[«غررر…»]
صدر من كورونغ زئير منخفض، كأنه يكبت صرخة، وامتلأ الهواء ببقايا طاقة عالقة
انتشرت رائحة زهر خفيفة في المكان، مع مشهد شفق قرمزي وقمرين في السماء
وسط هذا المشهد الغريب، كانت عيناي مثبتتين على شخص واحد فقط
امرأة تقف حافية القدمين، وتمشي فوق الهواء كأنه أرض صلبة
كان شعرها الأبيض طويلا جدا حتى بدا كأنه يجر على الأرض
لم أستطع تمييز هيئتها بوضوح من هذه المسافة، لكنها لم تكن تبدو ضخمة
بشرتها كانت شاحبة كالثلج، وعيناها قرمزيتين بشكل واضح، كأنهما بتلات زهر طافية في السماء أو كالشفق نفسه
حتى من نظرة واحدة، كان مظهرها استثنائيا، لكن ما صدمني فعلا لم يكن شكلها غير المألوف
«أمي…؟»
سبب صدمتي أن الكيان الواقف أمامي كان بلا شك أمي
في البداية، شككت في الأمر
المظهر لم يتطابق تماما مع الصورة المحفورة في ذاكرتي
شعرها وملامح وجهها كان فيهما شبه، لكن
«تلك الأذنان… وهل هذه ذيل؟»
بدل الأذنين البشريتين، كانت لها أذنا وحش
ومن خصرها كان يتدلى فراء بنفس لون شعرها، متراخيا بلا اكتراث
كان واضحا أنها، على الأقل، ليست إنسانة
هذا الشك مر في ذهني للحظة
لكن مع ذلك
«إنها هي»
مهما دققت النظر، كانت أمي دون أدنى شك
«…ما هذا»
لماذا ظهرت أمي فجأة من العدم؟
والأكثر إزعاجا أنها بدت هي من هاجم كورونغ
«لماذا؟»
ما الذي يحدث؟
كنت قد سمعت أن هناك صلة ما بين كورونغ وأمي
«ألم يقل الجميع إنها هي من أرسله إلي؟»
هل كان ذلك كذبا؟ وإن لم يكن، فما السبب الذي قد يجعلها تهاجم كورونغ؟
أم أن كورونغ ليس كما كنت أظنه؟
لم أستطع فهم الموقف، وتدافعت في رأسي احتمالات لا حصر لها، وكل احتمال كان أكثر إرباكا من الذي قبله
كان الأمر غريبا إلى هذا الحد
لكن مهما يكن
«أمي»
ومادامت أمي تقف أمامي، لم أستطع الوقوف مكتوف اليدين
«أخرجني من هذا الشيء حالا»
طاخ
ضربت الحاجز بقبضتي بقوة من شدة الضيق، لكنه بقي سليما بلا خدش
عبست بشدة
«ما نيتها؟»
كان واضحا أنها لا تحاول إيذائي، لكن بعد ذلك
«ماذا تريد؟»
لماذا قيدتني بهذه الطريقة؟
[«غرررر…!»]
زأر كورونغ وهو ينهض على قدميه، وكانت كل حركة صغيرة منه تهز الأرض كزلزال
[«الهاوية»]
خاطبته أمي، ووصل صوتها إلى كل الجهات رغم جسدها الصغير
[«لماذا كسرت القواعد؟»]
[«غررراااه!»]
[«حتى الآن، يمكنك العودة إلى المكان الذي تنتمي إليه»]
[«روااار!»]
رغم كلامها، أطلق كورونغ زئيرا شرسا، وكان واضحا أنه لن يطيع
[«فهمت»]
حركت أمي يدها قليلا، وفي اللحظة نفسها
ششششش
بدأت البتلات الطافية في الهواء ترقص وتدور، ثم
«السماء…»
بدأ الشفق في الأعلى يلتوي ويتحرك
وبدأت النجوم والسحب تتجمع ببطء
«هذا غير ممكن»
دووم! دووم دووم!
لم أستطع إلا أن أحدق في الظاهرة التي تتشكل أمامي
الطبيعة نفسها كانت تتحرك
لم تكن تقنية قتالية
هذا كان شيئا يتجاوز كل ما سمعته أو عرفته
[«تحتاج إلى درس»]
[«غررررر!»]
اندفع كورونغ نحو أمي، وتحول شكله الضبابي إلى هيئة وحش بفم هائل وأنياب حادة جدا
ومع حجمه الضخم، كان يطلق رهبة ساحقة
[«يا لك من وقح»]
لكن أمي لوحت بيدها نحوه ببساطة كما فعلت قبل قليل
تحطم! تحطم! طقطقة طقطقة طقطقة!
