الفصل 961
كان يوما ممطرا
كان المطر ينهال بلا توقف، كأن فتحة قد انشقت في السماء، وكان الرعد يدوي بلا نهاية، كأن السماء غاضبة
تحت هذا الهطول الذي بدا وكأنه يغسل حر الصيف الخانق، كان رجل يسير بحذر داخل الغابة
لم يبد أنه منزعج من المطر، كان فقط يمشي، ببطء وباستمرار، كأنه يبحث عن شيء ما
كانت ثيابه المبتلة تلتصق بجسده بشكل مزعج
لكن الرجل لم يهتم بثيابه، كل ما أراده هو ألا يبتل الشيء الذي في الداخل
كان يحمله بعناية بين ذراعيه، واستمر في المشي لوقت طويل
ظل يمشي ويمشي، حتى تجاوز الأعشاب، وأخيرا لمح شجرة ضخمة
— «…هاه»
أطلق زفرة ارتياح خافتة
لقد وجد ما كان يبحث عنه
بعد تجوال دام نحو نصف يوم، وجده أخيرا
— «…ماذا تفعلين هنا؟»
كبت ارتياحه، وترك نبرة حادة تتسلل إلى صوته
لم يستطع غير ذلك، لم يكن هادئا بما يكفي ليتكلم بلطف بعد
عند سؤاله، رفعت المرأة الجالسة تحت الشجرة، ورأسها مدفون بين ركبتيها، رأسها ببطء
— «…لماذا جئت تبحث عني؟»
سألت بلهجة مباشرة
رغم أنها رفعت رأسها، فإن عينيها لم تلتقيا بعينيه
كان يعرف أنها تتعمد تجنب النظر إليه
راقبها بصمت، ثم مد يده وأبعد شعرها المبلل عن خدها
كان يمكنها أن تبعد يده، لكنها لم تفعل
— «الجو بارد»
عند كلماته، سخرت المرأة بخفة
— «بارد؟ أليس أنت من قال إن الصيف شديد الحرارة؟»
— «…لم أكن أعرف أن المطر سينزل»
لم يكن حاكما أعظم، كيف كان له أن يعرف؟
لو كان يعرف أن المطر سينزل، لما تركها تهرب هكذا
— «لا، هذا مجرد عذر آخر»
وجد الرجل الأمر عبثيا فجأة وهز رأسه
ثم أخرج شيئا من بين ذراعيه بحذر
أخرج قطعة قماش ووضعها على رأس المرأة، وربت عليها برفق حتى استقرت
كان المقصود أن يجففها
وفي اللحظة التي تعذر فيها التقاء نظراتهما بسبب القماش، تكلم الرجل
— «أنا آسف»
— «…»
— «أعترف أنني تكلمت بقسوة زائدة، ولم يكن يجب أن أقول لك ذلك»
— «…»
لم تعط المرأة أي رد
لكنه كان يعلم أن صمتها يعني أنها تستمع
— «الجو بارد جدا، يمكنك أن تكرهيني إن أردت، لكن هل يمكنك فعل ذلك في البيت؟»
راقب رد فعلها بحذر
فقط بعد كلامه، ردت ببطء
— «…لا تقل لي أن أغادر مرة أخرى أبدا»
— «حسنا، أنا كنت مخطئا»
— «يمكن للعالم كله أن يفعل ذلك معي، إلا أنت»
— «فهمت، لن أقولها حتى وأنا غاضب»
— «و… عليك أن تأتي لتبحث عني في كل مرة»
— «سأفعل، بعدد المرات التي تحتاجينها»
— «…عدني»
مدت خنصرها نحوه
حدق الرجل فيه لحظة، ثم ترك القماش ومد خنصره هو أيضا
تشابكت أصابعهما
عندها فقط بدت المرأة مطمئنة
نزعت القماش عن رأسها
انحنت عيناها البنفسجيتان الجميلتان في ابتسامة
— «هل تعرف؟»
بدت جميلة جدا وهي تبتسم بعينين مبتلتين
كانت تلك الفكرة التي مرت في ذهن الرجل وهو ينظر إليها
— «قلت إنني أستطيع أن أكرهك»
مدت المرأة يدها ولمست خده
— «لكن هذا شيء لا أستطيع فعله»
— «…»
— «هذا محبط جدا، أتعرف؟»
ابتعدت أصابعها عن خده، وفجأة فتحت ذراعيها له
— «احتضنني»
من دون كلمة، جذبها إلى حضنه
وكأن كل ما سبق كان كذبة، توقف المطر
امتد قوس قزح عبر السماء
ابتسمت المرأة وهي ترفع نظرها إليه
أما الرجل—
فحتى في تلك اللحظة، ظل يكرر كلماتها في ذهنه
مهما حدث
مهما كان الذي سيحدث
كان عليه أن يجدها
كرر هذه الكلمات مرة تلو الأخرى
ووووش—!!
