قبل أن تصل أصابعي إلى حلق أوبوم، في تلك اللحظة الخاطفة، مرت في ذهني احتمالات لا تحصى
هل أقتلع قصبته الهوائية أولا؟
لأمنعه من إصدار أي صوت إضافي، ربما علي أن أبدأ بتمزيقها
أو ربما أكسر يده اليمنى، فهو واضح أنه يستخدمها أكثر
حتى أضمن أنه لن يستطيع استلال سيفه
لا، هل يهم الأمر أصلا؟
هو سيموت على أي حال
إن كان مكتوبا له أن يتفتت إلى رماد،
فطريقة تنفيذ ذلك لا تفرق فعلا
وبينما كانت هذه الأفكار تتلاطم في رأسي، مددت يدي نحو عنق أوبوم
«توقف…»
تجمدت في مكاني
شق صوت التوتر، وأوقف يدي في منتصف الحركة
«اكتف بهذا»
كان صوت السيدة مي
استدرت أنظر إليها وسألت
«أكتفي بهذا؟»
لماذا أتوقف؟
هل هناك حاجة لذلك؟
حتى إن لدي مبررا في صفي
هذا الوغد أهاننا بكلماته القذرة
وتجرأ على استلال سيفه أولا وهو ضيف
مع أننا لسنا تابعين مباشرة لتحالف الموريم،
فقد كان واضحا من كلام السيدة مي قبل قليل أننا نتصرف بتفويض موكول إلينا منهم
بمعنى آخر
العبث معنا يساوي تحدي تحالف الموريم كله
وإذا نظرنا للأمر على نطاق أوسع،
فقد يعد فعلا قد يشعل نزاعا بين دول
ومع ذلك
ترك حياة هذا المرافق ستعد بادرة تسامح
كل تصرف يحمل هذا القدر من الدلالة
وقتله، وهو رجل حقير، لم يكن ليتسبب بأي مشكلة
السيدة مي تفهم هذا أفضل مني
فلماذا…؟
«لماذا أتوقف؟»
طلبت منها سببا
إن كانت السيدة مي تطلب مني التوقف،
فلا بد أنها تملك تفسيرا منطقيا
هي من هذا النوع
وتوقعت منها حجة عقلانية
مثل أن قتل المرافق أمام الآنسة سيجلب تعقيدات لا داعي لها
أو أن إيذاء شخص قادم من عالم الموريم قد يقود إلى مشاكل أكبر
لكن بدلا من ذلك
«الزهرة التي أعطيتني إياها ما زالت تحمل عبيرها»
كان رد السيدة مي شيئا مختلفا تماما
«…ماذا؟»
«لا رغبة لدي في أن يتحول هذا الموقف إلى مشهد منفّر»
كانت كلماتها غير متوقعة، ولم أفهمها
ما علاقة عبير الزهرة بهذا؟
ورغم أن تبريرها لم يكن منطقيا بالنسبة لي
صمت
سحبت يدي من عنق أوبوم
مهما كان تفسيرها، ما إن تتكلم السيدة مي، فلا مجال للمضي أبعد
أنزلت يدي وأشرت بعيني إلى تانغ سو يول
هسسس
فهمت فورا، وسحبت خنجرها وتراجعت مبتعدة عن أوبوم
وأنا أراقب ذلك، ضحكت في داخلي ضحكة صغيرة
إنها سريعة
ليس لأن تانغ سو يول تحركت أسرع مني
في الأصل لم أتردد في اقتلاع قصبة أوبوم الهوائية
لكنني توقفت لأنني أحسست بحركتها
هل يمكن أن…؟
هل تحركت أولا خوفا من أن أقتله؟
لسبب ما مر هذا الخاطر في ذهني
يبدو غير مرجح، لكن من يعرف؟
هاه… هاه…
امتلأت الغرفة بأنفاس متقطعة
كانت من أوبوم، الذي كان ما يزال يستعيد توازنه بعد الصدمة
لا بد أنه أدرك مدى اقترابه من الموت
لكن ما فاجأني هو
عيناه لم تفقدا التحدي بعد
رغم كل شيء، بقيت نظرة أوبوم حادة وحية
«أنت… أيها الحثالة المتوحشة…!»
حتى فمه لم يتوقف
«كيف تجرؤ على احتقار البحر الشمالي…!»
