عادت الذكريات تتدفق
معظمها من حياتي السابقة
الأيام التي تلت رحيل أمي، أرى نفسي أنهار تدريجيا
أكسر الأشياء، وأفتعل نوبات غضب، وأتنمر على الخدم بلا توقف
أيام بائسة كنت أصرخ فيها بسبب أمور تافهة
نسختي التي لم تكن تتقبل اهتمام أحد ولا حتى مشاعري أنا، وكانت ترى السوء في كل شيء
ومع تدهوري يوما بعد يوم، كان هناك من يراقبني من بعيد
“أبي؟”
كنت منكمشا على نفسي، أذبل كنبته جافة، لا أدري هل كنت أبكي أم أغضب
ومن بعيد، كان أبي واقفا يراقبني
من أي وقت كانت هذه الذكرى، لم أستطع التحديد
بل كان من الصعب حتى أن أسميها ذكرى تخصني
لم أكن أعلم أن هذه اللحظة موجودة أصلا
وإن لم تكن ذكرى، فربما كانت وهما
هذا يبدو منطقيا، لكنه لم يكن مقنعا
إذن، هل كانت ذكرى حقيقية فعلا
ذكرى لم أكن واعيا بها
“لماذا؟”
لماذا تعود هذه الآن، لم أستطع الفهم
وفوق ذلك
“لماذا يبدو بذاك التعبير؟”
لماذا كان أبي ينظر إلي بهذه الطريقة
هو عادة يضع الوجه الجامد نفسه، لكن هذه المرة كانت مختلفة
أي نظرة كانت هذه
هل هي كراهية، أم احتقار
لطالما افترضت أن هذين هما الشعوران الوحيدان اللذان كان يحملهما تجاهي في ذلك الوقت
لكن عينيه الآن بدتا مختلفتين، هادئتين بلا تعبير واضح، ومع ذلك فيهما قلق
قلق
أبي قلق علي
لم يقترب، بل وقف بعيدا، ويداه وقدماه مترددة، كأنه يناقش نفسه إن كان يجب أن يقترب أم لا
وبعد أن ظل يحدق بي طويلا، أغلق عينيه بإحكام أخيرا واستدار
لماذا
لماذا لم يقترب
ولماذا عاد أدراجه بذلك التعبير
لم أفهم أي شيء
ثم، فجأة، تبدل المشهد
متى كان هذا
من مظهري، يبدو أنه كان في الفترة التي أصبحت فيها الوريث
آه، أظنني عرفت
غالبا كان بعد وقت قصير من صعودي إلى منصب الوريث
“ما زلت لم تستجمع نفسك، إلى متى تنوي أن تعيش بهذه الطريقة؟”
ظهر أمامي وجه أبي، نادرا ما رأيته غاضبا هكذا
لماذا كان منزعجا إلى هذه الدرجة
مع أنني استطعت تحديد التوقيت، لم أستطع تذكر السياق
ثم إن هناك أوقاتا كثيرة غضب فيها مني بعد أن أصبحت الوريث
وأمام توبيخه، أجبت وأنا أضم شفتي بتعال
“لماذا
هل تنوي أن تبدأ بالاهتمام بي الآن؟”
حتى في عيني أنا، كنت أبدو متعجرفا بشكل لا يطاق
كيف استطعت أن أصنع هذا الوجه
وقبل تحولي، كان مظهري أقل قبولا من ذلك أيضا
“لماذا تهتم بشيء لم تفعله طوال حياتك
فقط اتركني وشأني، كما كنت دائما”
صمت
أبي، الذي كان ثائرا قبل لحظات، سكت بعد كلماتي
في ذلك الوقت، كنت على الأرجح أرتجف من الداخل خوفا شديدا
ومع ذلك هاجمت لأنه كان داخلي أنا أيضا مليئا بالمرارة
ومع هذا
“إن كنت تحاول أن تتصرف كأب الآن، فلا تتعب نفسك، أنا لا أحتاج ذلك”
ذلك الموقف الحقير مني لم يكن له أي مبرر
يا لي من أحمق
صمت
أبي لم يقل شيئا
وبعد أن حدق بي طويلا، تكلم أخيرا
“اخرج”
أمرني أن أغادر
“حتى تغادر إلى هانام كعقوبة، ابق محبوسا”
“حسنا، كما تريد”
وبهذه الكلمات المتحدية، أغلقت الباب بقوة خلفي وغادرت
ماذا فعلت لأستحق عقوبة كهذه
ما الخطأ الذي ارتكبته
لم أعد أتذكر
حوادث كثيرة اختلطت ببعضها
لكن شيئا واحدا صرت أعرفه الآن
بعد أن خرجت، وضع أبي يده على جبينه وتنهد بعمق
ذاك التعبير بدا مألوفا بشكل غريب
“لماذا”
لماذا يتم إظهاري هذا
تبدل المشهد مرة أخرى
هذه المرة كان يوما ماطرا
هبط قلبي فجأة
