تردد أنين منخفض في الهواء، صوت صادر من وو هيوك، المنحني داخل زنزانة مظلمة بلا ضوء
رغم أن أقل من نصف ساعة فقط مرت منذ أن بدأ غو يانغتشون «حديثه» مع وو هيوك، فإن ما حدث خلال تلك الفترة كان فوق الوصف
«هاه… هه…»
انهار أحد الحراس المتمركزين خارج الزنزانة على الأرض، عاجزا عن احتمال العنف الوحشي الذي رآه
لم تكن هذه معركة تتوقعها بين معارف، كانت الغرفة تفوح برائحة الدم، وملأت أصوات تحطم العظام المكان
كان الفانوس الخافت الذي بالكاد يضيء المساحة قد انطفأ في لحظة ما، ولم يبق سوى الظلام، ومع ذلك استطاع الحارس في العتمة الباهتة أن يلمح ما يكفي ليقشعر خوفا
طَق
وسط الصمت، انبثق صوت خشن، صوت عظام مكسورة تعيد ترتيب نفسها
تلألأت عينا غو يانغتشون بفضول عند هذا المشهد
كان الأمر مدهشا، من دون أن يرفع إصبعا، كانت عظام وو هيوك تعود إلى مكانها وحدها
«كسرتها بطريقة تسهّل الشفاء، ومع ذلك… أداء مثير للإعجاب»
جروح خارجية، إصابات داخلية، لا يهم، كل شيء يلتئم بسرعة، تجدد، سلطة تليق به حقا
«لو نزعت ذراعه، هل سيتجدد ذلك أيضا؟»
تذكر أن يوسون ومانغ كانا يملكان قدرات مشابهة، وتساءل إن كان وو هيوك يستطيع فعل الشيء نفسه
«مغر»
ارتجف وو هيوك تحت نظرة غو يانغتشون المهتمة، واهتز جسده كأنه التقط أفكاره
«أرخ… كح»
تقيأ وو هيوك دما بعنف، ليس بسبب إصابة جديدة، بل كجزء من عملية التئام جراحه الداخلية
«سيكون الأمر مشكلة إن لم يتعاف بشكل سليم، لذلك سأتجاوز هذه الفكرة»
رغم إغرائه، تراجع غو يانغتشون عنها
«لو كان جسدي أنا، ربما جربت، لكن بما أنه جسد وو هيوك فسأتركها»
هز رأسه لنفسه وتنازل غو يانغتشون
«…هاف… هاف…»
وبعد أن استقر جسده أخيرا، رفع وو هيوك نظره إلى غو يانغتشون بتعب واضح
«…أنا آسف»
كانت أول كلمة خرجت من فم وو هيوك اعتذارا، وهو آخر ما قد تتوقعه ممن تلقى ضربا مبرحا للتو
أطلق غو يانغتشون زفيرا طويلا
«ظننت أنني سأشعر بتحسن بعد ضربه، لكن…»
بدلا من ذلك شعر بمزيد من الضيق والاختناق، ومع هذا هدأت مشاعره قليلا، على الأرجح لأنه أدرك عبث ما فعله
سأل وو هيوك مباشرة: «لماذا فعلت ذلك؟»
«…»
«مهما كنت متهورا، لن تفعل شيئا كهذا بلا سبب، اشرح، اجعله شيئا يمكنني فهمه»
لم يكن الأمر أن غو يانغتشون يصدق أن لدى وو هيوك سببا بقدر ما كان يريد له أن يكون لديه سبب، كان وو هيوك بحاجة إلى تبرير نفسه
«سبب…»
أغمض وو هيوك عينيه كأنه يغوص في ماضيه، محاولا صياغة الدافع وراء ما فعل
«لا تبدأ بالاسترجاع»
قطعت ملاحظة غو يانغتشون الحادة شروده
«وفر الدراما، لخّصه في ثلاث سطور، أنا مشغول»
«…»
حدق وو هيوك في غو يانغتشون بعدم تصديق، فعبس غو يانغتشون
«ماذا؟»
