انسكب الشاي من فنجان الشاي المحطم على الأرض بخرير خفيف
تحطم!
تسببت الهالة الخانقة في اهتزاز الطاولة بعنف
«أوخ…»
تحت ثقل ساحق على كتفيه، أطلق بومدونغ أنينا مكتوما بصعوبة
لم يكن هذا حضورا عاديا، بل كانت هالة معلّم في الفنون القتالية، وبقوة مرعبة أيضا
وبينما كان يكافح تحت الضغط، ألقى بومدونغ نظرة على مو يونغ هي آه، كانت تحدق في الدخيل غير المتوقع بعينين واسعتين مذهولتين، لا أكثر
ورغم الضغط الخانق، بدت غير متأثرة تماما
لم يكن هذا يعني سوى شيئا واحدا، الشخص الذي أطلق الهالة كان يتحكم بها بدقة شديدة، بحيث لا تؤذي أحدا غيره
«من أين ظهر هذا المعلّم؟!»
سال العرق البارد على وجه بومدونغ وهو يثبت طاقته الداخلية، كان الضغط ساحقا، لكنه لم يكن مستحيلا تماما
شد بومدونغ فكه، واستجمع قوته وأجبر نفسه على الوقوف
طَقّ!
«آه!»
كان الألم حادا، لكن بومدونغ تمكن من تجاوز الضغط والوقوف على قدميه، أو هكذا بدا الأمر، هل كان يتخيل فقط، أم أن الضغط خف قليلا في اللحظة التي وقف فيها؟
كأنه عُدّل ليجعل الأمر أسهل عليه
«هوو…»
ما إن وقف بومدونغ حتى تلاشت الهالة الخانقة كأنها شبح
مسح العرق عن جبينه، ورمى الشاب أمامه بنظرة ثاقبة، وما رآه جعله ينتفض في داخله
«إنه… صغير»
أصغر بكثير مما توقع
كان مظهره الخشن يوحي بعكس ذلك، لكن وجهه كان شابا، بالكاد تجاوز أوائل العشرينات، وفي أقصى تقدير، حتى لو كان يبدو أصغر من عمره، فلن يتجاوز أوائل الثلاثينات
«وتقول إن تلك الهالة الوحشية كانت منه؟!»
كان من الصعب تصديق ذلك
من يكون هذا الرجل؟ من يستطيع إطلاق حضور ساحق بهذا الشكل؟
كتم بومدونغ قلقه، وعدّل وقفته وسأل
«هل كنت تتحدث معي للتو؟»
كانت الكلمات تتردد في رأسه، الشاب نعته بكلب ينبح
كان بومدونغ دايجو وحدة التنين الطائر ضمن تحالف الفنون القتالية، منصبا يهابه حتى رؤساء العشائر القتالية الكبرى ويعاملونه باحترام، ومع ذلك وُصف بهذه الطريقة على لسان شاب صغير
هل لم يلاحظ الزينة على كتفه التي تدل على رتبته؟
وبينما كانت الشكوك تعكر ملامح بومدونغ، ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتي الشاب
«أوه، أبدا، فقط كان هناك كلب ينبح بلا توقف بالقرب مني، فانزعجت وخرجت لأرى، ووجدت كلبا أجرب خارج المبنى، هذا كل ما قصدته»
«…»
تجعدت جبهة بومدونغ من الإهانة الواضحة
كان عذرا فاضحا، أي شخص يفهم أنه استفزاز متعمد
«وفوق ذلك كان قذرا جدا، نباحه المتواصل كان يزعجني، لكن وجهه الأجرب جعلني أرغب في أن أمسكه وأسلقه حيا، أظنه لا يزال بالخارج، هل تريد أن تلقي نظرة؟»
طَقّ
قبض بومدونغ قبضتيه بقوة حتى ابيضت مفاصله
لقد تجاوز الشاب الحدود، مهما يكن، لا يحق لأحد أن يعامل دايجو تحالف الفنون القتالية بهذه الطريقة
«تجرؤ…»
لمعت عينا بومدونغ ببريق خطير
تظاهر الشاب بالدهشة ورد بلا مبالاة
«يا للمفاجأة، تبدو منزعجا، يوم سيئ ربما؟»
«هل تعرف حتى من تخاطب لتتصرف بهذا القدر من قلة الاحترام؟»
«ولماذا يهمني؟ لست مهتما»
طَقّ!
