مرجح
فلو كان الأمر كذلك، لاكتشفته فورا
«همم»
ماذا حدث بالضبط؟
هل رأت يارانغ شيئا فعلا؟
بدأ الشك يتسلل إلى ذهنها
ووش
سحبت يدها من يارانغ ثم أدارت ظهرها لها
ومع حركتها، اهتزت الذيول المحيطة بها
لكن
الذيول الضخمة التي ملأت الغرفة بدأت تنكمش
شيئا فشيئا، صغر حجمها حتى لم تعد ترى
جلست في مكانها من جديد، ثم أعادت نظرها نحو يارانغ
«ابنتي»
«…»
«يبدو أن شيئا ما حدث، أليس كذلك؟»
مرة أخرى، لم تأتها أي استجابة
لكن هذه المرة، أحست المرأة أن هناك أمرا غير طبيعي
صمت يارانغ كان أمرا معتادا
لكنها عادة، حتى في صمتها، كانت ترد بالأفعال
أما الآن
فقط كانت يارانغ تحدق فيها بلا حركة
وعند رؤيتها كذلك، ضيقت المرأة عينيها قليلا
هناك شيء ما
كانت متأكدة
«همم…»
هل تنتزع منها الجواب بالقوة؟
أم أن هناك سببا يجعل يارانغ عاجزة عن الكلام؟
في الظروف العادية، أي خادمة لا تجيب يجب التخلص منها ببساطة
هذا هو النظام الطبيعي
ومع ذلك
لم تستطع فعل ذلك
قد تفعلها مع أي شخص آخر
لكن ليس مع يارانغ
—مهما حدث، اعتبريها ابنة لك واعتني بها
تلك الكلمات كانت منقوشة في أعماق روحها
ولم تشك فيها يوما
ولم تكن بحاجة إلى ذلك
بالنسبة لها، كان ذلك أمرا طبيعيا
ولم يخطر ببالها حتى أن تشكك فيه
سسسك
نهضت المرأة من مقعدها وخطت إلى الأمام
لكن بدلا من المغادرة، تحركت لتقف بجانب يارانغ
«ابنتي»
كان صوتها الآن أهدأ من قبل وهي تناديها
«قفي»
أطاعت يارانغ
وفي اللحظة التي وقفت فيها، سقط عليها شيء
قماش
غطاء حجب جسدها كله، حتى رأسها
وكان الغطاء نفسه مسدلا على المرأة أيضا
ماذا كان يحدث؟
نظرت يارانغ إليها بصمت، وكأنها تطلب تفسيرا
«مر وقت طويل منذ آخر مرة تجولت فيها في الخارج، يجب أن نستعد»
«…!»
اتسعت عينا يارانغ
حاكمة العالم السماوي
أعلنت للتو نيتها النزول إلى العالم البشري
وبحلول الوقت الذي خف فيه المطر الغزير قليلا، وجدت نفسي عائدا إلى جبل هوا
كان يمكنني الذهاب مباشرة إلى ياهول، لكن بعد ما حدث كان علي أن أبلغ بالأمر، على الأقل كإجراء شكلي
لكن حتى بعيدا عن ذلك
«يجب أن أخبر أحدا بما رأيت»
كنت بحاجة إلى شخص أتحدث معه عما جرى
وفي هذا العالم، لم يكن هناك سوى شخص واحد يستطيع أن يؤدي هذا الدور لي
—«…لماذا عدت؟ ألم يكن يفترض أن ترحل؟»
رمقني شين نويا بنظرة حادة وهو يرتشف الشاي داخل مقره
وبجانبه كان يجلس غوبونغ، الذي لم أره منذ فترة
—«كان المطر يهطل في الخارج، صحيح؟ لكنك تبدو بخير تماما، ما الذي حدث؟»
بدأ شين نويا كلامه بنبرة عادية، لكن لحظة رأى وجهي تبدلت نبرته
تغيره المفاجئ جعلني ألمس وجهي دون وعي
هل أبدو بهذا السوء؟
أجبرت ملامحي على الهدوء ثم أجبته
—«…لا شيء خطير، حدث أمر ما فجئت لأتحدث معك»
—«حدث أمر؟»
ضيق شين نويا عينيه
—«نعم»
—«سأخرج إلى الخارج»
بمجرد أن أكدت ذلك، وقف غوبونغ على قدميه
ويبدو أنه تعلم من التجارب السابقة أن هذا ليس حديثا يجب أن يحضره
أومأ لي ثم غادر
كان في تصرفه شيء مختلف عما كان عليه من قبل
ما الذي حصل له؟
تساءلت لحظة، لكن غوبونغ لم يكن القضية الآن
وبعد أن بقينا وحدنا في الغرفة، التفت إلى شين نويا
ثم بدأت أشرح له كل ما حدث قبل قليل
بعد شرحي المختصر، عقد شين نويا حاجبيه بعمق وسأل
—«…تقول إن يارانغ هي تلك الطفلة؟»
يارانغ، إحدى جنرالات مانغي، هي السيف السماوي
وحين شرحتها بهذه الصورة، جاء رد فعله مباشرة
—«نعم»
—«…»
ومع إيماءتي، أطلق نويا زفرة طويلة
—«…يا فتى»
—«نعم»
—«دائما تقول لا شيء، ثم تأتيني بأكثر الأمور جنونا»
—«…»
عندما قال ذلك، ضحكت ضحكة محرجة
والآن بعد أن ذكرها، كان كلامه صحيحا
—«منذ أن وصلت، لم يمر يوم واحد بهدوء»
هل أعتذر عن ذلك؟
ترددت ولم أعرف ماذا أقول
ثم
—«…هل أنت متأكد تماما؟»
صار صوت نويا أثقل