«ألا يفترض أن تعطيني وقتا لأشرح على الأقل؟»
«ولماذا يهمني تاريخ حياتك؟ قل لي لماذا فعلت ذلك، وباختصار»
«…»
شعر وو هيوك بانزعاج غريب، لا يدري لماذا كانت كلمات غو يانغتشون تزعجه، لكنها فعلت، ومع ذلك كان قد استسلم لفكرة أن محاولة فهم هذا الرجل مضيعة للوقت
قال وو هيوك بابتسامة خجولة: «قد تكون ثلاث سطور صعبة»
«إذن اجعلها قصيرة فحسب»
«حين كنت صغيرا، حاول أبي قتلي»
«…رائع، بداية قوية، أكمل»
كتم غو يانغتشون انزعاجه، غيّر وضعه وجلس متربعا على الأرض الملطخة بالدم، غير مكترث بالفوضى
«كانت أمي تحب رجلا آخر سرا، وكان أخي الأكبر يخفي سرا لا يستطيع البوح به»
«…»
ازداد انزعاج غو يانغتشون مع كل كلمة
أطلق سعلة محرجة، هذا لم يكن ما توقعه
«وكان أبي رجلا يحلم بالتمرد، وكنت أعرف كل ذلك»
«يبدو أنك كنت شديد الانتباه»
لم يكن انتباها بقدر ما كان سماع أشياء لا ينبغي أن يسمعها، ولم يهتم وو هيوك بتوضيح ذلك
«وأنا طفل، لم أفهم خطورة تلك الأسرار، ذكرت ما أعرفه بلا اكتراث، ومن هناك بدأ كل شيء»
علاقة أمي الخفية
سر أخي
وخطة أبي الطموحة
لام نفسه لأنه تكلم، لأنه لم يعرف أن الصمت أأمن
«قتل أبي الرجل الذي كانت أمي تحبه، وحبس أخي في مكان لا يراه فيه أحد»
كانت نتيجة لا مفر منها، حين وصلت الأسرار إلى أبيه صار هذا المصير حتميا
شاهد وو هيوك أخاه وهو يُسحب على يد الجنود، يحدق به بحقد
ربما كان سرا أراد أخوه أن يدفنه إلى الأبد
«في ذلك الوقت تعلمت أن بعض الأمور لا يجب أن تُقال بصوت مسموع، لكن كان الوقت قد فات»
أما وو هيوك نفسه…
«نفاني أبي إلى مكان صغير ومعزول، غالبا خوفا من أن أكتشف مزيدا من أسراره»
كان ذلك بداية حياة وحيدة، أيام هادئة لكنها تصم الآذان بصمتها
ومع ذلك، كان هناك شيء أبقاه متماسكا
[«اسمي يوري»]
لولا خيط النجاة الضعيف الذي تشبث به، ربما انتهت حياة وو هيوك هناك
«لكن بعد ذلك حدث شيء ما»
«ماذا؟»
«انهار آخر حاجز كان يبقيني عائما»
«وما معنى هذا بحق—»
«يعني أنني لم أكن من دم أبي»
«…تبّا»
تفلتت الكلمة من غو يانغتشون دون قصد
إذن، ما فعلته أمه قاد إلى هذا؟
«حين أدرك أبي أنني لست ابنه، حاول قتلي»
سقط آخر قناع للروابط العائلية، ومع اختفاء أي سبب للتردد، تحرك أبيه بلا رحمة
كانت ليلة مريرة صاخبة
ملأت أصوات السهام والصراخ المكان بينما كان وو هيوك يهرب
لكن إلى أين يمكن لقدمي طفل أن تحملاه؟ كان الهروب من جنود مدربين مستحيلا دون مساعدة
وبسهم مغروس في كتفه، سقط وو هيوك، ليجد…
[«آنسة، أهذا هو الفتى؟»]
كان رجل أشيب الشعر يقف بين جثث الجنود الساقطين
أضاء ضوء القمر شعره الأزرق الشاحب وعينيه الزرقاوين الحادتين
«انتظر… ذلك الرجل، أكان—»
«نعم، كان معلمي»
