قرمشة
تفتت الحطام من حولي، وملأت الهواء رائحة خانقة لبقايا محترقة
كانت الجدران، وقد لسعتها الحرارة، تذوب، ولم يبق أثر للبرودة الثقيلة التي كانت تملأ المكان قبل قليل، وحل بدلها حر لا يوصف يشع في كل اتجاه
كحّة
وسط الأنقاض، دفعت نفسي للنهوض، وأجبرت جسدي على الاستقامة من تحت الركام
تفوو
بصقت فمًا من الدم وأنا أقاوم لأجلس
نبض
تس…
اندفع الألم في جذعي، فتكشر وجهي بلا إرادة
لا شك أن أضلاعي مكسورة، والألم الحارق في بطني يوحي بضرر داخلي أكبر
وفوق ذلك، موضع اختراق السيف لي، وكذلك الشق الممتد عبر صدري، لم يكونا إصابتين بسيطتين
تبًا
والأسوأ أن البرودة تسللت إلى جسدي وتوغلت في العمق
بدأت فورا بتدوير طاقتي
سسس
انتشرت حرارة داخل جسدي، فخففت أثر لسعة الصقيع قليلا
ركلت الحطام جانبا وبدأت أمشي، فقد قذفني الانفجار نحو الجدار وأفقدني الوعي لحظات
على الأكثر، لم أغب سوى بضع ثوان
هاه
نظمت أنفاسي وتابعت التقدم
كانت قريبة
لو لم أستخدم طاقتي لأثبت نفسي قبل الاصطدام، لتمزقت أعضائي الداخلية بالكامل
بعد كل ما تعرض له جسدي من ضربات، تعلمت كيف أحافظ عليه، ولو بدرجة ما، على الأقل بما يكفي لتفادي إصابات أسوأ
نفضت الغبار عن كتفي وواصلت السير
لماذا هذا الدخان الكثير بحق؟
أدخلت قدرا صغيرا من الطاقة في يدي ولوّحت بها
هووش
انقشع الهواء، ودفع الدخان الكثيف بعيدا
أخيرا، بعد أن عاد بصري، واصلت نحو هدفي
كان في الجدار أمامي ثقب هائل فُجر عبره، وكان الحطام في الداخل يشتعل ويزّ كأنه حمم منصهرة
وتحت ذلك—
…أوغ… كح… كح…
كان مانغ ملقى منهارا، وثقب واسع مفتوح في بطنه
مشيت نحوه وأنا أتفحص جسده الممزق
كانت إحدى ذراعيه مقطوعة، وجرحه في البطن مروع، حالته كانت بعيدة جدا عن أن تكون جيدة
التجدد بطيء، فكرت
ذراعه المفقودة لم تنبت من جديد، وحتى الضرر في جذعه لم يلتئم
مع تجددِه السابق، توقعت أن تلتئم مثل هذه الإصابات بسرعة
إذن ليس تجددًا بلا حدود، تمتمت
ربما له حدود، أو ربما هناك عدد ثابت للمرات التي يستطيع فيها أن يتجدد
أخ…
أنّ مانغ وهو يسعل دما، ورؤية وجه وو هيوك في تلك الحالة كانت منظرا غريبا ومقلقا
هل أنت بخير؟ سألت
بالطبع كنت أعرف الجواب، كان سؤالا بلاغيا
أدار نظره نحوي
هاه… هاه… تبًا…
رغم تعبيره القاتم، أطلق ضحكة ضعيفة مرة
…لم أتوقع أن ينتهي الأمر هكذا…
كل كلمة نطق بها كانت ترافقها دفعات دم تتساقط من فمه
كان واضحا أن تجددَه توقف تماما
للاحتياط، فعّلت حواسي وأبقيت حذري قائما، لم أكن لأقع في خدعة
مجرد صغير… وُلد للتو… ومع ذلك تمكنت من العبث بهذا القدر
كلامه جعلني أنقر لساني
دعني أوضح هذا، لم أحاول التدخل
لولا أن الناس يُسحبون إلى هذه الفوضى، لما تورطت، ولما جئت حتى إلى البحر الشمالي
هذا جعلني أتساءل
ماذا حدث له في الخط الزمني السابق؟
كان مانغ قد ذكر أنه كان على وشك العودة، وهذا يعني أنه كان ينبغي أن يتحرك حينها
لكنني لا أتذكر حدثا كهذا في حياتي السابقة
إما أنه نجح في الاختباء بعد عودته…
