حدث أمر غير متوقع أثناء عبورهم الغابة
“هاه… هاه…”
كانوا قد توقفوا ليلتهم على مسار الغابة المؤدي إلى هانام، ونصبوا مخيما قرب قلب الأحراش
وخلف العربة ذات الراية الحمراء، أعمق قليلا داخل الغابة…
“هوو…”
بالقرب من جدول ضحل تتناثر فيه الحصى ويتدفق ماؤه بهدوء، جثت امرأة على ركبة واحدة
قعقعة…!
استندت إلى سيفها كأنه عكاز، بالكاد تحافظ على توازنها
“هاه… هوو…”
كانت المرأة الشقراء تلهث وهي تمسح العرق عن جبينها
كانت رؤيتها ضبابية، وجسدها يرتجف من شدة الإرهاق، وبدا أنها قد تنهار في أي لحظة، ولم يكن الأمر مجرد مظهر، فهي تعرف ذلك
لقد بلغ جسدها حدوده بالفعل، ولن يكون غريبا أن تفقد الوعي في تلك اللحظة
لكنها لا تستطيع
على الأقل، ليس أمام الشخص الواقف أمامها
“أوغ…”
أطلقت أنينا متعبا وهي تجبر نفسها على الوقوف، وكان الألم ينهش جسدها كله
منذ انطلاقها في هذه الرحلة، وهي بالكاد تستحق أن تسمى رحلة، كانت حالتها هكذا طوال الوقت
ومع ذلك لم تندم، فقد كان كل شيء باختيارها
“هف…”
كبحت أنفاسها المتقطعة، ثم شبكت يديها المرتجفتين وانحنت باحترام
“شكرا… على إرشادك”
“هم”
وجهت المرأة الشقراء، وي سول آه، كلماتها إلى الرجل أمامها، فهز رأسه اعترافا
كانت أرض الحصى مدمرة بالفعل، محفورة بعلامات سيوف طويلة مسننة، وكانت الأرض تحمل آثار عاصفة عنيفة، باستثناء واحد فقط، المكان الذي يقف فيه الرجل
كأن تلك البقعة وحدها لم يمسها الخراب
ابتلعت وي سول آه ريقها وهي تحدق فيه
“…لم أقترب حتى”
مهما لوحت بسيفها بلا كلل، لم تلمسه حتى خدشا، فضلا عن أن تدفعه خطوة واحدة إلى الخلف
كانت الفجوة بين مستوييهما مرعبة
فررر…
كان سيفها، المغروس في الأرض، يطن بخفوت
رغم أنها سحبت طاقتها الداخلية بالفعل، ظل النصل يهتز، شاهدا على إتقانها كسيافة، ومع ذلك، أمام خصمها، لم يعد لذلك الإتقان أي معنى
“لا يليق أن أسمي هذا إرشادا، لا بد أنك لم تكسب شيئا منه”، قال الرجل بصوت منخفض ثابت
ابتلعت وي سول آه ريقها بصعوبة
“أ… أعتذر”
“لا حاجة للاعتذار، كان مجرد ملاحظة”
قرمش
تخطى الرجل الطويل الحصى، وتقدم نحوها ببطء، غو تشيولوون
“لا جدوى من متابعة هذا التبادل، أنت تفهمين ذلك أيضا، أليس كذلك؟”
عضت وي سول آه شفتها عند كلماته
كان الفارق بين قدراتهما مستحيلا تجاوزه، ولم يعد هناك ما تكسبه من هذا التدريب
تقييم غو تشيولوون الجاف والواضح جعلها تتنهد في داخلها
“شكرا لك، لقد كسبت الكثير منك يا سيدي غو”
كان الاعتراف بالحقيقة اختيارها
أومأ غو تشيولوون عند كلماتها، ثم قال مجددا
“لا أعرف ما الذي تفكرين به، لكن إن كنت تبحثين عن طريق أعلى، فقد تحتاجين إلى البحث عن جدك”
عند ذلك تردد بصر وي سول آه
