«المحو…»
اضطررت إلى الجلوس مذهولا لبعض الوقت بعد سماع تلك الكلمة
«عقوبة؟»
أمي فشلت في أداء واجبها وتلقت المحو كعقوبة؟
«هل هذا صحيح حقا؟»
«على الأقل بحسب ما أعرف»
«…»
كلام نويا كان صعب التصديق مباشرة، لكن لم يكن لدي سبب لأشك فيه أيضا
كنت أعرف أن طبيعة العالم متقلبة، وإذا كانت أمي قد عوقبت فعلا فالسبب واضح
«…لأنها لم تؤد دورها ككارثة»
لا بد أن هذا هو السبب
الآن فهمت
«لماذا كانت أمي تنظر إلي بهذه الطريقة»
لماذا كانت تنظر إلي بعينين خاليتين من المشاعر؟ شعرت أنني أخيرا وجدت الجواب
المشكلة كانت
«إذن، الأم التي قابلتها؟»
ماذا عن أمي التي قابلتها في قاعة التنين السامي والتي ظهرت حين واجهت شيطان الدم؟ كانت أمي بلا شك، والكيان الذي يشار إليه بوصفه سيدة عالم المنفى كان أيضا أمي
ردة فعل شيطان الدم أكدت ذلك، وكنت متيقنا منه
«ما الذي يحدث؟»
لم أستطع الفهم
ثم عادت إلى ذهني كلمات أمي قبل أن أفقد الوعي
«قالت لي ألا أبحث عنها»
هل قالت ذلك وهي تتوقع هذا الموقف؟
«إذن، هل كانت أمي تعرف أنني سأأتي إلى هذا العالم؟»
مهما نظرت إلى الأمر، بدا أن هذا هو الواقع
كيف؟
«هل كانت هناك آلية ما؟ أم أن أمي أرسلتني إلى هنا عمدا؟ لا، لا يبدو الأمر مقصودا»
قررت أن الاحتمال الثاني ليس صحيحا، لأن رد فعلها كان غريبا جدا، وفوق ذلك إن كانت مدركة لحالتها فأنا أؤمن بأنها ما كانت سترسلني إلى هنا بهذه الطريقة
إذن
«…لا بد أنه الاحتمال الأول»
ما التغيير الذي حدث حتى وصلنا إلى هذا؟ أجهدت عقلي أبحث عن أي تغييرات حديثة
«حياتي فوضى، لذلك الاحتمالات كثيرة، لكنني حاولت التركيز على أحدث الأحداث»
«أول احتمال بالتأكيد هو»
فضاء تلك الكائنات، والشجرة التي لمستها في الأعماق، فبمجرد أن لامستها يدي تفتتت وامتصت داخل جسدي من دون سيطرة مني، هل كانت هذه هي المشكلة؟
«أو…»
لؤلؤة الحكمة التي ذكرها المعلّم في طائفة التيار السماوي، هل كانت المشكلة هي ابتلاع تلك اللؤلؤة؟
«هذا ممكن»
أنا لم أنو حتى أكلها، هي فقط طارت إلى فمي فابتلعتها
ما أغرب هذا؟
«…لكن إن لم يكن هذا»
ومضة من اللهب الأبيض عبرت رأسي
اللهب الأبيض، هل المشكلة في إطلاق اللهب الأبيض بسبب اللؤلؤة؟ وإن لم يكن هذا
«النجاح العظيم لتقنية عجلة اللهبات التسع»
تقنية عجلة اللهبات التسع التي ظلت عند مرحلة الاكتمال، إن كان هناك تغيير فهذا أكبر تغيير
«لم أصل إليها أبدا في حياتي السابقة»
رغم التهامي كثيرا من الشياطين وتراكمي لكمية هائلة من الطاقة الداخلية، بقيت عند مرحلة الاكتمال
والآن بعد أن وصلت أخيرا إلى مرتبة لم أصل إليها في حياتي السابقة، هل يمكن أن تكون هذه هي المشكلة فعلا؟ لكن
«سيكون ذلك غريبا»
هناك عائق كبير يمنع اعتباره السبب المباشر
«إن كان هذا هو السبب، فلماذا لم يظهر فورا؟»
كان هناك تأخر واضح، وقد يكون رد فعل متأخرا، لكن دفع الفكرة إلى هذا الحد يبدو متكلفا