طم
سددت لكمة إلى وجهه
أطاحت به القوة إلى الخلف
وانهار جسده الضخم على الأرض بدوي ثقيل
تقط
سال الدم من أنفه وفمه
ولوث يده حين رفعها تلقائيا ليلمس وجهه
تحول تعبيره إلى ذهول وهو يحدق في الدم
وأنا أراقب ذلك، قلت بهدوء
«أغلق فمك قليلا، نحن نتحدث هنا»
«أنت… هذا…!»
«أم تفضل أن أقتلع لسانك كي تساعد نفسك على الصمت؟»
طقطقة
سمعت صرير أسنانه، لكن ذلك كان أقصى ما فعله
أدار بصره بعيدا، كإشارة أنه سيتراجع
يا للخسارة
لو قال كلمة أخرى، لما قتلته
لكن ربما كنت سأفعلها فعلا وأقتلع لسانه
كنت قد كتمت قوتي
مع أن كسر فكه تماما كان سيجعل الأمر أبسط
لكن شعرت أن ذلك سيكون مبالغة
«واو…»
وأنا أنفض يدي، جاء صوت إعجاب من يوري
«لم أتوقع أن ينتهي أوبوم هكذا، هذا مثير للاهتمام…»
ردة فعلها، وهي تراقب مرافقها ينزف وتبدي فضولا فاترا، جعلتني أعبس
مزعجة
هناك شيء فيها يثير أعصابي
في البداية كان السبب ببساطة أنها من البحر الشمالي الذي لا أعرفه
ثم كان شبهها الغريب بمو يونغ هي آه
والآن
هناك شيء فيها… يضايقني فقط
وجودها نفسه بدا غريبا وثقيلا على صدري
نظرت يوري إلي، وكانت عيناها الزرقاوان الشاحبتان تشبهان عيني مو يونغ هي آه بشكل مخيف
«أنت مذهل، هل أنت من شركة التجارة أيضا؟»
«شيء من هذا القبيل»
«واو، هذا مذهل!»
ما الذي كان مذهلا بالضبط؟
أطلقت زفيرا منخفضا وقررت أن أسألها مباشرة
«ما قصة كلامك قبل قليل؟»
«همم؟»
«كلام الزواج»
لماذا فتحت موضوعا كهذا فجأة؟
لم أفهم أي شيء
«آه، هذا»
وعند سؤالي، ضحكت يوري بخفة
«أليس هذا ما يفترض أن يحدث؟»
«…ماذا تقصدين بهذا؟»
أي منطق هذا؟
هل لدى البحر الشمالي تقليد غريب لطلب الزواج ممن يضربك؟
هل يمكن أن توجد عادة مجنونة كهذه أصلا؟
وبينما بدأت أفكر أفكارا غير لطيفة عن قصر البحر الشمالي
«قرأتها في كتاب»
قطعت كلمات يوري سلسلة أفكاري
كتاب؟
أي كتاب؟
قبل أن أتمكن حتى من صياغة سؤال مناسب، واصلت يوري
«المرأة التي تضربني أولا، ستكون هي من أتزوجها»
«…؟»
«كانت في الكتاب، قالها شخص من السهول الوسطى لمن ضربه»
«يا له من هراء…»
أي كتاب سخيف تقرأه هذه؟
لم أستطع منع نفسي من التكشير، وبدا أن يوري تفاجأت من ردة فعلي
«هاه؟ ألا تعرف؟ إنها تحفة مشهورة جدا!»
«يعني أنك قررت تكرار جملة عشوائية من كتاب؟ هذا كل ما في الأمر؟»
«لم أتوقع ردة فعل فاترة هكذا»
أي ردة فعل كانت تتوقع؟
مهما فكرت، لم أستطع فهمه
هل كان يجب أن أضربها مرة أخرى؟
نعم، ربما كان ذلك الرد الصحيح
كان يجب أن أضربها، لكنني لم أفعل… وهذا جعلني أشعر أنني الأحمق الحقيقي هنا
«حتى شخص جميل مثلي يقول هذا، كيف ترد بهذه الطريقة؟»
لا، علي أن أضربها الآن
مر هذا الخاطر في رأسي وأنا أتهيأ للتحرك
سعال… سعال… تنحنح…
لكن سعال جاف صدر من خلفي
كانت مو يونغ هي آه
نظرت إليها فرأيت رأسها منخفضا
تحاول إخفاء أذنيها المحمرتين
تساءلت ما الذي يحدث، لكن السبب اتضح بسرعة
شخص يشبهها تماما كان يقول هراء
ويبدو أنها شعرت بالإحراج بالنيابة عنه
كتمت تنهيدة واستدرت نحو السيدة مي
«السيدة مي»
«تفضل»
«إذن، ماذا تريدين مني أن أفعل؟»
كنت قد سئمت من كل هذا
أردت قلب الطاولة والرحيل، لكنني لم أصل حتى إلى النقطة الأساسية بعد
«إذن… ماذا يفترض أن أفعل؟»
أي علاقة يمكن أن تربطني بهذه الحمقاء التي لا تحتمل؟
أخرجت ضيقي في سؤال مباشر
«همم؟ وماذا علي أن أفعل لك أيضا؟»
أمالت يوري رأسها وسألت
سؤال جيد، كنت أنا أيضا أريد معرفة ذلك
لماذا هي مبتهجة هكذا؟
مرافقها ما يزال جالسا خلفها، ملطخا بالدم ومنهارا
ومع ذلك تتصرف كأن شيئا لم يحدث
في هذه المرحلة، بدأ الأمر يزعجني فعلا
«آه صحيح، السيدة مي!»
