بدت العودة إلى جبل هوا مع غووبونغ وتشونما الخيار الأكثر منطقية في الوقت الحالي، فلم يكن هناك مكان عاجل آخر لنذهب إليه، كما أن الأمور سارت بسلاسة أكبر مما توقعنا، لذلك لم تكن هناك حاجة للبقاء أكثر
وعلى أي حال، سأضطر للعودة في النهاية
طقطقة
شعرت باللوح الصغير يهتز داخل جيبي
كان هذا هو الشيء الذي أعطاني إياه زعيم ما يسمونه الطائفة السوداء
قال إن وجوده معي سيجعل الدخول إلى قصر ياهوول والخروج منه أسهل بكثير
مجرد امتلاك هذا الشيء كان مكسبا كبيرا، والأهم أنه كان رمزا إلى أنهم مستعدون لسماع ما أريد قوله
«على الأقل، الخطوة الأولى نجحت»
استخدام غووبونغ كان خطة فعالة لبناء أساس مناسب، فقد كنت أشك في وجود صلة بينه وبين طبقة النبلاء، واتضح أن لدى غووبونغ خلفية مهمة فعلا
«لكن هذا جانب وانتهى»
الجزء غير المتوقع كان في مكان آخر
«زعيم ذلك المكان…»
زعيم ما يسمونه الطائفة البيضاء، بايك وول أو أي اسم كان، لا يقارن بهذا الرجل
«قوي»
طريقة إخفائه لوجوده، وتشويشه لما حوله، وصناعته للأوهام كانت لافتة جدا، لكن الأمر لم يكن هذا فقط، فالرجل الذي واجهته مباشرة كان أقوى بكثير مما توقعت
«لم أستطع قراءة مستواه بوضوح»
ما حجم قوته؟
وكم يخفي من طاقة؟
لم أستطع قياس ذلك إطلاقا، وهذا لا يعني إلا شيئا واحدا
كان قويا جدا، فنظرته الحادة والهالة الساحقة التي يطلقها ليست أمورا عادية
لو وصل الأمر إلى قتال حتى النهاية
«هممم…»
حتى عند تخيل الأمر، لم أستطع توقع النتيجة
وهذا يعني أنني لا أستطيع الجزم إن كنت سأفوز أو أخسر
«هو مختلف تماما عن بايك وول»
مع بايك وول، كان يكفي أن أنتظر حتى يحل الليل لأمتلك الأفضلية
أما هذا الرجل، فكان خطيرا حتى قبل نزول الليل
وهذا يعني
«وماذا لو نزل الليل؟»
إن كان سيزداد قوة في الليل، فاحتمال خسارتي سيرتفع أكثر
«هممم…»
عقدت حاجبي وأنا أفكر في الخيارات
كنت غارقا في التفكير حين
«ماذا تفعل جالسا هناك بهذه الراحة؟ اخرج الآن»
صوت حاد أعادني إلى الواقع
رفعت رأسي فرأيت السلحفاة العجوز يحدق بي بامتعاض
نقرت بلساني وقلت: «لماذا تحاول طردي كل مرة؟ أنا لم أشرب حتى كوبا واحدا من الشاي»
«هناك لافتة كبيرة في الخارج تقول إننا لا نستقبل ضيوفا، ومع ذلك دخلت بالقوة»
أمسك السلحفاة بعصاه كأنه غير مصدق جرأتي
ضربة
«أوخ»
لسع أعلى رأسي عندما أصابتني العصا، ففركت المكان المتألم وحدقت به