«لا يمكن تحديده كسبب قاطع، لكن…»
الأدق أن يقال
«تم استيفاء شرط»
تم استيفاء شروط، ونتيجة لذلك حدث شيء ما، فما ذلك الشيء؟
«شيطان الدم؟»
لقاء شيطان الدم، هل هو السبب؟ طبعا ما زال هذا مجرد تخمين، لكنه بدا الأرجح
«…»
هل كان شيطان الدم هو المشكلة فعلا؟ وإن كان
«إن كان تخميني صحيحا، فهذا يعني أن كل شيء أعد سلفا لهذا»
سواء كان الأمر اللهب الأبيض أو النجاح العظيم لتقنية عجلة اللهبات التسع، إن كان ذلك صحيحا فهذا يعني أن أحدا توقع أن أنتهي إلى هذه الحال
كيف يعقل هذا؟
«لو لم أصل إلى هنا، لما حدث شيء»
هل كانت أمي، أو كيان آخر، متيقنة أنني سأصل إلى هنا؟ أم
«هل كانوا يؤمنون؟»
هل كانوا يؤمنون أنني سأصل؟
«هذا غير منطقي»
هززت رأسي، لا يمكن أن يكون الأمر كذلك، بل إنني في حياتي السابقة
«آه»
توقفت في منتصف الكلام وفتحت عيني على اتساعهما
«هل يمكن؟»
احتماله ضعيف، لكن هل كانوا قد توقعوا عودتي بالزمن أيضا؟
«هذا جنون»
من بين كل ما فكرت فيه، كان هذا أكثر شيء لا يصدق
«التحضير لعودتي بالزمن؟ هذا ليس مضحكا أبدا»
لو كان ذلك صحيحا فستكون فكرة مرعبة جدا
«…أشعر كأن حياتي صممت بيد شخص ما»
لا يجب أن يكون هذا صحيحا، ولا ينبغي له أن يكون، ضغطت على أسناني ومحوت تلك الأفكار ثم خاطبت نويا
«نويا»
«نعم»
«حتى لو كان كل ما قلته صحيحا، ما زالت لدي شكوك، خصوصا التناقضات في كلامك»
«تناقضات؟»
تجعد حاجب نويا قليلا، وعندها سألت ما أردت معرفته، نعم، كان هناك تناقض مقلق جدا في كلامه
«إذا كان عالم شيطان الدم واجه مشكلة فاجتاح السهول الوسطى ككارثة… فأنا أرى وضعا مشابها في حالة أمي، وهنا شكي»
عالمه اختفى، فاجتاحت الكارثة السهول الوسطى؟ القصة تبدو منطقية، لكن ماذا عن أمي؟
«عالم المنفى ما زال موجودا، ولم يكن لدى أمي سبب لتأتي إلى السهول الوسطى ككارثة»
كان هذا سؤالا وتناقضا في الوقت نفسه، وقد أزعجني من البداية، وحين سألته أومأ نويا
«هذه نقطة صحيحة أيضا، وهو شك منطقي»
«إذن…»
«لكن عالم المنفى مختلف»
«ماذا؟»
عالم المنفى مختلف؟
«سبب إرسال العالم لأمك إلى السهول الوسطى يعود إلى ذلك أيضا، فهي تعد الحاكمة لعالم المنفى»
«هل يمكن أن تشرح أكثر؟»
«السيد، كما يقال، ليس استثنائيا كما قد تتوقع»
تحول الحديث فجأة إلى السيد، لكنني لم أقاطعه، فلا بد أن لديه سببا لذكر هذا
«حياة الكائنات في العالم مرتبطة بالسيد، لكن السيد ليس بالضرورة كيانا قويا، إنه فقط يولد هكذا»
«يولد هكذا فقط؟»
«نعم، هذا هو السيد»
كان كلاما صعب الفهم، ولم أفهم لماذا يطرح هذا الموضوع الآن
ثم
«أيها الصغير، كما قلت لك، عادة يوجد سيد واحد فقط على أشكال الحياة في أي عالم»
«وماذا يعني هذا؟»
«كما قلت عدة مرات، عالم المنفى مكان تتقاطع فيه شتى أشكال الحياة، ولذلك»
فرك نويا عنقه وكأنه متعب
«هل تظن أنه سيكون هناك سيد واحد فقط في عالم المنفى؟»
«!»