جدها
ترددت، عاجزة عن الرد فورا على اقتراح غو تشيولوون
“هم”
رأى ترددها، ولم يظهر غو تشيولوون أي انفعال واضح، ثم عاد للمشي وكأنه غير مبال
لم يتكلم ليستدر منها جوابا، بل ليقدم نصيحة فقط، أما أن تعمل بها أم لا، فذلك أمر يعود لها وحدها
وبينما واصل غو تشيولوون السير، نظر حوله
كانت الغابة هادئة وساكنة
لقد مر نحو عشرة أيام منذ بدء رحلتهم
كم تبقى لهم للوصول؟
ليس كثيرا، في أقصى تقدير بقي نحو سبعة أيام من السفر
“هانام، أليس كذلك؟”
وبينما يفكر في وجهتهم، أخرج غو تشيولوون رسالة من ردائه
كانت رسالة من التحالف القتالي، تفصل حدثا كبيرا سيقام بعد بضعة أشهر
مهرجان التنين السماوي القتالي
تجمعا ضخما للمقاتلين يستضيفه التحالف
ورغم أن ملامح غو تشيولوون بقيت هادئة وهو يقرأ الرسالة، إلا أن شرارة حرارة لمعت في عينيه
هل اهتم فجأة بالمهرجان؟ بالطبع لا
بالنسبة لغو تشيولوون، كانت أمثال هذه الأمور بلا معنى
كان الأمر مجرد…
“أتساءل…”
تذكر ابنه الوحيد
“أي صورة سيظهر بها؟”
تعلقت أفكار غو تشيولوون بابنه حين…
“سيدي غو”
جذبه الصوت إلى الحاضر
وأمامه وقفت امرأة صغيرة ذات عينين مائلتين قليلا، غو يونسو، الابنة الثانية لفرع عائلة سانسو
بصوت متردد وناعم، خاطبت غو تشيولوون
“العشاء جاهز… كنت أتساءل إن كنت ستنضم إلينا”
قوبلت رهبتها بإيماءة بسيطة من غو تشيولوون
“سأنضم بعد قليل”
“أوه! نعم يا سيدي!”
أشرق وجه غو يونسو بالارتياح لجوابه، وعند رؤية رد فعلها، شعر غو تشيولوون بمزيج من المشاعر
وأكبرها تأنيب النفس
ومع ذلك…
“لقد اقترب الوقت”
كان الوقت يلاحقه
حتى وهو يحاول تأجيله، لم يستطع غو تشيولوون إيقاف زحف الزمن الحتمي
كانت اللحظة تقترب
“لقد بلغ سن الرشد”
كان وقت تسليم منصب الوريث لابنه يقترب بسرعة
“لن يكون سهلا”
لم يكن شيء سهلا قط، المسؤوليات التي يحملها، والأعباء التي تراكمت فوقه، جعلت كل خطوة ثقيلة
امتلأ ذهنه بهذه الأفكار بينما…
هووش
مرت نسمة دافئة بين الأشجار، تذكره بأن الصيف لا يزال باقيا
وبينما شعر غو تشيولوون بالنسيم واستعد ليخطو خطوة أخرى…
فرررر!
تجمد في مكانه
اهتزاز صدر من صدره
مد يده داخل ردائه، وأخرج كيسا صغيرا أصفر اللون
وبعجلة غير مألوفة، مزقه
مزق!
تمزق القماش كأنه ورق، كاشفا عن حجر كريم أحمر متوهج ارتفع في الهواء
تقطبت حاجبا غو تشيولوون حين عرفه
جوهرة غويسا
أحد الكنوز الثمانية لعائلة غو، وكان قد أعطاه لزوجته، مي هوران
كان للجوهرة قوتان، الأولى أنها تستجيب لجوهرة مطابقة أخرى عندما تُغذى بالطاقة
ولأن غو تشيولوون كان قد أوصى مي هوران ألا تستخدمها إلا في المواقف القاتلة، فقد عرف…
“إن كانت تتوهج…”
اشتد قبضه على الجوهرة
طقطقة!