أو أنه فشل تماما
أو، مثل الآن، منعه شخص آخر من العودة
واحد من الثلاثة
أيها كان؟ لا يمكنني أن أعرف الآن
قلت إنك الثالث، صحيح؟
…نعم، أنا…
بصراحة، لا يهمني ذلك
…
كان واضحا أنه سيبدأ شرحا طويلا مملا، لكن لم يكن لدي وقت لذلك، ليس لأجلي، بل لأجله
قررت أن أقطع الطريق وأسأل أهم سؤال
من هو ملك التنين؟ وما قصته؟
مباشرة إلى الهدف
عند سؤالي المفاجئ، رفع مانغ نظره نحوي
ملك التنين، شرير قديم تسبب بسفك دماء لا يحصى، وأول كارثة هبطت على هذا العالم، وشخص لا شك أنه يدبر شيئا حتى الآن
كنت أحتاج إجابات
…هاه… هاه…
ردا على ذلك، ضحك مانغ بخفوت
…أنت بارد، أليس كذلك؟
ماذا؟
جسد رفيقك العزيز يحتضر، ومع ذلك هذا ما اخترت أن تسأل عنه؟
كلماته جعلتني أعبس بشدة
كف عن الهراء، هل ستجيب أم لا؟
…إن أجبت، هل ستتركني أعيش؟
ربما، إن توسلت وأنت تجيب فقد أفكر بالأمر
هه…
ضحك بمرارة، وكل ضحكة كانت تسحب مزيدا من الدم من جذعه، وراقبته بعين لا تغفل
إنه عند حده، فكرت، توقف تجددُه ليس اختيارا منه، بل خرج عن سيطرته الآن
بينما أراقبه، تكلم مانغ فجأة
هل تريد جوابا؟
أوه؟ أخيرا ست—
تفوو!
بصق لعابا ممزوجا بالدم نحوي، فملت رأسي جانبا لتفاديه
اندفعت قبضتي تلقائيا
تحطم!
أوغ!
تبًا
حين رأيت رأسه يرتد من الضربة، أدركت فورا خطئي، لم أكن أنوي ضربه مجددا
سحبت يدي وحدقت فيه بضيق
إن لم تكن ستجيب، فحسنًا، لكن لماذا تبصق علي؟
لقد ضربته دون قصد
…هاه… هاه… هه…
رغم الضربة، ضحك مانغ بخفوت، وملامحه شاردة
هل تظن أنك فزت؟
هاه؟
أيها التاسع الصغير، أنت لا تدرك الخطأ الفادح الذي ارتكبته
أي خطأ؟
…بسبب هذا الاختيار… ستخسر في النهاية أمام ملك التنين وتُلتهم، لن تهزمه أبدا
عند سماع ذلك، أطلقت ضحكة جافة
مثلك؟
…
سكت مانغ عند ردي، لكن الصمت لم يطل
نعم، مثلي…
كان في صوته فراغ غريب، إقرار مشوب بالاستسلام
هل تظن حقا أنك، وحدك، تستطيع هزيمته؟
ماذا؟ لأنك لست هنا؟
نقيو الدم الآخرون ابتلعهم، فماذا سيفعل طفل وحيد مثلك؟ هذا مستحيل
عند سماع هذا، حككت ذقني بلا مبالاة
ستصل في النهاية…
فما قصدك؟
قاطعته في منتصف الجملة، كانت كلماته تسير نحو طريق ممل، وكنت بحاجة لإعادة الحديث إلى ما يهم
فشلت، لذا تظن أنني سأفشل أيضا، أهذا كل شيء؟
الأمر ليس بهذه البساطة—
هراء، هذا بالضبط ما تقوله
متغطرسون، الحديث معهم لا يصل إلى شيء أبدا
فهمت، ما زلت غاضبا لأنك تلقيت ضربتك منذ زمن، إن كنت ضعيفا فأغلق فمك وابق ساقطا، وتوقف عن الشكوى بهذه الطريقة
…هاه؟
هاه، كلام فارغ
أطلقت زفرة
لم يكن هذا النوع من الحديث الذي أريده، إن لم يكن سيعطيني إجابات حقيقية فلا معنى لإطالته
إن مات جسد وو هيوك هنا فستكون مشكلة أيضا
هذا شيء لا يمكنني أن أسمح بحدوثه
حان وقت إنهاء الأمر، حدقت فيه وتكلمت
كيف تعرف إن كنت سأفوز أو أخسر أمام ملك التنين؟ أنت خسرت لي، أليس كذلك؟
…!
كلماتي أصابت عصبًا، فالتوى وجه مانغ غضبا
أتظن أن هزيمتي في هذا الجسد الضعيف تعني أنك فزت حقا؟
ضعيف أو لا، أنت خسرت
…هاه!