«نعم، قولي»
«متى بالضبط ستصل الريشة القرمزية؟»
«…آه»
«لا يمكننا مناقشة أي شيء قبل وصوله، أليس كذلك؟»
الريشة القرمزية
هذا اللقب الغريب ظهر قبل قليل أيضا
من الواضح أنه ليس اسما
يبدو أقرب إلى كنية
مع أنها كنية غريبة جدا
من المفترض أن يأتي شخص آخر؟
بدا لي أن الجميع هنا بالفعل
«هل من المفترض أن ينضم إلينا شخص آخر؟»
وجهت السؤال إلى السيدة مي
لأنها الأكثر معرفة بالحضور
«هذه الريشة القرمزية، هل تعرفين من هو؟»
«حسنا… همم»
كانت ردة فعلها على سؤالي غريبة
لماذا تصنع هذا الوجه؟
«كيف يمكن لابن السهول الوسطى ألا يعرف الريشة القرمزية؟»
انفجرت يوري فجأة باستياء
ما مشكلتها الآن؟
«…هل يجب أن أعرف؟»
«بالطبع! سمعت أن الجميع هنا يعرفه!»
ما الريشة القرمزية أصلا؟
دجاجة؟ وحش بريش أحمر؟
هل يوجد وحش بتصنيف أحمر كهذا؟
وبينما كنت أقلب الاحتمالات، واصلت يوري
«يقال إنه يتحكم بنيران تلامس السماء»
نيران؟ صحيح، هناك وحوش تنفث النار
«ويقدس العدل ولا يحتمل رؤية الظلم»
إذن ليس وحشا؟
بحسب كلامها، يبدو أنه إنسان
إنسان بكنية محرجة كهذه؟ واضح أنه مجنون
وإن كان يستخدم النار ويقدس العدل…
هل يوجد أحد كهذا في هانام؟
لا يخطر في بالي أحد
المقاتلون الذين يستخدمون تقنيات النار ليسوا كثيرين
ورغم وجود ملك اللهب ضمن العشرة الكبار
فهو لم يظهر حتى أثناء حادثة شيطان الدم
ومن يدري، قد يكون ميتا أصلا
إذن من يمكن أن تكون هذه الريشة القرمزية؟
«ويقال إنه أيضا شديد الوسامة
ويشعل قلوب نساء لا تحصى»
«الريشة القرمزية؟»
«نعم! جئت إلى هنا خصيصا لأقابله!»
تركتني عبارتها الواثقة بلا كلام
وبصراحة، أردت المغادرة في تلك اللحظة
كان علي أن أخرج من هنا
وبينما كنت أفكر في الهروب
«الريشة القرمزية في السهول الوسطى… غو يانغتشون!»
«…ماذا؟»
«لا أستطيع الانتظار لرؤيته»
«…؟»
جعلتني كلمات يوري ألتفت برأسي بسرعة
التقت أعيننا
أمالت يوري رأسها بحيرة
«ماذا؟ هل وقعت في حبي الآن؟ إن كان الأمر كذلك، فقد فات الأوان…»
«ماذا قلت للتو؟»
«هاه؟»
ماذا سمّتني؟
«…من؟ من قلت؟»
«أوه!»
وعند رؤية ردة فعلي، صفقت يوري بحماس
«أرأيت؟ أنت تعرفه أيضا، أليس كذلك؟ الريشة القرمزية، غو يانغتشون!»
