تشقق حاد
في غابة غارقة بالألوان الزاهية، اندفعت الطيور فجأة إلى السماء، وتعالت صيحاتها بين الأشجار
كان الوقت لا يزال مبكرا على الغروب
وكانت ظلال الطيور الصاعدة تشق السماء المصبوغة بالقرمزي
كانت لا تعد ولا تحصى، تملأ السماء كلها
ومن على الأرض، راقبتها بهدوء تلك التي تحكم السماء
تمايل
تحرك ذيل المرأة الضخم
وفي الوقت نفسه، رفعت ذراعها وربتت بخفة
“همم…؟”
امتلأت عينا المرأة الجميلتان بشعور من القلق
كان هناك شيء خاطئ
“ما هذا…؟”
ارتجفت
كان إحساسا لم تختبره طوال حياتها الطويلة
ما هذا الشيء؟
لم تكن المرأة تعرف
كان هناك ما يطرق ذراعها بإلحاح
لم يكن مجرد إحساس لمسي، ولم يكن في الذراع وحدها، بل كأنه يلامس روحها نفسها
كان شعورا جديدا تماما عليها
“…”
حدقت المرأة في السماء بتعبير لا يمكن قراءته
من أين؟
من أين يأتي هذا الإحساس؟
تساءلت المرأة هل له علاقة بالأحاسيس الغريبة التي بدأت تشعر بها مؤخرا؟
كانت أفكارها تطفو كضباب، كأن عقلها مغطى بطبقة كثيفة منه
“ما أغرب هذا…”
أغمضت عينيها للحظة، فامتلأ مجال رؤيتها بالصمت
وفي ذلك السكون، بدأ شيء يطفو إلى السطح
كانت صورة وجه
وجه من هذا؟
فكرت المرأة، لكن شيئا واضحا لم يتشكل في ذهنها
رأت شعرا أسود، شعر شخص ما
ثم ظهرت عينان
عينان مائلتان قليلا
بدا أنه رجل
كان يرتدي ثيابا قرمزية داكنة
كانت هيئة لم ترها من قبل، لكنها بدت مألوفة على نحو غريب
أين رأت هذا من قبل؟
ما الذي قد يجعلها تشعر بهذا القدر من الشوق؟
ومع ذلك، لم تستطع المرأة أن تحدد
ثم التقت نظرة الرجل بعينيها
الاحمرار الناري في عينيه جعلها تتجمد
كانت نظرة خالية من التعبير، كأنها بلا أي شعور
ومع ذلك
بينما ينظر إلى المرأة، بدأ شيء يملأ عينيه
تسللت العاطفة إلى الفراغ، وخففت ابتسامة ملامحه الصلبة
…ما هذا؟
وضعت المرأة، من دون وعي تقريبا، يدها على صدرها
كان يرتجف
نبض يهتز داخلها بقوة
ما هذا؟ ولماذا يحدث فجأة؟
وبينما كانت تسأل نفسها
…
قال الرجل لها شيئا
تحركت شفتاه، لكن أي صوت لم يصل إلى أذنيها
ماذا قال؟
ضيقت المرأة عينيها محاولة التقاط كلماته
“آه…”
وبجوار الرجل، ظهر عدة أطفال صغار
فتاتان مليئتان بالمشاكسة
وصبي يشبه الرجل، لكنه بدا حزينا بعض الشيء
وطفلة صغيرة في حضن الصبي
كانوا أربعة في المجموع
مجرد رؤيتهم جعل قلب المرأة يضطرب أكثر
ومن دون أن تشعر، بدأت قدماها تتحركان
أرادت الاقتراب، لكن مهما تحركت قدماها بقيت المسافة كما هي
مدت يدها بيأس
لكنها لم تستطع لمسهم
لاحظ الرجل ارتباكها، فتمتم مرة أخرى
ماذا يقول؟ ما الذي يحاول قوله؟
حاولت المرأة فهم كلماته، لكنها بقيت عصية عليها
ثم
ليس الرجل، بل الصبي في الأسفل أيضا حرك شفتيه وهو ينظر إليها
تشكلت الكلمات على فمه الصغير
وعلى عكس الرجل، أمكن فهم كلمات الصبي
أمي
“…”
تجمدت المرأة عند سماع الكلمة
ماذا قال للتو؟
هل كان يخاطبها؟
وإذا كان كذلك، فلماذا يقول شيئا كهذا؟
وفي حيرة، حدقت المرأة في الصبي
اندفاع حاد
“…!”