قلت وأنا أشير إلى الكوب الساخن أمامي: «تقول إنكم لا تعملون اليوم، ومع ذلك قدمت لي الشاي»
رمقني السلحفاة بنظرة ضجر
«ومن الذي هدد بإحداث فوضى إن لم يحصل على شاي؟»
«ومع ذلك قدمته لي، أليس كذلك؟ في المرة السابقة رميتني خارجا مباشرة»
أتذكر بوضوح كيف لوح بعصاه عدة مرات ورماني خارج الدكان
لو كان رافضا لبقائي فعلا، لكرر الأمر هذه المرة أيضا
لكنه بدلا من ذلك قطب وجهه وتوقف قبل أن يقول شيئا آخر
ما هذا؟ هل يعني هذا أنه لا يمانع وجودي هنا في النهاية؟
ربما هو من النوع الذي يكثر التذمر لكنه يهتم بالأمور في الخفاء؟
لا يبدو كذلك، لكن من يدري
«حسنا»، تنهد السلحفاة بعمق بصوت متعب تماما
«إن لم يكن لديك عمل، أنه الشاي وغادر»
«هيا»
ابتسمت وقلت: «هل كنت سآتي إلى هنا لو لم يكن لدي عمل؟ أنا لا أحب الشاي أصلا»
«…»
تجعد حاجباه المتجعدان أصلا أكثر
«إذن لماذا جئت؟»
سأل عن غرضي بنبرة حادة
أنهيت الشاي دفعة واحدة وقلت: «يا شيخ، لدي أمر يجب أن أفعله، وعندي سؤال لك»
«لا»
«أنا لم أنه كلامي بعد»
«لا يهمني، لا شيء عندي أقوله لك»
رفضه السريع جعلني أصمت لحظة
السلحفاة يفهم بسرعة، ومن تعبيره كان واضحا أنه يعرف مسبقا ما الذي سأطلبه
«اللعنة»
ضحكت بارتباك وحاولت مرة أخرى
«يا شيخ، لا ترفض بهذه السرعة»
«حتى لو ساعدت غيرك، لن أساعدك»
«ولماذا؟»
«لأنني لا أريد»
كنت أريد تعلم السحر، لكنه رفض الفكرة مباشرة، ولوح بيده التي كادت تفقد أصابعها إشارة إلى الرفض
«يا شيخ»
«لا تحاول تلطيف الكلام بهذا الوجه القبيح، أنت تزيد ضيقي فقط»
«…»
هذا أصابني فعلا
أغلقت فمي، فنظر إلي السلحفاة ثم تكلم من جديد
«لا يجب أن تطأ قدمك هذا المكان»
«تقصد بهذا… السحر؟»
هو لا يريدني أن أتدخل في السحر؟
«لماذا؟»
عندما سألت، ضرب السلحفاة الطاولة بكفه وقال
«هذا العالم كان لطيفا معك أكثر مما يجب، لكن الكوارث التي سيجلبها ذلك ليست شيئا أستطيع تحمله»
«ماذا يعني هذا أصلا؟»
حدقت به بغيظ لأنه لا يشرح بوضوح
أمال السلحفاة رأسه كأنه يفكر في أمر ما
«كنت أفكر بهذا منذ المرة السابقة، الأمر غريب»
«ما الذي هو غريب؟»
«من يكون في مستواك لا يجب أن يكون… جاهلا إلى هذا الحد»
«…ماذا؟»
هل كان يصفني بالغباء؟
«لا يمكنك أن تقول لشخص إنه غبي بهذه الطريقة»
«لا… الأمر غريب، من يكون في مكانتك لا ينبغي أن يكون هكذا، إلا إذا… آه»
نظر السلحفاة إلي كأنه أدرك شيئا للتو
ثم
طنين
عيناه المختبئتان تحت حاجبيه الكثيفين بدأتا تتوهجان
اندفاع
«…!»
