«أوي هيون مات»
في الأعماق الرطبة تحت أرض هانام، جثا رجل وهو يرفع تقريره إلى شخص جالس أمامه
كان الرجل راكعًا ورأسه مطأطأ، وأمامه شيخ يجلس على حجر مكسور
حوّل الشيخ نظره إلى الرجل الذي يقدّم التقرير
«والجثة؟»
«لم نتمكن من استعادتها، لكن بحسب الظروف فهذا مؤكد»
«أفهم»
كان الطفل قد مات
وعند سماع ذلك، مرّت لمحة مرارة على وجه الشيخ
لكن تلك لم تكن المشكلة الوحيدة
«و…»
تابع الرجل الراكع
«…يبدو أن التشكيل الذي نصبناه قد فُكك»
عند تلك الكلمات، تجعّد حاجبا الشيخ بقوة
فُكك التشكيل؟
هذا مثير للاهتمام
«متى؟»
«فُك بعد وقت قصير من نصبه، قبل أقل من نحو ساعتين»
«…أوه…»
ضيّق الشيخ عينيه باهتمام، كان هذا من أكثر الأخبار إدهاشًا التي سمعها منذ سنوات
مَن الذي فعل ذلك؟
كانت فكرته الأولى هي التحالف القتالي، لكنه أسقطها بسرعة
التحالف القتالي لا يملك القدرة على تفكيك تشكيلاتهم
بالطبع لا يملك
فهو التحالف القتالي نفسه من قطع تطور التشكيلات والسحر في تشونغيوان، وبعد أن هجروا تلك الفنون، توقّف تقدمهم منذ زمن طويل
أسند الشيخ ذقنه إلى يده، وغرق في التفكير
«نحو ساعتين»
لم يستغرق الأمر سوى نحو ساعتين لتفكيك التشكيل، من فعل ذلك لا بد أنه يفهم التشكيلات بعمق
وهذا ما حيّره
تحت سماء تشونغيوان الواسعة، لا ينبغي أن يوجد من يتقن التشكيلات مثل جماعتهم
تحوّلت نظرة الشيخ
«هل يمكن أن يكون… أنت؟»
وجه سؤاله إلى شخص يتكئ على الجدار
إن كان هناك من يستطيع فعل ذلك، فهو ذلك الشخص، شخص بارع في التشكيلات بقدر براعته في الطب
«الطبيب العظيم»
«…»
عند ذكر اسمه، تصلّبت ملامح الطبيب العظيم
«…أنت تعرف أنه ليس أنا»
«بالطبع لا، لا يمكن أن تكون أنت» قال الشيخ بضحكة جافة
«فأنت لو كان لديك ذرة ضمير، لما فعلت شيئًا كهذا»
«…»
«إن لم تكن أنت… فمن يكون؟ لا أستطيع الجزم»
استقر فضول خافت في عيني الشيخ
«اعرف من هو، أنا فضولي»
«…نعم، سيدي»
ومع الأمر، اختفى الرجل الراكع
وبقي الشيخ وحده مع الطبيب العظيم، فحوّل انتباهه إليه
«حسنًا إذن، لماذا لا تخبرني لماذا أحضرتني إلى هنا؟»
كسر الطبيب العظيم الصمت أخيرًا، ونبرته باردة
«ماذا تقصد؟»
«توقف عن المراوغة، قل لي لماذا استدعيتني»
«همم»
ابتسم الشيخ ابتسامة جانبية على السؤال
«لنقل… أردت أن أرى إلى أي مدى ابتعدت السلالة عن جذورها، ما رأيك؟»
«…»
ظل وجه الطبيب العظيم محايدًا، ولم يمنح هذا الهراء ردًا
ضحك الشيخ عند ذلك المنظر
«أنت بلا روح دعابة كما كنت دائمًا»
«ادخل في صلب الموضوع»
«حسنًا، أظن أن عليّ فعل ذلك»
نزل الشيخ عن الحجر واقترب من الطبيب العظيم
«كيف هي الحياة في الخارج؟ هل تناسبك؟»
«قلت لك، ادخل في صلب الموضوع»
«أسألك كيف كان الشعور وأنت تخون عائلتك وتعيش كلبًا لدى الفصائل المستقيمة»
«…!»
التوت ملامح الطبيب العظيم غضبًا عند تلك الكلمات
«سيدي…!»