ارتجفت الحصى تحت قدميه بخفوت
من الواضح أن الموقف انقلب فجأة إلى وضع خطير
أشع جسد غو تشيولوون حرارة وهو يقرر خطوته التالية، ولحسن الحظ كانت للجوهرة قوة ثانية
طقطق!
سحقها في يده
هووش!
في لحظة، التهمت النيران جسده
“أوه، سيدي غو! و… هم؟”
كانت غو يونسو قد التفتت لتكلمه مجددا، لكنها توقفت فجأة
في المكان الذي كان يقف فيه غو تشيولوون، لم يبق سوى فراغ
خرررر…
اهتز هدير الوحش الغليظ في المكان بينما تمايل جسده الضخم ثم سقط على ركبتيه
دوي!
هزت صدمة سقوطه الأرض
كان كتفه الأيسر حتى نصف جذعه ومعظم فكه قد مُسحا تماما، فتمدّد على الأرض
رغم جهود ثلاثة مقاتلين في مستوى هواغيونغ وآخر في قمة جولغيونغ، كانوا قد عانوا حتى لِخدش حاجزه، ها هو الآن مطروح بيسر مزعج
كار… كرك…!!
ملأت عواءات الوحش المتألمة الجو وهو يتلوى من الألم، وعلى مقربة، أطلق بايجون بي جو ضحكة جافة وهو يراقبه
“هيه، وغد عنيد”
رغم فقدانه نصف الجزء العلوي، وهو جرح قاتل عادة، ظل الوحش متشبثا بالحياة، حتى بدا أن حيويته سخيفة
لكن ما كان مذهلا حقا لم يكن الوحش
“الأكثر إثارة من ذلك المخلوق المشوه…”
حوّل بي جو نظره إلى الشخص الواقف بجانبه، المسؤول عن إيصال الوحش إلى هذه الحالة البائسة
تقدم رجل إلى الأمام، وأحذيته تقرمش فوق الركام المتناثر
لم يكن طويلا جدا، كان طوله نحو مترين، لكن كتفيه العريضتين وهيبته الطاغية كانتا واضحتين
كان رداؤه القرمزي، المزدان بحواف ذهبية، يرفرف قليلا في الريح
هووش…
أشعت حرارة من كتفه الأيمن، حيث كان ذراعه يتوهج بلون لهبي خافت، وحتى شعره الذي تحول إلى أحمر داكن بدا كأنه يتقد، كأنه مشتعل
“هاه”
ضحك بي جو غير مصدق، وجسده يفضحه رغم الابتسامة العابثة على وجهه
غطى القشعريرة ساعديه، وانسابت قطرات عرق بارد على ظهره
مجرد الوقوف قرب هذا الرجل جعل جسد بي جو يتحفز غريزيا، ذلك هو الإحساس الذي يثيره
“أصحاب ذلك اللقب…”
فكر بي جو وهو يكبت ارتجافة، “…إنهم يسلكون طريقا مختلفا حقا”
لم يكن الرجل الذي مر بجانبه محاربا عاديا، بل كان وحشا من نوع آخر، وحشا تجاوز على الأرجح مرتبة تشيونوي تشيون، مرتبة الحر الطليق
“حتى لو كنت في أوجي، لن أستطيع توقع نتيجة قتال معه”
رغم أن ذروة بي جو كانت تبدو أفضل للوهلة الأولى، إلا أن الفارق خادع، لقد تجاوزت قدرات هذا الرجل الفهم المعتاد
قبض بي جو على يده، وكبت روح التحدي التي اندفعت بداخله، فمشهد تلك القوة يوقد رغبة بدائية في منازلتها
“لماذا هو هنا؟”