أطلق مانغ ضحكة غير مصدقة
مع أنني قد خسرت هذه الجولة—
محاولته لتبرير نفسه رسمت ابتسامة على وجهي
وقعت
هذا ما كنت أنتظره
من الأرض تحت قدمي، شعرت بتغير خفيف
كانت هذه الإشارة أن الشروط اكتملت
ومع وضوح الإحساس، أمرت بصمت
التهِم
أتظن حقا أنك تستطيع هزيمة ملك التنين—!؟
توقفت كلمات مانغ فجأة
فووش—!
من عند قدمي، اندفعت طاقة سوداء نحوه
أوغ!؟
غمره السواد، فالتوى مانغ وهو يتخبط بجسده الجريح، ومع ذلك بدت الطاقة أصلب مما توقعت حتى أنا
ماذا… ماذا تفعل—!؟
قرمشة
…أوغ!!
دوّى في أذني صوت حاد، صوت شيء يُعض بقوة، كان من داخل الهالة
تلت القرمشة الأولى أخرى
قرمشة—! طَرقعة—! قضم—!
ملأت الهواء أصوات القضم والابتلاع بلا توقف
آآآآآآه!!
أطلق مانغ صرخة عذاب من داخل الطاقة
غااااه!!
كانت الصرخات مدوية، ممتلئة ألما حتى إنها جعلتني أتكشر، لا تعاطفا ولا شفقة، بل بسبب ما كنت أشعر به في المقابل
سسسسسس—
من أطراف قدمي، بدأت الطاقة السوداء تتدفق إلى الأعلى وهي تحمل شيئا إلى داخل جسدي
كان من الصعب وصفه، ليس طاقة خالصة ولا شيئا ماديا تماما
هل هي ذكريات؟ أفكار؟ أم ربما شظية من روحه؟
مهما كان، كان الإحساس واضحا، سار داخلي حتى وصل إلى قلبي، ثم اندمج بروحي
مقزز
كان الأمر كأنني آخذ شيئا لا يحق لي، أسرق شيئا ليس لي
لكن هل هو ذنب؟ لا، ليس ذنبا، بل قلق غامض لا تفسير له
ومع ذلك، أكد هذا شيئا واحدا
إذن هذه هي السلطة
أشعر بها بوضوح الآن، هذا هو معنى انتزاع السلطة
كنت أبتلع سلطة مانغ
قرمشة، طَرقعة—!
آآآآآآه!!
لم يكن شيئا أستطيع فعله وسط القتال، فلماذا أستطيع الآن؟
لأنه اعترف بالهزيمة
شرطا ابتلاع السلطة كانا اثنين
كان على الخصم أن يعترف بهزيمته
وكان عليه أن ينطق بها صراحة
وقد تحقق الشرطان معا
يا له من شرط سخيف
لم يكن كافيا أن تهزم شخصا في القتال، بل يجب أن يقر ويقولها بصوته، شرط مزعج وغريب في الوقت نفسه
هل لأنني أريد اعترافا بانتصاراتي؟
يبدو طفوليا وغير ناضج، لكن بما أن السلطة تعكس مشاعري بهذه الدقة، فهذا ليس مستحيلا
لـا… لا!! لا تأخذه… لا تأخذ ما هو لي!
صرخ مانغ وهو يختنق داخل طاقة الجشع السوداء، لكن الابتلاع لم يتوقف
ولما بدا كأنه دهر، استمرت أصوات القضم والابتلاع بلا رحمة
لطخ، بلع، زمجرة—!
أخيرا توقف الابتلاع، بدا الجشع مكتفيا، فأطلق تجشؤا راضيا ثم انسحب عائدا إلى الظلال
سسششش—
ومع رحيله، أطلقت نفسا عميقا
لسبب ما، شعرت بالشبع، رغم أنني لم آكل شيئا
نظرت إلى الأمام، فرأيت وجه مانغ شاحبا مرتجفا وهو يلهث
لم أستطع منع نفسي من ضحكة خفيفة
إذن هكذا يعمل الأمر، مثير
أنت… أخذت… ما هو لي…
امتدت يد مانغ المرتجفة نحوي
أعِدْه… أعِدْه لي… أرجع… قوتي…
صوته اليائس لم يعد له وزن، فأبعدت يده بلا اهتمام
صفعة
سقطت يده رخوة وارتطمت بالأرض
تعيده؟ إنه لي الآن
لا… إنه… لي…
نعم، كان لك
لكن ليس بعد الآن
الآن، صار لي
التوى وجه مانغ غضبا عند كلماتي، كان غضبه واضحا، لكنه لم يكن مخيفا إطلاقا
بعد أن أخذت ما أريده، لم يعد هناك ما أخشاه منه
أخذت ما أريد، والآن اختفِ
أوغ… غاااه…!!