تمكنت من كتم شهقة، وهذا يعني
«…هل تقول إن في عالم المنفى عدة سادة؟»
«نعم، تماما… إنها حالة يفترض أن يوجد فيها أكثر من سيد»
بدا أن هذا هو معنى كلامه السابق
«لكن عالم المنفى والعالم لا يريدان ذلك، لذلك عند قبولهم في عالم المنفى تفرض شروط تحت ستار المراعاة»
رفع شين نويا إصبعين
«الأول هو قسم الولاء لسيدة عالم المنفى»
والثاني
«أن يصبح المرء عضوا في يوييا، ليلة القمر»
«…ليلة القمر؟»
«المقصود بهم الذين كانوا موجودين أصلا في هذا العالم، وبهذه الطريقة»
«هل يمنع ظهور سادة آخرين؟»
«هكذا يقولون، لكن…»
تحرك نويا ليمسح على كورونغ، وكان المخلوق ممددا على الأرض من دون استجابة
«هناك سيد آخر واحد اعترفت به هي بشكل خاص، وهذا ما سمح لها بقبول الواجب والنزول إلى السهول الوسطى»
«ماذا… سيد آخر؟»
«أنت تنظر إليه الآن»
«ماذا؟»
أدرت رأسي فرأيت شيئا جعلني أتوقف، نعم، كان هناك
حين قابلت أمي أو شيطان الدم، كان لهما حضور مميز
«…كورونغ؟»
«نعم، كورونغ»
«…»
تفاعل المخلوق قليلا عند سماع اسمه، وبدا نظره متضايقا، لكن داخله كان يحمل شيئا من الاستسلام
«هل هذا أيضا سيد؟»
أن يكون كذلك… بدا الأمر ممكنا فعلا إذا تذكرت كيف واجه أمي
«كما قلت سابقا، كونك سيدا لا يعني فقط أنك قوي، رغم أن السادة غالبا يبدون أقوياء»
«إذا كان كورونغ سيدا، فكيف يمكن أن يوجد أصلا؟»
«لأنه ضروري»
أوقف نويا يده عن مداعبة كورونغ
«الظلام مطلوب في كل مكان، ليس الليل، بل الظلام»
«ما معنى هذا؟»
عند سؤالي تنهد نويا بخفة وظهر التعب على وجهه، لماذا ساءت ملامحه فجأة؟ وبينما أتساءل وصلتني كلماته
«إذا كانت هي تدير السطح، فهذا يدل على النقيض»
«النقيض؟»
«في عالم المنفى، من قد يصبحون سادة أو من رفضوا أن يكونوا من ليلة القمر، كان لا بد من كيان يديرهم، وليس هذا فقط…»
«غررر»
«كان لا بد أيضا من شيء يحتجز المنطفئين ويحرقهم»
«…ماذا؟»
اتسعت عيناي بعد كلامه التالي
«حفرة عميقة جدا، شيء لا يمكنك العثور عليه حتى لو نظرت في الداخل، وشيء يفترض أن الهرب منه مستحيل بعد الدخول إليه»
هل يمكن أن يكون كورونغ
«العالم يسميه الهاوية، وهذا الكائن هو…»
الكيان الذي يحتجز من لا سيد لهم ويمحوهم
«بمعنى آخر، إنه سيد تلك الهاوية»
وهذا يعني أنه مصدر الشياطين
مع انقضاء اليوم ببطء، لم أستطع الإحساس بالغروب، لكنني عرفت من النظر أن الليل يقترب، جلست بلا تعبير وأنا أراقب اقتراب الليل
«…»
وجهي لم يظهر أي أفكار، لكن عقلي في الحقيقة كان شبه منهار من كثرة ما يدور فيه
«يا لها من حياة قذرة»
تمتمت بصوت منخفض وأنا محبط
هل يمكن أن تكون الحياة بهذا السوء؟ واصلت فرك وجهي بيدين جافتين مرارا
كلما حفرت أعمق خرجت أشياء أسوأ
«تبًا، ألا يمكنهم إعطائي شيئا أستطيع تحمله؟»
كنت سأحاول الصبر لو لم تكن الصعوبة مرتفعة بشكل ظالم