لم يكن الرجل سوى غو تشيولوون
المعروف بحامي سانسو، قوة صامتة يعترف بها حتى التحالف القتالي، شخصية متجاوزة، وابن صديق، وأب لمتدرب
لكن قبل كل شيء…
“…رجل قد يكون بلغ التجاوز الحقيقي”
توقف غو تشيولوون أخيرا، ووقف بجانب بي جو
هووش…
جففت حرارة غو تشيولوون الهواء، واستبدلت البرودة المعتادة التي كانت تحيط بالمكان بدفء خانق
“كانت… طريقة غير مريحة إلى حد ما التي استخدمتها”، علّق غو تشيولوون بصوت منخفض رنان
ابتسم بي جو بخفوت، وهو يعرف تماما ما الذي يقصده غو تشيولوون
“إذن انتبهت”
لم يكلف غو تشيولوون نفسه حتى بالنظر إلى بي جو، مثبتا عينيه إلى الأمام، فتحدث بي جو مجددا
“تأخرت في الظهور، أعترف أنني كنت… وقحا بعض الشيء، أعتذر”
كان بي جو يعرف أن غو تشيولوون يراقب طوال الوقت، لكنه لم يكن متأكدا متى وصل تحديدا، لذا افتعل استفزازا، مدعيا أنه سيؤخر الوحش بينما يهرب الآخرون
وبالطبع لم يكن يقصد ذلك، فلم يكن لدى بي جو أي نية للموت
كما توقع، ثار تلميذه العنيد غضبا، وكان ذلك وحده كافيا لإخراج الرجل الذي يراقب من الظلال
“…أبي؟”
مزق صوت غو يانغتشون، المشوب بالارتباك، جو التوتر، بدا مذهولا كأنه يعجز عن فهم ظهور والده المفاجئ
لم يرد غو تشيولوون، ظل بصره مثبتا على الوحش أمامه
خررررر…
تحرك الوحش، وبدأ لحمه وعظمه المفقودان يتجددان بسرعة مقززة، وببطء ولكن بثبات عاد جسده إلى حاله
صراخ حاد…!!
في ثوان معدودة، شُفي الوحش بالكامل، وصار شكله الذي مُسح قبل قليل كاملا من جديد، وكانت سرعة تجددّه وحشية
وبعد أن اكتمل، انقض على غو تشيولوون
دوي! تحطم!
اندفع بسرعة مرعبة، ومخالبه الحادة كالشفرات تستهدفه مباشرة
لكن…
فووش!
اشتعلت ومضة حرارة خاطفة…
دوي! تناثر!
كرك…!؟
…وانفجر ذراع الوحش مع جزء من جذعه قبل أن يلامس ضربته، واحترقت البقايا واسودت
ورغم هذا الخراب، بدأ الوحش يتجدد من جديد
لم يرمش غو تشيولوون حتى، قبض يده، وبدأت كفه الكبيرة تشع بوهج خافت
هووش!
وبحركة بسيطة غير متكلفة، لوّح بقبضته
دوي مدوّ
صراخ حاد!!!
تموجت صدمة الضربة في الخارج، وترنح الوحش حين مُسح جانبه الذي كان يتجدد مرة أخرى
“ما هذا بحق…”
تمتم غو يانغتشون بصوت يقطر عدم تصديق
لقد تطلب الأمر كل قوته، واستخدام القوة الماورائية لسيمسانغ، حتى يكسر حاجز الوحش، ومع ذلك كان غو تشيولوون يحطمه بسهولة مع كل ضربة
قرمش! دوي!
صراخ حاد… كرااااه…!!
تخبط الوحش بيأس، عاجزا عن شن هجوم مضاد حقيقي أمام هجوم غو تشيولوون المتواصل
دوي!
صراخ حاد…!