عرفت فورا أي يوم كان هذا
أبي، وهو ينزف حتى الموت، كان ممددا على الأرض
جسده الذي كان قويا، بدا فجأة هشا ومسنّا، مغطى بالتجاعيد والشعر الأبيض
عيناه الحمراوان اللتان كانتا نابضتين بالحياة بدأتا تخفتان
هذا هو
اليوم الذي قتلت فيه أبي بيدي
حديثنا الأخير بينما أنفاسه تضعف
كانت هذه الذكرى نفسها بلا أي شك
“أنا أسامحك”
اليوم الذي سامحني فيه أبي لأنني جعلته يرفع يده على ابنه
“عش”
وصيته الأخيرة لابنه البائس كانت أن يعيش
كانت ذكرى لا أريد رؤيتها
أردت محوها إلى الأبد، فهي قذرة ومؤلمة إلى حد لا يحتمل
لو استطعت، لتدخلت ودمرت تلك النسخة الأصغر مني
“أنت لم تهرب من هذه اللحظة أبدا”
ترددت كلمات تقنية عجلة نار غو اللهيبية في رأسي
فهمت الآن
كنت ما زلت عالقا في تلك اللحظة
كان المطر يهطل، والبرد يبلل كل شيء
أنفاس أبي صارت أضعف، وشفته تنطبقان ببطء
كانت حياته تنتهي
كنت راكعا أراقبه بصمت
وكان هو أيضا يراقبني
اتسعت عيناي وأنا أشاهد المشهد يتكرر
ربما لأنني رأيت الذكريات السابقة
وأخيرا أدركت
“عيناه”
من أول ذكرى حتى الآن، كانت عينا أبي وهو ينظر إلي على الحال نفسها
ظننت دائما أنهما ممتلئتان بالاحتقار والغضب والكراهية
لكن ذلك لم يكن صحيحا
عينا أبي كانتا تحملان القلق دائما
لماذا كان يقلق علي
لماذا لم يكرهني أو يحقد علي
أم أنه لم يكرهني من الأصل
دار رأسي
وإذا كان هذا صحيحا في حياتي السابقة، فماذا
“وماذا عن الآن؟”
أي نوع من النظرات يحملها أبي الآن حين ينظر إلي
وأنا أتساءل، أدركت شيئا
آه، أنا لم أنظر في عيني أبي حقا، لا في حياتي السابقة ولا في هذه الحياة
لهذا لم أكن أعرف
ولهذا لم أستطع أن أجزم
الفكرة كانت تعتصر بطني
وفي الوقت نفسه، سألت نفسي
هل كنت جاهلا بهذا
أم أنني فقط رفضت الاعتراف به
“الثانية على الأرجح”
كنت متأكدا من ذلك
“أنا أكرهك”
فهمت كلمات اللهب الآن
وأنا أيضا كنت أكره نفسي
“لماذا أنت حي؟”
كنت أريد أن أسأل نفسي السؤال نفسه
لماذا أنا حي
قلت إن السبب ببساطة أنني أريد العيش، لكن الإجابة بدت فارغة
حتى وأنا أعرف ذلك، كان علي أن أعيش
بل بالأدق، كنت بحاجة أن أعيش
لماذا
صارعت سؤال اللهب مرات لا تحصى، لكن الآن فقط شعرت أنني فهمت
“عش”
كلمات أبي ترددت عميقا داخل صدري
“ابق حيا”
“واصل العيش”
“اصمد”
كلمات قيلت لي وأنا محطم عادت إلى السطح، وانغرست في صدري كشوكة
أصوات مختلفة ونبرات مختلفة، لكن المعنى واحد
لماذا تعود هذه الكلمات إلي الآن
كأنها تحاول أن تشرح لي لماذا ما زلت حيا
ضيق أفق وضعف
تذكر كلماتهم الآن واتخاذها سببا للاستمرار كان مخزيا وتافها جدا
هل هذا مقبول
لم أكن أعرف
في تلك اللحظة، لم يعد لأي شيء أهمية
أنا فقط اشتقت إلى أبي فجأة
هذا الشعور وحده جعل الرؤية الضبابية أمامي صافية
وووونغ
كانت عيناي غائمتين، وأذناي تطنان
امتلأ رأسي بصوت طنين مستمر
بدت كل حواسي وكأنها مسدودة، وإحساس الاختناق كان يضغط علي
لكن ذلك لم يدم إلا لحظة
ببطء شديد، بدأت حواسي تعود
أول حاسة عادت كانت الشم
كأن أنفا مسدودا انفتح فجأة، بدأت ألتقط الروائح
رائحة عفن وغبار ممزوجة بأثر خفيف لرائحة زهور
ما هذا
لماذا أستطيع شم الزهور
وبينما أفكر في هذا التناقض الغريب، عادت حاسة اللمس
كان الإحساس خانقا
شيء ما كان يلتف حول جسدي بإحكام