ملأ أذنيها صوت شيء ينساب بقوة وهي تفتح عينيها
«…»
هل غفت للحظة؟
كان رأسها يؤلمها
شعرت كأنها تذكرت شيئا ما—
لكن إن كان مجرد حلم عابر، فهي لا تتذكر أي شيء
كان الأمر يحدث دائما بهذه الطريقة
كلما شعرت أنها على وشك تذكر شيء، يتلاشى
كانت تشعر أنها يجب أن تتمسك به، وأنها لا تستطيع تركه—
لكنها لم تستطع ذلك أيضا
بل كان كل شيء ينجرف مع المطر
«…آخ»
فجأة، أمسكت صدرها بيدها
في الموضع الذي يوجد فيه قلبها تماما
«هن…»
كان يؤلمها
هل كانت مصابة؟ لا، ليس هذا
لم يكن مجرد ألم جسدي، كان شيء بداخلها يحترق
«هه… هه…»
لماذا كان هذا مؤلما إلى هذا الحد؟
لم تكن تعرف
لم تدرك حتى أن هذا الإحساس كان حزنا
ولم تعرف أن هذا الانزعاج كان غضبا
كل ما عرفته أنها تكرهه
لكن ماذا بالتحديد كانت تكره؟
لم تكن تعرف
كانت فقط تشعر بكراهية جارفة لشيء ما، لأي شيء
«…»
وهي تنظر إلى يدها، تذكرت—
يدا صغيرة، مضمومة إلى قبضة، تضرب أحدا
«…»
حدقت فيها لحظة—
ثم صفعة
فجأة، ضربت ظهر يدها بيدها الأخرى
لم تتهاون، وسرعان ما ظهر أثر أحمر على جلدها
كان ذلك يؤلم
الإصابة تؤلم—
لكن الألم الذي بداخلها كان أشد
«…»
هذا خطأ
كانت هذه الكلمة التي ظهرت في ذهنها
لكن ما الذي كان خطأ بالضبط؟
هل هو المخطئ؟ أم…
«هل أنا المخطئة؟»
هل كان خطأ أنها ضربته؟
لماذا ضربته أساسا؟
وهي تفرك يدها النابضة بالألم، دفنت وجهها بين ركبتيها مرة أخرى
«…هو على الأرجح يكرهني الآن»
لو عادت، فسيكرهها بالتأكيد
كانت أختها قد قالت لها إن من يخطئ يكفيه أن يعتذر
هل سيكون الأمر بخير لو اعتذرت الآن؟
فكرت كثيرا، لكنها لم تجد جوابا
وأكثر من ذلك، كانت خائفة
خائفة من أنه حتى لو اعتذرت، فلن يسامحها
لكن لماذا؟
لماذا كانت خائفة من ذلك إلى هذه الدرجة؟
من هو بالنسبة لها؟
ومن هي بالنسبة لنفسها؟
لم تكن تعرف
منذ اللحظة التي وُجدت فيها، وهي تسأل نفسها هذا السؤال—
لكنها لم تجد جوابا أبدا
«منذ اللحظة التي وُلدت فيها…»
لحظة وجودها الأولى
وبينما تفكر في ذلك، ظهر سؤال آخر
«متى وُلدت؟»
لماذا ظهرت إلى الوجود؟
ولأي غاية؟
وفي اللحظة التي فكرت فيها بهذا—
خفق—!