«هوو…»
لماذا لا يوجد شيء سهل؟
سواء حياتي السابقة أو هذه… آه، بل ربما الآن أصعب؟ يبدو ذلك، كلما ظننت أنني أستطيع التحمل أضيف شيء آخر، فيزداد الأمر سوءا
«تبًا، إذا كنتم ستساعدونني فاحسموه وانتهوا»
ثم إن نويا، الذي كان يشرح، بدا متعبا فجأة واختفى بعد أن قال إنه يحتاج إلى الذهاب إلى مكان ما، وبعد رحيله نظر كورونغ إلي ثم عاد إلى زاويته المعتادة، وكان البقاء هناك غريبا، فاضطررت في النهاية للعودة إلى مقر إقامتي
قالوا لي أن أرتاح، لكن كيف أرتاح مع كل هذا؟ لا معنى لذلك
«هوو…»
بالتأكيد لم أستطع النوم، ولم يكن لدي أي رغبة في الحركة، وهذا وحده كان دليلا على مقدار الإرهاق النفسي الذي وصلت إليه
لذا
«…ألا يمكنك أن تتركني وشأني؟ حالتي ليست جيدة الآن»
تكلمت وأنا أنظر إلى جهة معينة، ولم أكن أكلم نفسي
فور عودتي إلى مقر إقامتي وجهت الكلام إلى شخص كان يراقبني من بعيد
وعندما سمعني، كشف نفسه ببطء
مخلوق بشعر أسود وأذنين شبيهتين بأذن الحيوان
كان غوبونغ الذي قابلته سابقا، ورؤيته جعلتني أتنهد
«ماذا تريد مني… آه، انسه»
كنت متعبا جدا لأسأل، فنهضت لأنني شعرت أن السؤال لا داعي له، فمجرد رؤية وجهه كانت كافية
نظرت إلى غوبونغ وقلت
«لم يعجبني نظرك منذ هذا العصر، من ينظر إلي بهذه الطريقة غالبا يريد شيئا»
مررت في حياتي بمواقف كافية تجعلني أنزعج من هذا الوضوح الممل، حدقت في غوبونغ وهو يتحدث إلي
«المعلّم قال سابقا إن الأمر مقبول، لكنني لا أوافق»
اكتفيت بالنظر إليه وكأنني أطلب منه أن يكمل
«مهما طال انتظار المعلّم لك، أسلوبك غير مقبول هنا، على الأقل في جبل هوا»
ضحكت من غير قصد
«كلام فارغ، هذا ليس جبلا أصلا، فكيف يكون جبل هوا؟ عم تتحدث؟ هل زرت بركانا حقيقيا أصلا حتى تحكم على جبل هوا؟ أنت لا تعرف حتى ما هو جبل هوا»
«لا تهن جبل هوا»
«ولماذا أهينه؟ أنا أيضا أحبه هناك، إن كان هناك من يتصرف بسخافة فهو أنت… لا، ليس هذا فقط»
لوحت بيدي باستخفاف، فقد سئمت اللعب بالألفاظ
«إذن، هل تريد أن تتقاتل؟»
بدا غوبونغ متفاجئا من سؤالي المباشر، وكأنه لم يتوقع أن أقولها بهذه الصراحة
لكن تفاجؤه لم يدم طويلا، فقد اشتدت نظراته وهو يخاطبني
«أنا، بصفتي التلميذ الأول في جبل هوا، سأعلمك الأدب…»
«اخرس، لهذا سنقاتل»
طقطقة
قبضت يدي، فامتلأ الجو بصوت احتكاك العظام
«أنبهك فقط، أنا غاضب جدا الآن وقد لا أضبط قوتي جيدا، هل يناسبك هذا؟»
«…»
تجعد حاجب غوبونغ بحدة عند كلماتي
«هذا الاستفزاز لن ينجح…»
انقطع كلامه
دوى ارتطام عنيف!
«أوخ!»
«إذن لنبدأ»
كانت قبضتي قد انغرست بالفعل في بطنه، وأملت رأسي وأنا أتحسس مقدار الضربة بدقة
لم تدخل بعمق كما توقعت، كان أصلب مما ظننت
ربما لهذا السبب؟
«مثالي لتفريغ الاحتقان»
خطرت لي الفكرة من دون وعي وأنا أتهيأ من جديد