ما هذا أيضا
لماذا أشعر بهذا التضييق
مع أنني لم أكن أرى بعد، حاولت تحريك جسدي
وفجأة، وكأن الإشارة جاءت في التوقيت نفسه، عادت بصري أيضا
كانت الرؤية ضبابية في البداية ثم بدأت تتضح تدريجيا
وأخيرا أدركت سبب انزعاجي
كنت مقيدا فعليا
ليس بحبال أو سلاسل، بل بأشخاص
أذرع وأجساد تمسكني بإحكام
إذن هذا يفسر اختلاط رائحة الغبار بالزهور
الرائحة الغريبة أصبحت مفهومة الآن
رائحة العفن جاءت من المكان، أما رائحة الزهور فجاءت ممن كانوا يمسكونني
أول ما رأيته كان أعلى رأس أحدهم
شعر ذهبي وأبيض متشابك بعشوائية
وكانتا بالطبع نامغونغ بي-آه ووي سول-آه
كلتاهما كانتا متشبثتين بي بكل قوتهما
كنت أشعر بارتجافهما عبر الاهتزاز الخفيف في جسديهما
راقبتهما بصمت، ثم تكلمت أخيرا
“ماذا تفعلان؟”
ارتعاش مفاجئ
كلتاهما انتفضتا بوضوح عند سماع صوتي
ثم رفعت وي سول-آه ذات الشعر الذهبي وجهها ببطء، بعدما كان مدفونا في صدري
حين التقت أعيننا، جاء دوري أنا لأتفاجأ
وجهها كان في حالة سيئة جدا
الخوف كان يملأ عينيها الواسعتين، وكلتاهما حمراوان ومتورمتان من كثرة الدموع التي تركت خطوطا على خديها
“أنت”
كنت على وشك أن أسألها لماذا تبدو هكذا، لكن
“شهقة ثم فواق”
“ما هذا بحق الجحيم؟”
فجأة بدأت وي سول-آه تبكي أمامي
ولم تكن مجرد دموع قليلة
بكاؤها كان مصحوبا بسيل متواصل من الدموع على وجهها
“مهلا، ماذا”
كانت هذه أول مرة أراها تبكي بهذه الطريقة
ارتبكت تماما، ولم أعرف كيف أتصرف مع الموقف
لكن قبل أن أحاول أي شيء، أدركت أنني ما زلت غير قادر على الحركة
إحكام شديد
قبضة وي سول-آه علي خفتت قليلا، لكن قبضة نامغونغ بي-آه ازدادت قوة
يداها كانتا مطبقتين علي بقوة أكبر من قبل
“ما الذي يحدث
لماذا تبكين؟”
“واااااه”
كان الوضع كارثيا تماما
الآن وي سول-آه صارت تنتحب بصوت عال وهي متشبثة بي
ماذا كان يفترض بي أن أفعل
كنت بحاجة لتهدئتها، لكن جسدي المقيد لم يترك لي شيئا أفعله
هل أحاول التحرر
هذا يعني أن أستخدم القوة، لكن
فووش
“هاه؟”
“فواق، ماذا”
“!”
في اللحظة التي فكرت فيها بالهروب، حدث شيء
انسل جسدي من بين أيديهما بسهولة، كأنه غير ملموس، كأنه يمر عبر الهواء
وفقدت الاثنتان توازنهما فجأة وسقطتا على الأرض بصوت ثقيل
خفضت نظري وتفحصت يدي
فووش
كانتا مكونتين من لهب
وليس فقط يداي
مع أن جسدي يبدو طبيعيا، كنت أشعر بذلك بوضوح
لو أردت، يمكنني تحويل جسدي كله إلى نار
لم أفهم كيف كان هذا ممكنا، لكنني عرفت غريزيا
لقد بلغتها
هذا هو
الاسم الذي يطلق على من يصل إلى الإتقان النهائي لتقنية الجوهر
الاكتمال
لقد وصلت إلى قمة تقنية عجلة نار غو اللهيبية
لم يكن هناك تفسير آخر لهذا الإحساس
كيف
كيف حققت هذا فجأة
مع أنني لمست حافة هذا الإحساس من قبل، لم أكن قد أمسكت به تماما ولم أجعله ملكي
هل يمكن أن يكون
هل كان بسبب ما حدث قبل قليل
المعركة مع تقنية عجلة نار غو اللهيبية التي اتخذت هيئتي
هل كان التغلب عليها هو المفتاح
يبدو ذلك مرجحا
لم أستطع التفكير في سبب آخر
لكن بعد ذلك
“ما هذا؟”
ليس جسدي وحده، حتى اللهب نفسه كان قد تغير
فووش
اللهب المتموج الذي تفتح من يدي
لم يكن النار السوداء لطاقة شيطانية
ولم يكن اللهب الأزرق الذي اكتسبته بعد تحولي
بل كان نارا بيضاء
لهبا أبيض ساطعا بشكل مبهر