هكذا التقى وو هيوك لأول مرة نامغونغ هيونغ، ناسك وودانغ
وبجوار نامغونغ هيونغ وقفت…
[«نعم، هو»]
فتاة صغيرة شعرها أشد بياضا حتى من شعر معلمه
«…أفهم»
أومأ غو يانغتشون بخفة، بدأت قطع القصة تستقر في مكانها
«لا عجب أن ابن بحر الشمال انتهى به الأمر في تشونغيوان وانضم إلى وودانغ»
لا بد أن الناسك هو من أحضره
«لكن ماذا كان يفعل في بحر الشمال أصلا؟»
جاءه الجواب تقريبا على الفور
«آه، ناب الرعد»
كان نامغونغ هيونغ قد امتلك يوما ناب الرعد، سيفا ارتبط بصوت نامغونغ ميونغ وأصلها في بحر الشمال
«إذن هكذا نجا وو هيوك»
صارت الخلفية أوضح الآن، لكن شيئا ما ظل لا ينسجم
«هربت وعشت في تشونغيوان… إذن لماذا فعلت هذا؟»
كانت هناك قطعة حاسمة مفقودة
«…الانتقام»
ما إن قالها حتى اندفع غو يانغتشون بقبضته ووجه لكمة قوية إلى وو هيوك
بوم!
«أوغ!»
«لا تبدأ بتفاهات، أتريد أن تموت؟»
لم يستطع كبح نفسه، انتقام؟ هذا سخيف، غو يانغتشون يعرف وو هيوك أكثر من ذلك
«لو كنت أنا ربما، لكن ليس هو»
لم يكن وو هيوك من النوع الذي يعيش أسيرا للثأر
«أنت تخفي شيئا مهما بوضوح، هل ستستمر في التظاهر بالغباء؟»
صرّ غو يانغتشون على أسنانه وحدق فيه
«بدلا من اعتذارات لا معنى لها، أريد أن أسمع لماذا كان يجب أن تفعل ذلك، هذا ما يهمني»
«…في ذلك الوقت، ظننت أنه الخيار الوحيد»
«ولماذا كان كذلك؟»
«واجه معلمي الأميرة الأولى ليمنعها، لكنه انهار أمام هجومهما معا، ثم اقتربت مني الأميرة الأولى بخيار: حياة معلمي أو حياة يوري»
على الأقل لم يكن وو هيوك من أسقط نامغونغ هيونغ، كان ذلك مصدر ارتياح صغير
«إذن لم يكن أمامك خيار سوى إنقاذهما؟»
«…إنها حجة فقط»
«نعم، هي كذلك»
الأمر نفسه ينطبق على ما حدث مع نامغونغ بي آه، سماع الشرح لا يغير شيئا، غو يانغتشون كان يعرف الصورة العامة
عطل وو هيوك طريق الهروب لتسهيل فرار نامغونغ بي آه، وحين بدا أنها لن تنجو، تدخل وو هيوك وأشعل سلسلة الأحداث
لكن…
«أنت تعرف مثلي أنه مهما بدا سببك جيدا، فهو لا يعني الكثير»
«…»
«وهذا ما يغيظني أكثر، ماذا؟ ستبقى هنا؟ ترفض العودة إلى تشونغيوان لتدفع ثمن ذنوبك؟»
أمسك غو يانغتشون وو هيوك من ياقة ثوبه وجذبه نحوه
«أي ذنوب؟ هل تطاردك وجوه موتى بحر الشمال؟»
«…يانغتشون»
«لا تردد هذا الكلام الفارغ يا وو هيوك، تعفنك في هذه الزنزانة طوال حياتك ليس توبة، إنه هروب، أيها الأحمق»
توهجت عينا غو يانغتشون وهو يحدق فيه
«إن كنت متعطشا للتكفير، فلماذا لا تشق عنقك هنا والآن؟ أليس هذا أليق؟»
«…»
«ما الذي يوقفك؟ الندم؟ الذنب؟ أم ربما… يوري؟»
عند ذكر يوري، تصلبت عينا وو هيوك
«إذن ماذا لو قتلتها؟ هل ينهي ذلك ترددك؟»
«أنت—!»