ضربه الشفق المتجمع مباشرة، وانهمرت من السماء حزم ضوء قرمزية
دووم! دووم دووم دووم! رررعد!
كل ضربة كانت ترج الأرض بعنف
وقفت متجمدا وفمي مفتوح من الذهول
«…هذا، حتى مقارنة ببرق السيد السماوي»
تلك القوة التي جرفت في السابق كل الوحوش القرمزية
لم تكن ساحقة بالضرورة بالمقارنة، لكنها كانت أعلى بوضوح
كانت قوة تتحدى المنطق
[«روااار!»]
بعد الضربات المتتالية، أطلق كورونغ صرخة هائجة، وارتجف الحاجز حولي
عرفت غريزيا أن هذه هي اللحظة، لو ضربت الآن فسأتحرر
لكن
«…»
مع أنني عرفت ذلك، لم أتحرك
لماذا لم أمد يدي لتحطيم الحاجز؟
حتى أنا لم أستطع تفسير ذلك
«…شيء ما»
كان هناك شيء غير مريح كلما نظرت إلى أمي
هي بلا شك أمي، لكن كان لدي إحساس غريب أن مواجهتها الآن خطأ
ذلك التردد هو الذي جمدني
«لماذا؟»
هي أمامي مباشرة
الشخص الذي اشتقت لرؤيته يقف أمامي الآن
وقد حمتني وأنقذتني قبل لحظات فقط
«إذن لماذا؟»
لماذا أتردد في مواجهتها؟
وبينما كان التشوش يملأ رأسي
[«غريب»]
حمل صوت أمي نبرة شك خفيفة
[«هل تعبث معي يا هاوية؟»]
[«غرر…»]
[«إن لم تكن تعبث، فلماذا تجلس هناك كأنك بلا نفع؟»]
ووش
توقفت حزم الضوء، وفي الوقت نفسه بدأ شيء يتغير خلف أمي
«…ذيل»
انفك الفراء المتجمع وارتفع في الهواء
حوالي 3 ذيول، وكل ذيل مشبع بطاقة قرمزية، ارتفعت عاليا في السماء
[«أتظن أنني لا أعرف أن هذه ليست هيئتك الحقيقية؟ حتى تمثيل الضعف لا تتقنه، إذن»]
في تلك اللحظة
[«هل المشكلة هناك؟»]
«…!»
اتجهت نظرة أمي نحوي، أو بالأدق نحو الحاجز الذي يطوقني
قشعريرة
سرت قشعريرة في ظهري فور التقت أعيننا
كان الأمر مختلفا تماما عن مواجهة كورونغ قبل قليل
دق
دق دق!
عيناها القرمزيتان كانتا مثل حجر كريم
وعلى عكس السابق، كانتا خامدتين وخاليتين من العاطفة
نظرتها لم تحمل إحساسا واضحا، لكن جسدي استجاب وحده بإحساس عميق بالخطر
[«غرررر!»]
في اللحظة التي توجه فيها انتباهها إلي، زأر كورونغ بعدائية
رررعد! اهتزت الأرض بعنف مرة أخرى
[«إذن كنت محقة»]
وعلى ذلك، أطلقت أمي ضحكة خفيفة
[«هل ظننت أنك ستخدعني؟ إن كان هذا ظنك، فقد أخطأت»]
مدت يدها نحوي
[«فلنر ما الذي تخفيه»]
رغم نعومة صوتها، كانت الطاقة المتجمعة عند أطراف أصابعها بعيدة تماما عن اللطف
هذا سيئ
إن استمر الأمر هكذا، قد أموت فعلا
[«روااااار!»]
اندفع كورونغ نحو أمي مرة أخرى
لكن هذه المرة كانت مختلفة
انفجرت هالة أشد عنفا وحدة في كل الاتجاهات
[«يا للمفاجأة»]
ارتسمت ابتسامة على شفتي أمي وهي تراقب
[«كم هو مثير»]
سحبت يدها التي مدتها نحوي، ووجهتها من جديد إلى كورونغ
دووم
مرة أخرى، انفجرت حزم الضوء من كل الجهات
طاخ
استأنف كورونغ وأمي القتال، وفجأة اختفى الحاجز الذي كان أمامي
طاخ! رررعد!