برز عرق في جبين بومدونغ، نفد صبره تماما
«أنا بومدونغ، دايجو وحدة التنين الطائر التابعة لتحالف الفنون القتالية»
«آه، هذا يفسر الأمر»
«…»
حتى بعد أن سمع لقبه، بقي الشاب هادئا بلا أي تردد، كان واضحا أنه يعرف منذ البداية
هل يتصرف هكذا وهو مدرك تماما لمنصبه؟
«ومن تكون أنت؟»
عند سؤال بومدونغ، أمال الشاب رأسه بلا اكتراث
«ولماذا أخبرك؟»
«ماذا؟»
«إن كنت من وحدة تحقيق، فحقق، لماذا تسألني؟»
«…!»
لم يكن الشاب يعرف من هو بومدونغ فقط، بل يعرف أيضا ارتباطه بوحدة التحقيق
«قد لا تستوعب الموقف بالكامل…»
وحين فهم بومدونغ ما يعنيه ذلك، اشتدت ملامحه وهو يتابع
«قد تكون مقاتلا ماهرا، لكنك أظهرت عداء تجاه دايجو تحالف الفنون القتالية»
إظهار العداء مباشرة لدايجو يعادل إعلان الحرب على تحالف الفنون القتالية
وبالنسبة لأي مقاتل من الفصائل المستقيمة، كان هذا فعلا لا يمكن تصوره
«متى فعلت ذلك؟»
هز الشاب كتفيه، وتلك الوقاحة أشعلت نارا في صدر بومدونغ
أراد أن يسحب سيفه في الحال، لكنه تمالك نفسه
«إنه قوي»
أقوى مما يستطيع التعامل معه بثقة
بل كان هناك احتمال أن يكون معلّما قديما متنكرا في هيئة شاب، بقناع لاستعادة الشباب
المخاطرة كبيرة جدا
«حتى لو ادعيت غير ذلك، هالتك ملأت هذه الغرفة، لا بد أن رئيسة الفرع رأتها أيضا»
نظر بومدونغ إلى مو يونغ هي آه طالبا التأكيد
«عفوا؟ أي هالة تقصد؟»
تركه ردها بعينين واسعتين بلا كلام
«هذه المرأة…!»
صحيح أن الهالة تجاوزتها وربما لم تشعر بها، لكن ردها المبالغ فيه كان واضحا أنه تظاهر بالجهل
ضحك الشاب عند ردها ثم عاد ينظر إلى بومدونغ
«آه، تقصد ذلك؟ كان مجرد مزاح»
«مزاح؟ تسمي ذلك مزاحا؟»
«طبعا، لهو بلا أذى»
«لهو؟! تظن أنك تستطيع تبرير هذا العرض بأنه لهو فقط؟!»
حين بدأ بومدونغ يرفع صوته، تجمدت ملامح الشاب
«من الأفضل أن يكون مزاحا، وإلا…»
قشعريرة
سرت قشعريرة على طول ظهر بومدونغ، فسكت فورا
لم تعد الهالة الخانقة، لكن جسده تجمد كأنه مكبل بسلاسل غير مرئية
وقبل أن يدرك ما يحدث، كان الشاب يقف أمامه مباشرة، ينظر في عينيه
«وإذا لم يكن مزاحا، فما فعلته أنت قبل قليل لن يكون مزاحا أيضا، أليس كذلك؟»
«…!»