اشتعلت طاقة وو هيوك، لكن غو يانغتشون أطفأها بلكمة سريعة إلى بطنه
دوم!
«أوغ—!»
«إذن النساء ثمينات عندك، ثمينات بما يكفي لتنسى ذنبك وتغضب فحسب؟»
التوت ملامح غو يانغتشون بازدراء وهو ينظر إليه من أعلى
«كنت مثلك، أيها الأحمق»
قذف وو هيوك نحو الجدار، وانزلق جسده إلى الأرض بصوت مكتوم
تحطّم!
«هل تدرك حتى مع من عبثت؟»
حاول كبح مشاعره، لكنها تسربت رغم ذلك
«بالطبع لا، أنت ما زلت لا تفهم، وأنا لم أفهم وقتها أيضا، أريد أن أجعلك تفهم، لكنني لا أستطيع، لذلك أكبح نفسي»
بدأت حرارة تتصاعد من غو يانغتشون وتملأ الزنزانة، قبض على صدره محاولا ألا تنفلت طاقته
«أنا أكبح نفسي، تبّا، السبب الوحيد الذي يجعلني لا أقتلك الآن أنك صديقي، هذا السبب الغبي الوحيد الذي يبقيك حيا»
ضغط نية القتل إلى الداخل، كبتها حتى لا تتسرب
«لذلك إن أردت أن تتوب أو تعتذر أو تبحث عن غفران، فافعل ذلك لي أنا، لا لأناس مجهولين من بحر الشمال»
«…»
«ما هذا؟ ما زلت لا تستطيع؟ طبعا لا تستطيع، أنت لست مثلي، لست محطما كما أنا»
كان غو يانغتشون يعرف هذا أكثر من أي أحد، وو هيوك ليس مثله
ولهذا كان يجب حسم الأمر
«إذن عِش به، سأحرص أن تفعل»
«…ماذا تنوي—»
«لو كنت سأتركك خلفي فقط لأنك لا تريد القدوم، لما تكبدت عناء تمثيلية مع سيد القصر»
خطوة
تقدم غو يانغتشون خطوة مقصودة نحو وو هيوك
«رأيك لا يهمني يا وو هيوك، لن أستهلك طاقة لإقناعك، سأختار الطريق الأسهل»
انحنى ليقابل نظره، وتعابيره صلبة لا تلين
«ستعيش وتساعدني، فقط اتبعني بصمت»
«يانغتشون… قلت لك إنني لا أريد المغادرة—»
«إن لم تفعل، سأقتل يوري»
«ماذا؟»
انخفض صوت وو هيوك إلى برودة قاسية، وصارت نظرته حادة كالنصل، لكن غو يانغتشون لم يرمش
«كانت هناك شروط لأخذي لك من سيد القصر، أتريد أن تعرف ما هي؟»
لم يكن جزءا من خطة عظيمة، كانت الظروف قد توافقت فحسب
«عليّ أن أحضر يوري إلى تشونغيوان»
«…!»
«وصدقني، أنا أنوي أخذها إلى هناك»
لم يكن غو يانغتشون ينوي مجاملة مشاعر الصداقة أو مشاركة وو هيوك ذنبه، كان يفضل إنهاء الأمور بطريقته
«إن كنت ما زلت تريد البقاء هنا، حسنا، لكن فكر جيدا فيما قد أفعله بيوري حين آخذها إلى تشونغيوان»
أو الأسوأ… قد يقتلها مباشرة
حتى وهو يتكلم، اندفعت داخله موجة كراهية للذات
كان يفعل بوو هيوك تماما ما فعله تشونما به في حياته السابقة
لكنه تحمل، لم يبق له قاع أدنى ليسقط إليه
بعد أن ألقى إنذاره، نهض غو يانغتشون
«لديك حتى الغد لتقرر، افعل ما تريد»
ثم أدار ظهره لوو هيوك وخرج من الزنزانة
وأثناء خروجه، قال غو يانغتشون لنفسه
«لا شيء يكون سهلا أبدا»
مهما كان الأمر، لا شيء في الحياة يأتي بسهولة أبدا