حاول مانغ المقاومة، لكن جسده المحطم لم يعد يشكل أي تهديد
ومن الإحساس الذي شعرت به أثناء ابتلاع سلطته، كان وقته قد شارف على النهاية
في اللحظة التي أخذت فيها سلطته، أخذت أيضا ما تبقى من حياته
كم هو مؤسف…
كانت الإضاءة في عينيه تخبو ثانية بعد ثانية، ولم يبق إلا أثر خافت من الكراهية موجه نحوي
أنا… ألعنك… سألعنك…
طخ
انقطعت كلماته، وتيبس جسده كالحجر، بلا حياة
مات تنين نقي الدم بذل
لم أشعر برضا خاص وأنا أرى موته
…
وضعت يدي على صدره
إنه ليس ميتا تماما
رغم خفوتها، كنت أشعر بنبض وقلة أنفاسه
كنت قد تجنبت ضرب نقاطه الحيوية، وجود مانغ اختفى، لكن الجسد المتروك كان جسد وو هيوك
ومع ذلك، هذا بعيد عن أن يكون وضعا آمنا
بهذا المعدل، سيموت
ربما لأن طاقة مانغ امتصت، لكن جسد وو هيوك خضع لتغيرات تشبه ما حدث لي
إلا أن الإصابات الواسعة كانت مشكلة خطيرة
تس
نقرت لساني وتذكرت خطتي الأصلية، كنت أنوي أخذ سلطة مانغ واستخدامها لعلاج وو هيوك
لكن ظهر أمر غير متوقع
صرت أملك سلطتين، وعرفت فورا ماهيتهما لحظة حصولي عليهما
…لكن هذا لن ينقذه
سلطة التجدد لم تكن كما توقعت
لم تكن مثل قدرة يوسون على علاج الآخرين
تجددِي الجديد يسمح لي بشفاء إصاباتي بسرعة، وحتى إنبات أطراف مقطوعة إن احتجت
لكن…
لا يعمل على الآخرين
سلطة مانغ الثانية، قوة التجدد، كانت لها حدود
هل كانت هكذا دائما؟
عندما أتذكر قدرة يوسون، لا يبدو أنها كانت يجب أن تُقيد بهذه الطريقة
هل يمكن أن…
ضعفت السلطة أثناء النقل؟
مرت الفكرة في ذهني، ربما عملية سلبها ودمجها تقلل فعاليتها
قد يكون ذلك منطقيا، لكن…
في هذا الوضع، لا يهم
لا فائدة من التفكير فيه الآن
ماذا أفعل؟
إن تركت وو هيوك هكذا، سيموت، وحتى لو أوصلته بطريقة ما إلى مكان آمن، فلن يصمد حتى نهاية الطريق
وحتى لو صمد، هل يستطيع أحد إنقاذه وهو بهذه الحالة؟
حتى الطبيب العظيم لن يقدر على مساعدته الآن
…
ماذا يمكنني أن أفعل؟ ما الجواب؟
ضغطت أسناني بغيظ
تبًا، كان يمكنني إنقاذه قبل، لكن الآن…
سلطة التجدد هي ما كنت أبحث عنه، لكنها الآن شبه عديمة الفائدة
مهلا
خطرت لي فكرة فجأة
إنها تعزز تجدد من يحملها، أليس كذلك؟
حين تذكرت الشروط، لمعت في ذهني إمكانية
طفَت ذكرى بعيدة، عن الشيطان السماوي وصناعة الكائنات الشيطانية
عملية تحويلهم إلى كائنات شيطانية كانت تمنحهم أجسادا أقوى وقدرات فريدة، وهذا ما كانوا يسمونه «الطقس»
كان الأمر يشبه ما أمر به الآن
…هل يمكن أن ينجح؟
جمعت عزيمتي ودعوت طاقتي الشيطانية، فاندفعت خلال جسدي
وضعت يدي على صدر وو هيوك واستعددت للفعل
وقبل أن أطلق الطاقة، ترددت وأنا أحدق في وجهه الغائب عن الوعي
إن نجح هذا… هل ستكرهني بسببه؟
الفكرة أوقفتني لحظة، لكن حين قارنتها بموته الوشيك كان الجواب بسيطا
سأنقذك
هذا هو الخيار الوحيد لدي
فووش!
اندفعت طاقة شيطانية إلى جسد وو هيوك