ارتجف بومدونغ لا إراديا عند الكلمات، وانحدر العرق البارد على ظهره
«كيف؟»
اخترقت كلمات الشاب الغامضة صدر بومدونغ مباشرة، كان يقصد بوضوح الطاقة التي وجهها بومدونغ قبل قليل نحو مو يونغ هي آه
«كيف لاحظ؟»
كان إطلاقا خفيفا للطاقة، موجها فقط للمرأة التي أمامه مباشرة، لا للشاب
حتى لمن هو في مستوى عال، التقاط تقلب بسيط كهذا ليس سهلا
من يكون بحق؟
«أكاد أسمع التروس تدور في رأسك»
ومع تعليقه الساخر، خف التصلب في جسد بومدونغ
«دعنا نبسط الأمر، كان لدينا بعض اللهو فقط، أليس أسهل أن نتركها عند هذا الحد؟»
ربت، ربت
ربت الشاب على كتف بومدونغ، لمسته خفيفة لكنها مقلقة
كان موقفا محيرا، ولم يستطع بومدونغ فهمه من الأساس
وبسبب ذلك، لم يلاحظ الأثر الخفيف لشيء يتسرب إليه عبر لمسة الشاب
«أم تفضل أن نسحب السيوف هنا والآن؟ لست بارعا في الرقص، لكن إن أصريت فسأجاريك»
«…»
كل كلمة تخرج من فم الشاب كانت تحك أعصاب بومدونغ
«هذا سيئ»
سنوات بومدونغ في تحالف الفنون القتالية حذرته أن الوضع خطير
كانت في عيني الشاب نية حقيقية، لم يكن يخادع، كان مستعدا للقتال حتى الموت في قلب هانان
مجرد مواجهة نظرته جعلت بومدونغ يمد يده نحو سيفه غريزيا
هل يستطيع الفوز؟ لم يكن واثقا، شعر بأن شعر رقبته يقف
وعندما أدرك أن الإصرار بلا جدوى، سحب بومدونغ يده ببطء عن سلاحه
«…تسك»
حين تراجع بومدونغ أخيرا، تلاشت ابتسامة الشاب وكأنه فقد الاهتمام
وذلك، على نحو غريب، كان أكثر إزعاجا
«هو فعلا لا يهتم إن قاتلنا هنا والآن»
هذا الإدراك البارد جعل بومدونغ يستقيم في وقفته، لكنه قبل أن يغادر خاطب مو يونغ هي آه
«كما اقترحت رئيسة الفرع، سأعود لاحقا بتفويض رسمي مناسب»
«نعم، سأكون بانتظارك، للأسف لن أستطيع توديعك، لأننا تلقينا ضيفا آخر للتو»
ردت مو يونغ هي آه بابتسامة رشيقة، وتعاظم عبوس بومدونغ
«وأيضا…»
ألقى نظرة على الشاب، وكانت كلماته مشبعة بتحذير
«أظن أننا سنلتقي مجددا قريبا، وحين يحدث ذلك، آمل أن تعرّف بنفسك بشكل لائق»
كان تهديدا مغطى، بعد أن عومل بهذه الإهانة، كان بومدونغ واثقا أن طرقهم ستتقاطع مجددا
«تهرب وذيلك بين ساقيك ثم ترمي شجاعة فارغة؟ عفوا، كنت أفكر بصوت مرتفع»
«…»
قبض بومدونغ يديه، وارتعش جسده بغضب مكبوت، وفكر في سحب سيفه عشرات المرات على الأقل
«هوو…»
أطلق زفيرا عميقا ثم استدار ليغادر، وحين مر بجانب الشاب متجها إلى المخرج، لم يمنحه الآخر حتى نظرة واحدة
بعد أن اختفى بومدونغ تماما من المكان
«هاا…»
أخيرا أخرجت مو يونغ هي آه النفس الذي كانت تحبسه
التفت الشاب، غو يانغتشون، إلى الباب الذي خرج منه بومدونغ
«…لماذا لم توقفه؟» سألت مو يونغ هي آه، قاطعة الصمت
حوّل غو يانغتشون نظره إليها
«هل كان ينبغي أن أفعل؟»
«لا، تركه يذهب كان القرار الصحيح، كان سيصبح الأمر مزعجا لو لم تفعل»
في الوقت الحالي، إطلاق سراحه كان الخيار الأكثر حكمة
لكن…
«المفاجئ أنك تركته يذهب، هذا لا يشبهك»
كانت كلماتها تحمل سؤالا ضمنيا، هل هذا لا يشبه غو يانغتشون الذي أعرفه؟
عندها ضحك غو يانغتشون بخفة
«معك حق، عادة لم أكن لأفعل»
كان سيقتله في مكانه تقريبا
وقاحته كانت كافية لتشعل غضبا يجعله يريد إحراقه حتى لا تبقى شعرة واحدة
لكنه ضبط نفسه
«قلت لنفسي قد يكون مفيدا لاحقا، هذا السبب الوحيد الذي جعلني أتركه حيا»
«…»
كانت كلماته بلا أي دفء، كأنه يتحدث عن شيء لا عن إنسان
ذلك البرود في صوته جعل مو يونغ هي آه تبتلع ريقها بقلق