كان فرق الحجم مضحكا، فالوحش كان أكبر من غو تشيولوون بعشر مرات على الأقل، ومع ذلك كان يترنح مع كل لكمة، كأن ضخامته بلا قيمة
هل ضعف بعد المعركة السابقة؟
“لا… ليس هذا”
رفض غو يانغتشون الفكرة، فقوة تجدد الوحش وقوته كانتا كما هما
الأمر بسيط
“…حاجزه لا يستطيع مجاراته”
في كل مرة يضرب فيها غو تشيولوون، يتحطم حاجز الوحش، ولا يكاد يبدأ إصلاحه حتى تأتي ضربة أخرى فتحطمه مجددا
لم تكن هذه معركة، بل عنف صاف كاسح
ضربات غو تشيولوون لم تكن قوية فقط، بل كانت تحمل قوة تتجاوز القوة الجسدية
“هل… هل كل ضربة منه مشبعة بسيمسانغ؟”
لم يكن الأمر مقتصرا على قبضته أو تقنيته، كل حركة وكل ضربة بدت محملة بطاقة ماورائية
ومع ذلك، وسط دهشته المتزايدة، ظل سؤال عالقا في ذهن غو يانغتشون
“…لماذا أبي هنا؟”
كان غو تشيولوون، الذي يفترض أن يكون بعيدا في سانسو، هنا، يحطم الوحش أمامهم بسهولة
صراخ حاد…!!!
أطلق الوحش عواء نافذا وهو يلوح بمخالبه
قرمش!
حطمها غو تشيولوون
هووش!
اندفع ذيله الضخم نحوه
دوي!
واجهته قبضة غو تشيولوون في منتصف الحركة، ولوته باتجاه غير طبيعي
تكرر هذا النمط من التدمير والتجدد بلا نهاية
كرااااه…!!!
الوحش الأحمق، المدفوع بالغريزة وحدها، رفض التراجع، وبأطرافه المشوهة اندفع للأمام، مكشرا عن أنيابه نحو غو تشيولوون
قرمش!
لم يراوغ غو تشيولوون، بل مد يده وأمسك بفم الوحش المفتوح على اتساعه
طحن!
دفعت قوة الوحش الهائلة جسد غو تشيولوون ليتزحزح قليلا إلى الخلف، وكأنها تختبر حدوده
“همف”
مع زفرة قصيرة حادة، شد قبضته
تمزيق!
صراخ حاد…!!
تمزق فك الوحش في رذاذ مقزز من اللحم والسائل اللزج، ومع صراخه من الألم أخذ يتخبط بعنف
قفز غو تشيولوون إلى الهواء، وضم قبضته إلى الخلف، ثم وجه لكمة مدمرة
طم!
اخترقت الضربة جذع الوحش
دوي مدوّ
اندفعت طاقة داخلية من قبضته، فقذفت الوحش إلى الخلف، وطارت كتلته الهائلة في الهواء قبل أن ترتطم بالأرض بصوت كالرعد
دوي!
أطلقت الصدمة الناتجة عاصفة من الثلج والركام
لم يستطع غو يانغتشون إلا أن يحدق، عاجزا عن الكلام
“الآن…”
ما الذي شاهده للتو؟
كان مذهولا ومشوشا، فالموقف اليائس الذي بدا ميؤوسا منه انقلب في لحظة
لكن أكثر من أي شيء…
“…هل كان أبي قويا إلى هذا الحد دائما؟”
تعلق بصره بظهر غو تشيولوون، الرجل الذي قذف وحشا من الرتبة البيضاء كأنه لعبة بدا الآن أضخم وأكثر مهابة
كان غو يانغتشون يعرف دائما أن والده أقوى مما تقول الإشاعات
“مصنف في الدرجات الدنيا من المعلمين العظماء المئة لدى الفصائل المستقيمة؟”
كانت فكرة مضحكة
لو كان والده بهذه الدرجة من الضعف، لانتهت حرب الشيطان السماوي لصالح التحالف القتالي منذ زمن طويل
لا، لم يكن غو تشيولوون قويا فحسب، بل تجاوز ذلك القياس منذ وقت بعيد
فهو في النهاية…
“لقد هزم تشيونجون”
أحد الشيوخ العظام الثلاثة، تشيونجون، هُزم على يد غو تشيولوون في لقائهما تحت عشيرة تانغ
“صحيح أن تشيونجون لم يكن في أفضل حالاته حينها…”