المشهد أمامها تبدل فجأة
تبعثر كل شيء مثل الضباب
عادت السماء القرمزية، وفتحت المرأة عينيها اللتين كانتا مغمضتين
“…”
مررت يدها برفق على جبينها
ما الذي اختبرته للتو؟
ما الذي رأته؟
الغريب أنها لم تستطع التذكر
لقد رأت شيئا، فلماذا لا تستطيع استعادته؟
لقد رأته للتو، أليس كذلك؟
شعرت المرأة باضطراب من هذا الإحساس الغريب
وكان هذا مما يتكرر كثيرا في الآونة الأخيرة
ومضات عابرة، كهمسات تحملها الريح بعيدا، تاركة ذاكرتها فارغة
وبات هذا يحدث لها بشكل متكرر
ترى، لكنها لا تتذكر، فزاد ضيق المرأة تدريجيا
لماذا
لماذا يحدث هذا؟
أرادت المرأة إنهاء هذا الانزعاج
من أين بدأت هذه المشكلة؟
ما الذي تسبب في ظهورها المفاجئ؟
وبينما كانت تفكر بهدوء، لمعت فكرة في ذهنها
لقد بدأ الأمر وقتها
في اليوم الذي عثرت فيه على الهاوية المختفية
من تلك اللحظة تحديدا
منذ ذلك اليوم، شعرت المرأة أن شيئا ليس على ما يرام
“…”
حفيف
شعرت بشيء يتهاوى داخلها، فأخذت المرأة تنظم أنفاسها ببطء
ومع كل نفس، كان الهواء حولها يرتجف
كانت ظاهرة سببها وجودها نفسه، وجود واسع كاتساع السماء
وبعد وقت طويل من التنفس المتناغم مع الأجواء، انخفضت عينا المرأة بهدوء بعد أن استقرت
“كما توقعت، يجب أن أجده”
إذا كانت تلك هي البداية، فهي إذن السبب
اللقاء مع الهاوية
ورؤية صغار التنانين
وإذا كانت تلك هي جذور المشكلة فعلا
“فلا بد أن أمسك بهم…”
أمسك بهم
ثم أزيلهم
إذا كانوا سما يلوث السماء، فمن الصواب إزالتهم، وبالنسبة إلى المرأة لم تكن هذه المهمة صعبة على نحو خاص
اتجهت نظرة المرأة نحو الغابة بجوارها
“…”
هناك جلست امرأة ذات شعر بني وقناع أسود، تبدو مرهقة
وعندما سمعت اقتراب المرأة، رفعت رأسها
داخل القناع، ارتفعت عينان ذهبيتان نحوها
نظرت المرأة إليها وتكلمت
“يا ابنتي”
“…”
عند ندائها، التقت يارانغ بنظرها
بدت متعبة ومستنزفة
“يا طفلتي المسكينة”
اقتربت المرأة منها برفق
ومع كل خطوة حافية تخطوها، كانت الأزهار تتفتح فوق الأرض الجافة
“يبدو أن شيئا عكرا ظهر في السماء”
“…”
إذا كان هناك ما يطمس وجودها، فالصحيح أن تزيله بلا تردد
وتساءلت لماذا ترددت من الأصل
وهكذا
“أخبريني بكل ما رأيت وسمعت”
قالت المرأة ذلك وهي تمرر يدها على قناع يارانغ
تشقق
تناثرت الشظايا في كل اتجاه
وامتلأ الجو بغبار كثيف حجب الرؤية، بينما تراقصت ألسنة النار فوق الأرض الغائرة
والغريب أن هذه النيران لم تكن قرمزية ولا زرقاء كما المعتاد، بل كانت عكرة ومظلمة
من النظرة الأولى بدت زرقاء، لكن ربما سوداء، أو أقرب إلى الرمادي الشاحب
الألوان لا تشبه بعضها، ومع ذلك كانت تعطي انطباعات مختلفة تماما بحسب زاوية النظر
قاسية وخشنة
ومليئة بإحساس غامض يبعث على الانزعاج
وبينما أحدق بصمت في هذه الطاقة الغريبة
“…آخ…!”