إحساس غريب اجتاح جسدي، قلبي خفق بقوة، والطاقة داخلي اندفعت بلا سيطرة
شعرت كأن وجودا غريبا يلف جسدي كله ويحاول التسلل إليه، فقاومت بشكل غريزي، وعندها فقط تلاشى ذلك الإحساس
«هم»
«ماذا فعلت الآن؟»
كنت أعرف أن السلحفاة فعل شيئا، لكنني لم أفهم ما هو
نظر إلي وهو يعبس أكثر
«آه، إذن هذا هو الأمر»
«أي أمر؟ توقف عن الفهم وحدك واشرح»
«فهمت الآن، أنت لست فقط مكبوتا، بل أيضا مخفيا»
«…ماذا؟»
لم أفهم أي شيء مما يقوله
قبل أن أضغط عليه بالمزيد، تكلم السلحفاة مجددا
«دعني أسألك شيئا واحدا»
«…ما هو؟»
«هل لك صلة بصاحبة هذا المكان؟»
«…»
السؤال المفاجئ أربكني
هل كان يسأل عن أمي؟ جاء السؤال فجأة لدرجة أنني ارتبكت فعلا
«حسنا… نعم، أظن أن بيننا صلة»
هز السلحفاة رأسه كأنه كان يتوقع هذا الجواب
«فهمت… لهذا السبب»
«سبب ماذا؟»
«ما الشيء الذي تريد أن تعرفه؟»
«لحظة، هل ستخبرني فعلا الآن؟»
«نعم»
قبل لحظات كان يرفض بإصرار، فلماذا تغير فجأة؟
نظرت إليه بشك وضيق عيني
«لكن»، قال وهو يرفع إصبعا عظميا واحدا
تلك اليد بالكاد تشبه يدا طبيعية، لكنها ما زالت واضحة كيد
«هناك شرط»
عندما سمعت ذلك انتبهت بسرعة
«ما هو؟»
إجابة السلحفاة جعلتني أرفع حاجبي بحيرة
«إذن، تلك السلحفاة وافقت أخيرا؟»
بعد أن انتهيت من الحديث مع السلحفاة، ذهبت إلى شين نويا
لسبب ما، كان يزرع خلف مسكنه
ولم يكتف بهذا، بل بدا جادا جدا، حتى إنه كان يرتدي ملابس مزارع كاملة
«…ماذا تفعل؟»
حين سألته، نظر إلي شين نويا
وفي يده لم يكن سيفا، بل منجلا
«ألا ترى هذا بعينيك؟»
«سألت لأنني أراه بوضوح شديد»
ليس كأنني لا أعرف، كان واضحا أنه يزرع
ما أردت معرفته هو لماذا يفعل هذا الآن
فرد ظهره وقال شين نويا
«هذا موسم التحضير، وعندما تبدأ ستجده ممتعا على نحو مفاجئ، ما رأيك؟ هل تريد أن تجرب؟»
«…لا، شكرا»
لم يكن لدي وقت لمثل هذه الأمور
تجاوزت الحقل بحذر، ثم اقتربت من نويا وتكلمت
«على أي حال… فكرت أن أتعلمه ما دمت أستطيع»
«همم… هكذا إذن؟»
ضحك شين نويا بخفة على كلامي، فسألته
«هل تظن أن هذا مناسب؟»
«هم؟»
أمال رأسه ردا على سؤالي
«حسنا، شيخ السلحفاة بدا مترددا جدا»
كان واضحا أنه لا يريد تعليمي السحر
تردده كان ظاهرا، خصوصا في الطريقة التي بدا فيها كأنه ينفر من وجودي نفسه
لكن بعدها
«عندما ذكرت أمي، وافق فجأة»
«…أمك تقول؟»
«نعم، لم أقل تفاصيل كثيرة، فقط قلت إن لدي صلة بها عندما سألني»
«وهذا أقنعه؟ مع شرط غريب أيضا؟»
«نعم»
«هم»
هز نويا رأسه كأنه فهم شيئا
«إذن وافقت على شروطه؟»
«لم تكن شروطا غير منطقية، كما أنني لست في موقع يسمح لي بالتدقيق كثيرا»
كان علي أن أستغل الفرصة عندما تظهر
فرص الدخول إلى هذا المجال نادرة جدا