ارتجت السماء والأرض
مجرد مشاهدة صدام الاثنين جعل ساقي ترتخيان
أي نوع من المعارك هذه؟ بقيت أحدق بذهول دون أن أعرف ماذا أفعل
-اهرب
-اهرب
-اهرب
تردد صوت في أذني 3 مرات متتالية
«كورونغ؟»
شعرت أن الصوت قادم منه
«اهرب؟»
هل لهذا اختفى الحاجز؟ ليمنحني فرصة للهرب؟
لكن الهروب من أمي؟ هذا بدا سخيفا تماما
-اهرب شمالا
«…»
إذا كان علي الهرب، فالمنطقي أن أهرب من كورونغ لا نحوه
أليس المفترض أن أذهب إلى أمي وأخبرها أنني هنا؟
«يا أنت»
متجاهلا المنطق، تحرك جسدي بالغريزة
أمسكت معصم الشيطان السماوي
«اهرب»
لطالما وثقت بغرائزي، وهذه المرة لم تكن مختلفة
«…!»
اتسعت عينا الشيطان السماوي عندما قبضت على معصمه
وبكل قوتي، سحبته معي وانطلقت للأمام
كان اتجاهنا نحو الشمال
رررعد
في المسافة البعيدة، تدحرج جبل أسود واهتز بعنف
وكانت الأرض ترتج بقوة حتى انهار الجبل على نفسه
[«غرر… غرررر…»]
تأوه كورونغ من الألم، وترددت صرخاته في الجو
أمي التي كانت تراقب بصمت أزالت ابتسامتها ولوحت بيدها
دووم! دووم دووم دووم!
ضرب ضوء الشفق جسد كورونغ مرات متتالية
وبعد مرور وقت كاف، وعندما توقف الضوء أخيرا، لم يبق شيء في المكان الذي كان فيه
ولا حتى أثر بسيط
[«همم»]
حتى عند هذا المشهد، لم تظهر على أمي أي علامة دهشة
كانت تتوقع ذلك مسبقا
[«كما توقعت، لم يكن سوى شظية»]
رغم حجمه الهائل، كانت القوة العظمى التي يستخدمها ضعيفة بشكل مثير للشفقة
ولذلك لم تتوقع أساسا أن يكون الجسد الرئيسي
[«لكن لماذا؟»]
أمالت أمي رأسها في حيرة
لماذا بذل كل هذا الجهد لتمثيل هذا المشهد؟
حتى استخدام نسخة لا بد أنه كلفه ثمنا، فما الهدف؟
[«هل كان فقط ليشغلني؟»]
ليجذب انتباهها ولو للحظة؟ لكن لماذا؟
وأثناء تفكيرها، استعادت أمي ما حدث قبل لحظات
[«هل كان هذا هو السبب؟»]
لقد بالغت الهاوية في هذا كله بسبب شيء مخفي داخل قوته العظمى
كانت تتذكره بوضوح
[«تنين»]
تنينان صغيران، أحدهما باهت إلى درجة أنه بالكاد يستحق اسم تنين
أما الآخر
[«همم…»]
بماذا يمكن أن تسميه؟ كان تنينا فعلا، لكن شيئا فيه لم يكن منسجما
والأكثر إزعاجا
[«مألوف»]
كانت تنبعث منه طاقة مألوفة
وشعرت أنها تشبه قوتها بشكل مقلق
لماذا؟ لم تستطع تفسير ذلك
وفي النهاية، لم يكن هذا مهما
مهما كانت الحقيقة
[«لا مكان للتنانين في هذه الأرض»]
تلك الكائنات المتعالية البغيضة لا تنتمي إلى هنا
[«ظننت أنني تخلصت منهم جميعا… غريب»]
لسبب ما، تجرؤوا على دخول نطاقها، لكن بعد أن رأتهم انتهى الأمر
[«أيها الرئيس»]
[«نعم، سيدتي»]
عند ندائها، جاءها صوت من البعد خلفها
[«أرسل الأطفال للتعامل مع التنانين»]
[«كما تأمرين»]
بمجرد صدور الأمر، تحرك ذلك الحضور فورا
كانت تفضل أن تتعامل معهم بنفسها، لكن هناك أمورا أخرى تتطلب انتباهها
ومع هذه الفكرة، استدارت أمي
وفي اللحظة التي همت فيها أن تخطو إلى البعد الممزق
[…]
بقي شيء عالقا في ذهنها
أحد التنانين الذي نظر إليها للحظة قصيرة
ذلك الكيان الغريب صاحب الهالة المألوفة
كان تنينا فعلا، لكنه لم يكن مجرد تنين يمكن وصفه ببساطة
[«ما هذا؟»]
لماذا لم تستطع إخراج صورته من رأسها؟
أمالت رأسها للحظة، ثم تجاهلت الفكرة
مهما يكن، لم يكن يهم
بالنسبة لها، لم يكن سوى وجود آخر يجب محوه من هذا العالم الواسع
كما يحدث دائما