اندفع ألم حاد في جسدي، فقبضت على ذراعي
كانت ذراعي اليسرى، الذراع التي سددت بها الضربة قبل قليل
“…آه…!”
شدة الألم جعلت ركبتي تنثنيان رغما عني
كانت يدي ترتجف بعنف
لم يكن ارتجافا ناتجا عن تحمل ضغط هائل
كان أشبه بتمزق عضلاتي بالكامل
كل مفصل في ذراعي بدا فاقدا للقوة، بينما كانت موجات ألم لا تحتمل تتدفق داخلي
ولم يقتصر الأمر على الذراع
عند الفحص، كان جسدي كله في فوضى
الأوعية الدموية المنتفخة والمحتقنة كانت شاهدا واضحا على الضغط الهائل الذي تحملته
الارتداد الناتج عن الانفجار مزق جسدي
“يا للعجب…”
كان الألم عنيفا لدرجة أنه انتزع مني تنهيدة غير مصدقة
وماذا عن طاقتي الداخلية؟ تفقدت مركز طاقتي، ثم أطلقت ضحكة جافة
“جنون”
اختفى ما يقارب 70 بالمئة من طاقتي الداخلية
هذا أكثر بكثير مما استهلكته في حياتي السابقة كلها في ضربة واحدة
مجرد ضربة واحدة استنزفت 70 بالمئة من طاقتي
صحيح أن أكثر من نصفها ربما ضاع بسبب ضعف التحكم وعدم القدرة على التثبيت
ومع ذلك، حتى بعد احتساب ذلك، يبقى الاستهلاك مبالغا فيه بشكل لا يصدق
ذراعي رفضت أن ترتفع
لم تكن مشكلة مفاصل، بل إنهاكت تماما
“هاه…”
خرجت مني ضحكة قصيرة
هل يجب أن يحدث هذا في كل مرة أجرب فيها شيئا جديدا؟
هذا أسوأ من أول مرة استخدمت فيها سجن اللهب
وأسوأ حتى من فترة تدريبي على رمح نجم سجن اللهب
لماذا كلما حاولت شيئا انتهى جسدي محطما؟
كانت الفكرة مضحكة و
مع ذلك
ابتسمت ابتسامة جانبية وأنا أنظر إلى الأمام
ليس سيئا إلى هذا الحد
مع أن جسدي تهشم، فإن النتيجة كانت تستحق
والأهم من ذلك
كنت محقا
دمج فنين قتاليين وربطهما بالسحر لصنع شيء جديد
كان لدي حدس أن شيئا سيتولد من ذلك، وكنت على حق
انظر
لقد صنعت شيئا لا يصدق
أمامي بدا المشهد كأن عالم الجحيم انفتح
حتى أنا لم أصدق ما فعلته
صحيح أن الموجة البركانية التي صنعها شين نويا لم تكن بامتداد جبل هوا كله، لكنها لا تنهار من ضربة واحدة
ومع ذلك، كانت القوة التي أطلقتها ساحقة
ولو لم يقف شين نويا ليصدها، فمن يدري إلى أي مدى كانت ستنتشر
ولهذا
لم يكن غريبا أن يحدق بي شين نويا بتلك الصدمة
“…أيها الفتى”
كان رداؤه القتالي ممزقا وباليا
وشعره مضطربا قليلا، وعيناه متسعتان من شدة الدهشة
ثم قال
“ما الذي صنعته بحق العالم؟”
حتى السيف المقبوض في يده
أعجبني كل شيء فيه
“…ما رأيك؟”
قلت له بابتسامة جانبية
“لتنين، هذا ليس س”
قبل أن أكمل، خانتني ساقاي
انهرت بعدما تسربت القوة من جسدي، وسقطت على الأرض
سقطة ثقيلة
التقطني شخص ما وضمني بين ذراعيه
وصل إلى أنفي عطر خفيف ومعه ملامسة شعر ناعم
من…؟
ومع تشوش الرؤية، لمحت وجها مألوفا
لم أستطع قول كلمة واحدة
لأنني في تلك اللحظة فقدت الوعي