صمت
«لماذا الجميع صامت هكذا؟»
سقطت الغرفة في صمت
ظننت أنني ربما أسأت السمع
لكن اتضح بسرعة أن الأمر ليس كذلك
كيف يفترض أن أرد على هذا؟
للحظة، فكرت
هل يوجد غو يانغتشون آخر في مكان ما؟
ربما
هناك فروع أخرى من عائلة غو
لذا قد يوجد غو يانغتشون آخر بينهم
لكن…
هل يمكن أن يوجد غو يانغتشون آخر يستخدم تقنيات النار؟
هذا أقل احتمال بكثير
مهما نظرت للأمر
يبدو أنها تتحدث عني أنا
والآخرون فهموا هذا أيضا على ما يبدو
ثقل الصمت في الغرفة كان على الأرجح بسبب ذلك
«هاه؟ ما بكم جميعا؟»
عبست يوري وهي تلاحظ تغير الأجواء
كان الآخرون يرمقونني بنظرات غريبة لا تقرأ
وتغيرت نظرة يوري أيضا حين عادت تنظر إلي
لم تكن ساذجة كما بدت في البداية
«مستحيل»
اهتزت ابتسامتها المصطنعة
«ليس صحيحا، أليس كذلك؟»
كان في صوتها يأس وهي تضحك بارتباك
«رجاء، قولوا لي إنه ليس صحيحا»
لم يرد أحد
«…لماذا لا يتكلم أحد؟ ليس صحيحا، أليس كذلك؟»
بدأت عيناها ترتجفان
تلك العينان الضيقتان الجذابتان اتسعتا بذهول
«لا… لا يمكن…»
كان وجهها قبل قليل ممتلئا بالأمل
والآن صار ممتلئا بالانهيار
«لا تقولوا لي… إنه أنت؟»
«ماذا تهذين؟»
«أنت الريشة القرمزية!؟»
«…وما هذه الريشة القرمزية أصلا؟»
«لا، لا، لا… لا يمكن أن يحدث هذا!»
هل كان هذا صادما لهذه الدرجة؟
تحول شحوب وجهها إلى زرقة مقلقة
«لا يمكن أن تكون أنت هو، شخص مثلك!»
عفوا؟
هل تلقيت إهانة من العدم الآن؟
لم أفعل شيئا أصلا، ومع ذلك بدأت تهاجمني
«ما مشكلتك؟»
«وأنت لا تبدو فاضلا ولا نبيلا أصلا!»
بدأت تهذي بوضوح، وكأنها تفقد توازنها
«وأنت لست وسيما، بل تبدو مخيفا! قال الثعلب الأبيض إنك ستكون مذهلا، لكن…»
«يا امرأة، اهدئي قليلا»
«لكن كيف تكون أنت الريشة القرمزية؟ هذا لا معنى له…!»
طخ
«إيييك!»
انحنى رأس يوري للأمام حين ضربت أعلى رأسها بقبضتي
أطلقت صرخة صغيرة وهي تمسك رأسها
«أنت مزعجة أكثر من اللازم»
«آه… آه…»
«اصمتي»
«لكن… لكنه يؤلم…»
«توقفي عن التذمر، أنت تسببين لي صداعا»
كنت قد كتمت قوتي بالطبع
على عكس أوبوم الذي تتحمل زراعته مثل هذه الضربة
لو ضربت يوري بقوة أكبر، لربما انفجر رأسها الصغير
ومع ذلك، ربما بالغت قليلا
«أوه… أوه…»
امتلأت عينا يوري بالدموع
وبعد قليل
«واااه… يؤلم كثيرا…»
بدأت تبكي كطفلة
كانت تبدو من النوع الذي لا يذرف دمعة حتى لو طعن
لكن الآن كانت الدموع تنهمر على وجهها
هل ستبدو مو يونغ هي آه هكذا لو بكت؟
أضحكني هذا الخاطر للحظة
احتَرْت ماذا أفعل
يا لها من فوضى
لم أتوقع أن تبكي بسبب شيء كهذا
رؤيتها تنتحب بهذا البؤس جعل الموقف محرجا
تنهدت وقررت أسرع حل
طم
«غخ…!»
انهارت يوري وهي تلهث بصوت خافت
مثل أول مرة التقينا فيها، ضربت مؤخرة عنقها وأسقطتها فاقدة الوعي
اتسعت عيون مرافقيها خلفها بصدمة
لكنني اكتفيت بالنظر إلى يوري الملقاة وقلت ببرود
«لماذا كل هذه الجلبة والبكاء؟ يا له من إزعاج»
البكاء مضيعة للوقت
قد يكون هذا قاسيا قليلا، لكنه أسرع طريقة للتعامل معها
ولا علاقة لذلك بقولها إنني قبيح
أو أنها قالت إنني لا أبدو نبيلا
بصراحة