لكن الانتصار يبقى انتصارا، وهذا يعني أن والده يستطيع مجاراة الشيوخ العظام، وربما يتجاوزهم
وليس هذا فقط
“هو من ألحق جرحا حاسما بالشيطان السماوي”
رغم أن ما تلا ذلك ترك غو تشيولوون ضعيفا وملوثا بطاقة شيطانية، إلا أنه دفع الشيطان السماوي إلى حافة الموت
“إلى أي حد هو قوي فعلا؟”
تذكر غو يانغتشون ما قاله نويا ذات مرة، أن العالم بات يحمل لعنة، وأن الجدران إلى المراتب الأعلى صارت أثخن وأخفض مما كانت في الماضي
في عالم كهذا، إلى أي ارتفاع صعد غو تشيولوون؟
أي مرتبة بلغ؟
“هل أستطيع أن أبلغ ذلك الارتفاع يوما؟”
تساءل غو يانغتشون، وقبل أن يسترسل أكثر، قطع صوته العميق أفكاره
“يانغتشون”
انتفض غو يانغتشون غريزيا
“ن… نعم؟”
“كيف حال جسدك؟”
“إ… إنه بخير”
لم يكن هذا صحيحا تماما، فالجرح على صدره كوي على عجل بالطاقة الداخلية، وطاقة وعائه استنزفت تماما بعد استخدامه رمح اليشم اللهيبي عدة مرات
ومع ذلك لم يستطع الاعتراف بذلك
كان التظاهر بالضعف أمام والده أمرا لا يمكن تصوره
“أفهم”
أومأ غو تشيولوون قليلا، وقبل جوابه دون سؤال إضافي
كان الصمت الذي تلا ذلك ثقيلا
“…يجب أن أسأله لماذا هو هنا”
أراد غو يانغتشون أن يسأل عن ظهور والده المفاجئ، لكنه تردد، ولم يكن لسبب كبير
“…لقد مر وقت طويل منذ رأيته”
منذ محاولته الفاشلة لصقل رمح اليشم اللهيبي التي تركته مصابا بشدة، وبخه غو تشيولوون بقسوة، وبعد ذلك لم يلتقيا مباشرة
رغم أن الرسائل كانت تُنقل عبر وسطاء، فقد مر وقت طويل منذ تحدثا وجها لوجه
ولم يكن غو يانغتشون قد تجنبه عمدا…
“…لا، لقد تجنبته بالفعل”
صحح فكرته في منتصفها، لقد تجنب والده إلى حد ما، وهذا جعل الموقف الحالي محرجا
ومع امتداد الصمت المزعج، كان غو تشيولوون هو من كسره
“يانغتشون”
“نعم؟”
“تلك التقنية التي استخدمتها، هل طورتها بنفسك؟”
“…؟”
احتاج غو يانغتشون لحظة ليدرك أن والده يقصد رمح اليشم اللهيبي
“إذن رآها”
هذا يعني أن والده شاهد نسخته المعدلة من التقنية
“متى بدأ يراقب؟”
لم يستطع غو يانغتشون الجزم، لكن الأهم الآن كان…
“…هل سيوبخني؟”
رغم عمره، وجد نفسه يقلق من توبيخ آخر، فقد استخدم تقنية لم يكن ينبغي له استخدامها، واستعد لمحاضرة جديدة
“أحسنت”
“…!”
على عكس توقعه، لم تكن كلمات غو تشيولوون توبيخا، بل كانت ثناء
“ليس سيئا أبدا”
عند سماع موافقة والده غير المتوقعة، لم يستطع غو يانغتشون إلا أن يبتسم، وحين أدرك رد فعله، استدار بسرعة وغطى فمه بيده
لكن لا فائدة، فالدفء الذي صعد في صدره كان واضحا، فرحة طفولية لا يمكن كبتها
وبينما حاول إخفاءها…
فووش!
“هم؟”
انتباه غو يانغتشون قفز للأمام حين شعر بطاقة مألوفة
هناك، في يد غو تشيولوون، كان يوجد يَشم لهبي
لكن هذا لم يكن النسخة الخام غير المستقرة التي صنعها غو يانغتشون، بل كان أكثر كثافة وأسرع وأكثر تهذيبا
“هل صنع ذلك ليهاجم الوحش؟”
مرت الفكرة في ذهنه وهو يراقب اليشم اللهيبي يدور أسرع
صراخ حاد…!