«أوغ…!»
أمسكت المرأة رأسها
ألم مفاجئ وساحق ضربها مباشرة
«أوووه… أووغ…»
كان الألم لا يحتمل، فأطلقت أنينا ضعيفا وهي تمسك رأسها
سرك
شعرت بيد تغطي يدها برفق
يد دافئة
بمجرد أن لمستها، بدأ الألم يخف، شيئا فشيئا
وحين هدأ الألم أخيرا، رفعت رأسها وعيناها محمرتان قليلا
كان الواقف أمامها شابا غارقا من رأسه إلى قدمه بالمطر، ووجهه قاس وخشن
«…آه، تبا…»
نظرته المتهيجة وحاجباه المعقودان بحدة أوضحا تماما كم هو غاضب
عندما رأت ذلك، ارتجفت المرأة بلا وعي
«هل فقدت عقلك تماما؟ ضربتني في بطني ثم هربت؟»
«…آه… آه…؟»
«ماذا تعنين بـ آه؟ هل رأسك ممتلئ بالورود؟ المطر ينهال، وهذا ما قررت فعله؟»
هز رأسه بعنف، منزعجا من شدة ابتلاله
تطاير الماء في كل اتجاه مع كل هزة
«تبا، حتى هذا المكان اللعين فيه مطر، وهو قاس بلا رحمة مثل كل شيء آخر»
تسك، تسك
نقر لسانه بانزعاج، وفجأة اندفعت طاقة من جسده
وووش!
انفجرت موجة حرارة، وجففت ثيابه المبتلة فورا
تسسس
تبخرت الرطوبة في لحظة، وجفت ثيابه تماما، وحتى قطرات المطر الساقطة كانت تتبدد قبل أن تلمسه
فوووش—!
ثم وجه تلك الحرارة نحو المرأة، فجففها هي أيضا
وبعد أن جفت، نظر إليها بصمت
«يا»
«…!»
عند صوته، أدارت وجهها بعيدا بشكل غريزي—
لكن فجأة أمسكها
أمسك غو يانغتشون وجهها بكلتا يديه وأعاده نحوه
«لا تبعدي نظرك، انظري إلي جيدا»
«…»
«هل استمتعت بضربي ثم الهرب؟»
«…»
«سألتك إن كنت استمتعت، هل لديك فكرة كم من الوقت بحثت عنك؟»
لم ترد
كان يجب أن تدفع يديه بعيدا، لكنها لم تستطع
ارتجفت أصابعها بتردد
«هذا عبث كامل، تفتعلين الفوضى ثم تختفين؟ لقد أفسدت كل شيء»
«…»
«كان يجب أن ألحق بك، لكنني لم أستطع، هل تفهمين ذلك؟»
عند كلماته المليئة بعدم التصديق، تكلمت المرأة أخيرا
«…إذن… لماذا لم تتبعني؟»
إن كان الأمر يزعجه لهذه الدرجة، فلماذا لم يطاردها مباشرة؟
كانت نبرتها حائرة بصدق
«…»
هذه المرة لم يجب غو يانغتشون مباشرة
هل كان مترددا؟
بعد صمت طويل، أبعد نظره قليلا وتمتم
«…سؤال جيد»
نبرته أوضحت شيئا واحدا، هو نفسه لا يفهم السبب
«…تبا، كان يجب أن أذهب، لماذا لم أفعل؟ هل أنا حقا أحمق؟»
بدا ذلك أقرب إلى رثاء النفس منه إلى جواب
سمعت المرأة ذلك، فاكتفت بالنظر إلى غو يانغتشون
«آه، انس الأمر، على الأرجح ما كنت سألحق بك أصلا، آه تبا، كل هذا بسببك!»