«…هل تعرفه؟»
كان في سلوكه شيء مألوف على نحو غريب
بومدونغ، دايجو وحدة التنين الطائر، أو «نصل الإبادة»
لم يكن غريبا أن يعرف غو يانغتشون شخصية بارزة مثله، لكن رد فعله بدا مختلفا
بعد لحظة تفكير، أجاب غو يانغتشون
«لا»
كان نفيه عاديا، ولم يكن كذبا، على الأقل في هذه الحياة
أما في حياة سابقة
فهذه قصة أخرى
«هاه»
حين تذكر بومدونغ، أطلق غو يانغتشون ضحكة قصيرة سطحية
أثار ذلك الذكر شيئا داخله، ففركت مو يونغ هي آه كتفها بقلق دون وعي
لم ينس، ولا وجها واحدا
وبومدونغ لم يكن استثناء
«مضى وقت طويل»
كيف لا يشعر بنوع من الحنين الملتوي؟
«ومن يصدق أن الحقير سيأتي إليّ مباشرة»
لم يحن دوره بعد
كان غو يانغتشون يخطط للتعامل مع أمور أخرى قبل أن يبحث عنه
لكن أن يظهر أمامه هكذا، وبذلك الضعف…
«كيف لا أفرح؟»
كان سعيدا لدرجة أنه بالكاد تمكن من كبح نفسه
أخفى يديه المرتجفتين داخل أكمامه، وابتسم ابتسامة عريضة
«يا للخسارة، لو ضغط عليّ قليلا أكثر، ربما كنت سأشهر نصلي»
لو حدث ذلك، لما استطاع منع نفسه من قتله
لكنه لم يفعل
«أو ربما كان سيستمر في التراجع حتى النهاية، لأنه جبان كما هو»
وعند التفكير بذلك، حرك غو يانغتشون أصابعه المرتجفة، وأجبرها على الثبات
«هل انتهى الأمر؟ هل نصعد إلى الأعلى الآن، أم لديك المزيد لتتعاملين معه؟»
«آه، لا، كنت على وشك الصعود فقط»
«جيد»
نهضت مو يونغ هي آه، وتبعها غو يانغتشون
كان وجهه باردا تماما وهو يدير ظهره
«تركت له هدية وداع، والآن كيف ألعب به؟»
لقد كان الأمر مثاليا، كان يحتاج شخصا مثل بومدونغ
«دعنا نستمتع معا يا دايجو»
كان بومدونغ حادا وكفؤا، وهذه الصفات هي التي جعلته ينال ثقة قائده السابق حتى أصبح قائدا لوحدة كبيرة
وبسبب هذه الصفات أيضا…
«لقد خان أسرع من أي شخص آخر»
كان بومدونغ، «سيف الكلب المسعور»، من أوائل من انشقوا إلى الجانب الشيطاني في بداياته، وقد كان يوما ما رئيس غو يانغتشون في تحالف الفنون القتالية
وعندما تذكر ذلك، قال غو يانغتشون في نفسه
«اجعل نفسك مفيدا قدر الإمكان قبل أن تموت يا دايجو»
وإن لم يفعل، فسيتأكد هو من ذلك
بعد ذلك صعدت إلى مكتب رئيسة الفرع مع مو يونغ هي آه
عندما دخلنا، نظر سودونغ، الذي كان قد رآني أخرج سابقا ثم أعود مع مو يونغ هي آه، إليّ بدهشة
لكن لم يكن بوسعه فعل الكثير، فابتسمت ابتسامة عابرة لأتجاوز الأمر
بدا أن الأمور قد هدأت، وكنت أخيرا مستعدا لأسترخي وأجري حديثا حقيقيا
إلى أن…
«…ماذا قلت للتو؟»
وجدت نفسي أحدق في مو يونغ هي آه بذهول تام
«ظهرت فئة جديدة في تشونغ يوان»
فاجأتني كلماتها
«يطلق عليهم ماغيو، طائفة الشياطين»
كان اسما أعرفه جيدا
«يقال إن معلّما لم يسمع به أحد أسسها، اسمه تشونما، الشيطان السماوي، وهم يهاجمون بلا تمييز الفصائل المستقيمة والطوائف غير المستقيمة على حد سواء»
تسلل إلى داخلي شعور غريب لا يمكن وصفه وأنا أستمع
لكن ذلك لم يكن أكبر مشكلة
«يبدو أن قوتهم كبيرة، تحالف الفنون القتالية يواجه صعوبة في جمع المعلومات عنهم، لكن وفقا لبعض الشائعات…»
ثم جاءت كلماتها التالية فأوقفتني في مكاني
«يقولون إن هوية تشونما قد تكون واحدا من المعلّمين المكرمين الثلاثة، بايجون، المعلّم المهزوم»
قالت مو يونغ هي آه ذلك بجدية
وقبل أن أستوعب ما قالت…
«…ماذا؟»
جاء صوت مذهول من خلفنا
كان من الرجل نفسه، بايجون السابق، الذي أصبح الآن الابن الثاني لعائلة بي، بي أويجين