بدأ الشكل يتشوه ويتحول
“…!”
اشتدت الطاقة، وضغطها وحده كان ساحقا
اتسعت عينا غو يانغتشون دهشة، هذا هو ما كان ينبغي أن يكون عليه رمح اليشم اللهيبي، شكل متقن، مسيطر عليه بالكامل، ثابت
تفقد غو تشيولوون الرمح في يده، وصوته هادئ لكنه حاسم
“ما زال خشنا عند الأطراف، لكنه جهد محمود بنتيجة جيدة”
ثم نقل نظره إلى غو يانغتشون
“تابع تحسينه”
وبذلك، بدد غو تشيولوون الرمح، وتلاشت طاقته في الهواء
فووش!
ومع تلاشي الطاقة، سأل غو يانغتشون بصوت مرتجف
“ك… كيف؟ كيف فعلت ذلك؟”
رمح اليشم اللهيبي كان من صنعه، تقنية طورها بنفسه، حتى لو تجاوز غو تشيولوون ابنه في كل شيء، فإن صنع نسخة متقنة كهذه بهذه السهولة كان غير معقول
نظر غو تشيولوون إلى ابنه، وملامحه بدت شبه مستغربة
“أنت من أريته لي، أليس كذلك؟”
“…من ذلك؟”
من المحاولة الخام الأخيرة التي استخدمها ضد الوحش؟ هل كان ذلك وحده كافيا لوالده ليقلدها ثم يتقنها؟
التوت ملامح غو يانغتشون من فرط عدم التصديق
أما غو تشيولوون، فأطلق الضربة القاضية بنبرة عادية
“هل كان ذلك يفترض أن يكون صعبا؟”
“…”
تنهد غو يانغتشون في داخله
“تباً لهذه الحياة”
عدم عدالة الموهبة الفطرية تركه مترنحا، وقبل أن يستوعب أفكاره بالكامل…
خررر…
قطعه صوت الوحش وهو يتحرك
“تباً له”
رغم كل ما تلقاه، كان الوحش ينهض مجددا
“ألا توجد طريقة لقتله؟”
بدت قدرته على التجدد وحيويته بلا نهاية، وكان الإحباط خانقا
في تلك اللحظة…
هووش!
رفرف رداء غو تشيولوون القرمزي في الريح وهو يقول
“لقد قدمت عملا جيدا، سأعطيك مكافأة”
“ماذا؟”
خطا غو تشيولوون إلى الأمام، وحذاؤه يقرمش فوق الثلج
صراخ حاد…!!!
زمجر الوحش من بعيد، لكن غو تشيولوون واصل التقدم دون اكتراث
“يانغتشون”
كان صوته ثابتا آمرا
“هذا أمري”
استقام غو يانغتشون غريزيا عند تلك النبرة
“من الآن فصاعدا، لا ترفع عينيك عني ولو لحظة واحدة”
ثقل كلماته ضغط على غو يانغتشون وهو يراقب ظهر والده
“ولا تتيه فيما تراه، هذا ما يفعله السيد…”
توقف غو تشيولوون في منتصف الجملة، وخطا خطوة أخرى للأمام
“ما يورثه الأب لابنه”
فووش…!
أشعت حرارة من قدمي غو تشيولوون، فذاب الثلج حوله فورا
اتسعت عينا غو يانغتشون
“أ… درس؟”
ما الذي يحدث؟
وقبل أن يفهم تماما…
سسسسش…!
انفجرت حرارة متوهجة، وأذابت الثلج المحيط، واشتعلت شرارة صغيرة على ظهر غو تشيولوون
طقطق
ومع شرارة خافتة…
دووووم…!!!
اشتعلت السماء بحريق هائل
التقنية القصوى
“التسع لهيبات، هيئة الجبل المطلق”
اشتعلت السماوات بالنار، فبددت الليل وحولت العالم إلى نهار أبيض متوهج