«…بسبب ماذا؟»
«أنت تثيرين غضبي، ولماذا لا يزال المطر ينزل؟»
عبث بشعره بعنف ثم وقف
«…تبًا، كل شيء انهار الآن»
كان هناك شيء عليه أن يفعله، شيء مهم
لكن كل شيء تعقد وتشابك
هذا الإحباط جعله يطلق زفرات ثقيلة
ثم التفت إليها وتكلم
«توقفي عن التحديق بي وقفي، هل تخططين للجلوس هنا مبتلة طوال الليل؟»
«…»
المرأة الصامتة وقفت ببطء
وللحظة، فكرت أن تمد يدها نحوه
لكنها لم تفعل
كانت تعرف بالغريزة أنه لن يمسك يدها
«تحركي، لن أنتظرك، فلا تجرّي خطواتك»
بعد أن تأكد من وقوفها، بدأ غو يانغتشون بالمشي
رغم كلماته، كانت سرعته أبطأ بوضوح من المعتاد
«…»
عندما رأت ذلك، أسرعت المرأة حتى سارت بجانبه
«آخ، لا تلتصقي بي هكذا»
تجهم غو يانغتشون باشمئزاز—
لكنه لم يدفعها بعيدا
راقبته المرأة لحظة، ثم رفعت عينيها نحو الأعلى
«…قوس قزح»
«ماذا؟»
«هناك قوس قزح»
عند سماعه ذلك، رفع غو يانغتشون نظره إلى السماء
«…عن ماذا تتكلمين؟ هل فقدت بصرك؟ ألا ترين المطر ينهال؟»
كانت السماء ما تزال مظلمة، والمطر يهطل بغزارة، ولم يكن هناك أي قوس قزح في الأفق
ومع ذلك—
«لا، هناك قوس قزح»
لقد رأته
بوضوح شديد، كأنه أمامها تماما
الطبيعة السماوية لمانغي
مكان مهيب لدرجة أن عددا لا يحصى من الناس كانوا يسمونه مسكن السماء نفسه
لم يعرف أحد موقعه الدقيق
ولم يكن بوسع أحد أن يطأ هذا المكان بلا إذن السيد
توم
ظهر شخص هناك وهبط بخفة
تقطير
سقطت قطرات ماء من ذلك الشخص، على الأرجح من المطر الذي مر به قبل قليل
وفي اللحظة التي كانت القطرات ستصيب فيها الأرض—
ووم—!
تموج نبض طاقة في المكان، فثبت القطرات في الهواء
«…»
وهي تراقب القطرات المتجمدة، جثت امرأة بقناع أسود، يارانغ، على ركبتيها بلا تردد
«لقد عدت»
صدر صوت من الأمام
ناعم وأنيق
ومعه انتشرت في الهواء رائحة زهور خفيفة
«كيف كانت نزهتك الصغيرة؟»
استقرت عينان بنفسجيتان مائلتان إلى الحمرة على يارانغ
سسس—
رافق خشخشة خفيفة ظهور فراء أبيض نقي حولهما
خطوة
وبعد وقت قصير، وصل إلى أذنها صوت خطوات تقترب بهدوء
«ابنتي»
«…»
لم تجب يارانغ على النداء
«العالم الخارجي ماطر، أليس كذلك؟»
عند السؤال، أومأت يارانغ إيماءة صغيرة
«أفهم… لا عجب أن سمعي بدا مشوشا»
أغمضت المرأة عينيها بكسل، وكأنها أدركت شيئا للتو
«إذن هطل المطر أخيرا، بعد كل هذا الوقت»
نبرتها التي حملت إرهاقا واضحا بينت أنها لا ترحب بالمطر
«لكن»
فتحت عينيها من جديد، واستقر نظرها على يارانغ
«لا بد أنك رأيت ما كان يجب أن تريه، أليس كذلك؟»
«…»
لم ترد يارانغ بكلام
بدلا من ذلك، حركت يدها
عند رؤية ذلك، لمعت في عيني المرأة المرهقتين لمحة اهتمام خفيفة