كلما اختبرت السحر أكثر، ازداد اقتناعي
«أنا أحتاجه»
لأصنع الرابط الذي أسعى إليه في فنون القتال، السحر ضروري
وليس أي سحر، بل شيء أدق وأقوى مما أملكه حاليا
ولهذا
«أحتاج إلى إرشاد السلحفاة»
هو يعرف الطريق الذي يجب أن أسلكه، والاتجاه الذي أريد الوصول إليه
ولهذا كنت مصرا على التعلم منه
«إذن ما الذي يقلقك؟ افعلها فقط»
كلام نويا كان مباشرا ومنطقيا
كان محقا، فلا سبب يمنعني، لكن
«…أشعر أن هناك مشكلة قد تحدث»
«بالطبع ستحدث»
نبرة نويا كانت هادئة
«لكن هل تشعر أنها طريق خاطئ بالنسبة لك؟»
«…»
لم أستطع الإجابة
«الطريق طريقك أنت، وما يوجد في نهايته، إن كنت تريد السير فيه فسر فيه»
ضحك بخفة، كأنه مستمتع بكلامه نفسه
«قلت لك هذا دائما، ثق بنفسك»
«…لو كان الأمر بهذه السهولة لما كنت أعيش هكذا»
«ليس سهلا، لكن»
وضع نويا المنجل جانبا وربت على كتفي
«إذا كنت أنت، فستستطيع»
«…»
ثقته غير المفهومة أصابتني في العمق، فابتسمت بارتباك
شعرت أنني سألت سؤالا بلا حاجة
أو ربما أن سماع جوابه جعلني أكثر اطمئنانا
فكرة أنني أثق بهذا العجوز أكثر مما كنت أظن جعلتني أشعر بقليل من الحرج
حاولت كبح هذا الشعور، لكن
«آه، بالمناسبة، تلك الفتاة التي عادت مصابة، كيف حالها؟»
«…تقصد تشونما؟»
عقدت حاجبي عند ذكرها
هي الآن تتلقى العلاج من سول يونغ، التلميذة الأولى في جبل هوا
ويبدو أن سول يونغ تتولى العلاج أيضا، وهذا شيء لم أكن أعرفه من قبل
«قالت إنها قاتلت شخصا كان يراقبنا»
«همم…»
حرصت على أن أقول «يراقبنا» لا «يراقبني»
«لا تقلق بشأنها، على الأغلب ليست إصابة خطيرة»
إلى أي حد يمكن أن تتأذى تشونما أصلا؟
لو تُركت وحدها فستتعافى بسرعة
عندما قلت ذلك، أطلق شين نويا ضحكة قصيرة
«من الممتع دائما أن يقول هذا الكلام الشخص الأكثر قلقا»
«من القلق؟»
«ألست أنت؟»
«بالتأكيد لا»
أي كلام هذا، لو كان الأمر بيدي لكنت أكثر سعادة لو ماتت
عبست، لكن نويا اكتفى بهز رأسه بتعبير غريب
«حسنا، كما تقول»
«…اترك تشونما، من يراقبوننا هم ما يزعجني، هل تعرف عنهم شيئا؟»
سألت هذا لأن نويا بدا في المرة السابقة وكأنه يعرف شيئا
«نعم أعرف، ليس هناك كثيرون يستطيعون فعل شيء كهذا»
كما توقعت، هو يعرف
وهذا كان مريحا، على الأقل لدينا بعض المعلومات
«بما أنهم كانوا يراقبون، فالأرجح أنه يارانغ»
«يارانغ؟»
كنت قد سمعت هذا الاسم من قبل
هل هذا اسم المراقب؟
ركزت جيدا وأنا أستمع إلى شرح نويا
«نعم، يارانغ، أحد من يسمون بالجنرالات الذين كانت أمك تبقيهم بجانبها»
لوح نويا بمنجله مرة أخرى
صوت قطع العشب داعب أذني، وكلماته ضربتني في اللحظة نفسها
«وقد أعلنت علنا أنهم أبناؤها»
«…ماذا؟»
عند كلماته، تجمد جسدي كله