فقد غو يانغتشون وعيه من دون أن ينطق بشيء
جسده المترهل الممدد بدا خاليا تماما من الطاقة
المرأة التي كانت تراقبه بصمت أسندته بحذر حتى لا يسقط أكثر
كانت هي نفسها التي كان غو يانغتشون يسميها تشونما
“…”
واصلت تشونما النظر إلى غو يانغتشون المغمى عليه
كانت نظرتها تمسحه كأنها تتأكد من وجود أي إصابات
وبعد أن اطمأنت إلى عدم وجود مشكلة كبيرة، أومأت إيماءة خفيفة
وحين كانت على وشك التحرك وهو بين ذراعيها
“كان يفترض أن ترتاحي، لكنك جئت تثيرين الفوضى”
قال شين نويا ذلك وهو ينفض الغبار عن ثيابه
استدارت تشونما لتنظر إليه
“إذا كنت مصابة، فخذي قسطا من الراحة، ما فائدة الإسراع إلى هنا للاهتمام بذلك الأحمق؟”
“…”
لم تجب تشونما
اكتفت بالنظر إليه بصمت
“…ما الأمر؟”
مال شين نويا رأسه تحت نظرتها الثابتة
“هل ستوبخينني لأنني تركته بتلك الحالة؟”
“…”
“لا داعي، أنا أيضا تلقيت ضربة، تس تس، لا احترام للكبار هذه الأيام”
ولم يكن قد ضربه بقوة كبيرة أصلا
بل إنه تعمد حتى أن يهيئ له ساحة يطلق فيها كل ما عنده
لكن الأحمق بالغ في الإجهاد وانتهى إلى هذه الحال
وشعر شين نويا بشيء من الظلم، فأضاف
“كان لدي سبب لما فعلت، وإذا كان هناك من يلام ف”
“هل أنت بخير؟”
“…ماذا؟”
ضيق شين نويا عينيه أمام السؤال المفاجئ
بخير؟
“ماذا تقصدين؟”
“جسدك”
“جسدي؟”
هل كانت تقلق عليه؟ أطلق شين نويا ضحكة جافة
“من يقلق على من هنا؟ من الأفضل أن تقلقي على من تحملينه على كتفك”
“حالته أسوأ”
“يبدو أن بصرك أسوأ مما ظننت”
من أين جاءت بهذا الاستنتاج؟
ومع أنه هز كتفيه وتجاهل قلقها
“أنت تتألم، أليس كذلك؟”
“…”
كلمات تشونما الواثقة جعلت شين نويا يصمت للحظة
وتحولت ملامحه إلى جدية خفيفة
فهم أنها لاحظت شيئا ما
“لا تخبري الفتى”
قالها بعد صمت قصير
أمالت تشونما رأسها قليلا باستغراب
“لماذا؟”
“لن يفيده أن يعرف”
“…”
“هو أكثر حساسية مما يبدو، تظاهري بأنك لا تعرفين”
“…”
“مفهوم؟”
في النهاية، أومأت تشونما
وكان هذا كافيا لشين نويا
وحين ظن أن الأمر انتهى
“وماذا عنك؟”
“…ماذا؟”
“ألست مثل ذلك أيضا؟”
كان سؤال تشونما مباشرا، أليس هو أيضا في الحالة نفسها؟
عند سماع ذلك، ضحك شين نويا بخفة
“من يدري”
ربما كان كذلك في وقت ما
لكن الآن
“حتى لو كنت كذلك، لم يعد مسموحا لي أن أكون كذلك، فدعي الأمر يمضي”
حدقت تشونما فيه طويلا قبل أن تجيب
“حسنا”
أقرت كلماته، ثم حملت غو يانغتشون وابتعدت حتى اختفت في المسافة
وبقي شين نويا وحده، واقفا ينظر إلى يده الفارغة، اليد التي لا تمسك السيف
“…”
أطراف أصابعه الرفيعة المتعبة تشوشت للحظة قصيرة
قبض يده على شكل قبضة، ثم بسطها من جديد
عادت اليد إلى حالتها الأصلية كأن شيئا لم يحدث
كأن كل شيء بخير