أومأت مرة أخرى
—«نعم، أنا متأكد»
لم تكن مجرد مسألة تشابه
قد لا يلاحظ الآخرون، لكنني أعرف
الإحساس الذي يأتيني عندما أنظر إليها، والهالة التي تخرج منها
وطريقتها في القتال ضد تشونما
كل شيء كان يشير إلى أن يارانغ هي السيف السماوي
وحين شرحت هذا لنويا، رأيت ملامحه تصبح أكثر جدية
—«كيف يمكن أن يكون هذا ممكنا؟»
—«تقصد أنك أنت أيضا لم تكن تعرف؟»
—«وكيف لي أن أعرف؟ لو كنت أعرف، ألا تظن أنني كنت سأخبرك؟»
—«…»
كانت نقطة منطقية
—«إذن… هل تعرف منذ متى يارانغ نشطة؟»
—«ليس منذ وقت طويل بحسب ما أعرف، لكنها موجودة منذ قبل وجودي»
إذن مانغي كان موجودا قبل وصول نويا
وهذا يعني أن عمره لا يقل عن مئة عام
«ما الذي يجري بحق السماء؟»
كيف يمكن أن تكون موجودة هنا؟
منطقيا، أبسط تفسير هو أنها مجرد شخص يشبهها
لكن لا
رفضت أن أصدق ذلك
تلك العينان، تلك الهالة
وذلك الإحساس الذي شعرت به عندما رأيتها
كل شيء كان يخبرني أن يارانغ هي السيف السماوي
—«تلك الطفلة… همم»
مرر نويا يده على ذقنه وهو غارق في التفكير
تحركت أصابعه على فكه، وانكمش حاجباه في تفكير عميق
ثم
—«…حسنا، لنضع هذا جانبا الآن»
حول نظره نحوي
—«بغض النظر عن ذلك كله، ماذا تنوي أن تفعل الآن؟»
—«…عفوا؟»
—«إذا كنت متأكدا أنها هنا، ما خطوتك التالية؟»
—«…»
بدا أن نويا أقل اهتماما بما إذا كانت يارانغ حقا هي السيف السماوي، وأكثر تركيزا على ما أنوي فعله حيال ذلك
لكن جوابي كان محسوبا منذ وقت طويل
—«يجب أن أقابلها»
كان علي أن أقابلها، مهما كان الثمن
حتى لو كنت مقتنعا، كنت بحاجة إلى تأكيد ذلك بعيني
وأكثر من ذلك
كنت بحاجة إلى معرفة سبب وجودها هنا
ولماذا تبدو بهذه الهيئة
ولكي أعرف، كان علي أن أقابل السيف السماوي مرة أخرى
وعندما أعطيته جوابي، أطلق نويا سؤالا آخر مباشرة
—«إذن؟ هل ستنتظر؟ حتى تظهر مرة أخرى؟»
—«…»
هذه المرة ترددت
احتجت لحظة لأفكر
لكن ليس طويلا
—«…سأذهب للبحث عنها»
أينما كانت، سأتتبعها
هي كانت تتجول بالقرب منا سابقا، لذلك الانتظار قد يعيدها
لكن صبري لا يكفي لذلك
وفوق هذا
—«إذا أردت أن أفهم ما الذي يجري، علي أن أجد كل من له علاقة بالأمر»
حتى لو أمسكت يارانغ وسألتها
كنت أعرف مسبقا أن هناك شخصا آخر وراء هذا
في ذلك الوقت
في آخر مرة واجهت فيها السيف السماوي
في اللحظة التي حاولت فيها الاختفاء
كان هناك من طلب مني أن أبقيها في مكانها
أمي
أمي
والزعيمة الأسمى في مانغي
إذا كان هناك من يعرف ما يحدث، فلا بد أنها هي
لا بد أنها هي
«في النهاية…»
السبب الذي جعلني آتي إلى مانغي
الصلة بين مانغي والشيطان الدموي
الحقيقة المتعلقة بي أنا
والآن، لغز السيف السماوي
ولكشف كل هذا، كنت بحاجة إلى لقاء أمي
«يجب أن أتحرك أسرع»
لكي أرى أمي، ولكي أنجز طلبات نويا
كان علي أن أرفع السرعة
بهذا المعدل، لن أصل إلى أي مكان
منذ أن رأيت السيف السماوي مرة أخرى
كنت أشعر بذلك
الاستعجال الذي يزحف داخلي، والنار التي ترتفع في صدري
—«…على أي حال، هذه هي القصة، إذا كنت أنت أيضا لا تعرف شيئا يا نويا، فسأضع ذلك ضمن حسابي»
وبعد أن قلت كل ما عندي، وقفت
إذا لم يعد لدى نويا ما يفيدني، فلا سبب لإضاعة الوقت هنا
—«إلى أين ذاهب؟»
—«إلى ياهول»
كان هناك أمر نويت فعله هناك قبل أن يحدث كل هذا
كان علي أن أعود وأنهيه
وفور أن ذكرت وجهتي
وقف شين نويا فجأة هو أيضا
—«…نويا؟»
—«حسنا، لنذهب»
—«هاه؟»
نذهب؟
إلى أين؟
رمشت بحيرة، فأضاف نويا بتعبيره الجامد المعتاد
—«قلت لنذهب، إلى ياهول»
—«…أنت قادم أيضا؟»
—«نعم»
ربت ربت
نفض الغبار عن رداءه القتالي، ثم قال بنبرة عادية
—«يبدو أن علي الذهاب هذه المرة»
—«…»
كان وجهه يقول كل شيء
«…شكله واضح أنه ذاهب ليسحق أحدا ضربا»
شيء واحد كان واضحا
لم يكن ذاهبا بنية حسنة