«هل لديك عذر يا طبيب عظيم؟»
كانت هناك أعذار كثيرة
كان يستطيع تقديم تفسيرات وأعذار وتبريرات، لكن الكلمات علقت في حلقه
لأنها في النهاية ستبقى أعذارًا
تابع الشيخ، ونبرته هادئة لكنها ثابتة
«أيًا كانت الحياة التي عشتها بعد أن تركتنا، اخترت ألا أتدخل لأنك واحد منا، أنت تعرف هذا، أليس كذلك؟»
ضاقت عينا الطبيب العظيم بحدة
«فماذا تريد مني الآن؟»
«بعد كل هذا الوقت، ظننتك ستفهم، لا مستقبل للفصائل المستقيمة»
لم يجادل الطبيب العظيم
كان يعلم أن ذلك صحيح
منذ أن تنحّى سيّد السيف، توالت إصلاحات لا تُحصى، لكن لا واحدة يمكن تسميتها تقدمًا حقيقيًا
تستمر الطوائف في رسم واجهة سلام، لكن تحت السطح كانت تتعفن
«ولهذا…»
تحدث الطبيب العظيم بمرارة
«أنت تطلب مني أن أنضم إلى خططك البائسة؟»
«بائسة، تقول…»
بردت عينا الشيخ
«إن لم تكن بائسة، فبماذا تسميها؟»
أكمل الطبيب العظيم بلا تردد
«عمًى بسبب الانتقام، لا يرون خطوة أمامهم، ويضحّون بما تبقى من أفراد سلالتنا بلا فائدة…»
طقطقة!
اندفعت يد الشيخ وأمسكت الطبيب العظيم من عنقه
«غخ…!»
«جيغال أوي تشيون»
شد الطبيب العظيم أسنانه
مرّت عقود منذ أن ناداه أحد بذلك الاسم
«قد تلعنني السلالة كلها، لكن على الأقل، أنت يجب أن تمتنع عن ذلك»
«غهخ…»
«ومن بين الجميع، أنت، الذي ترك غضب العشيرة وهرب جبانًا، لا حق لك أن تتكلم عن هذه الأمور»
ومع اشتداد القبضة على عنقه، أُلقي الطبيب العظيم إلى الأرض، دوم! تدحرج جسده الهزيل على الأرض
«غخ…»
نظر الشيخ إلى الطبيب العظيم وهو يسعل ويشهق، ثم قال
«نعم، أنت دائمًا هكذا»
وسط السلالة التي كانت تختبئ في الظلال، عاجزة عن نسيان الإهانة التي ألحقها بها التحالف القتالي، كان الطبيب العظيم دائمًا مختلفًا بهدوء غير طبيعي
كانت حكاية من ماضٍ بعيد، قديم لدرجة أن القلة فقط ممن ما زالوا أحياء يتذكرونه
«كنت تقول أشياء مثل، لا يجب أن نعيش أسرى للانتقام، أو يجب أن نجد طريقًا آخر للأمام، بل وتجرأت على نصح زعيم العشيرة آنذاك»
وعند تذكر ذلك، أطلق الشيخ ضحكة مريرة
«كم كانت تلك الكلمات أنانية وبشكل سخيف»
«…»
«ماذا بالضبط علينا أن ننساه، وما الذي علينا أن نراه بشكل مختلف؟»
تس تس
ترددت الضحكة في الحجرة، وامتدت عبر الهواء الخانق
«كنت تريد أن تنسى عبء الماضي، أليس كذلك يا جيغال أوي تشيون؟ آه، النسيان حقًا شيء مريح»
«…زعيم العشيرة…»
«لا تنادني بذلك»
لم يعد زعيم العشيرة
العشيرة لم تعد موجودة، فما جدوى هذا اللقب؟
كان هناك وقت كانوا ينادونه به، لكن ذلك الوقت صار بعيدًا جدًا
هو الآن مجرد المعلّم الأعظم
هذا اللقب وحده يكفيه الآن
«هل كان ذلك مريحًا؟ تلك الأيام التي عشتها وأنت تتجاهل مظالم العشيرة؟»
«لم أنسَ العشيرة، ولا لحظة واحدة»
«أهذا صحيح؟ ما أظرف أن كلماتك تبدو الآن فارغة، ألا تظن؟»
التوت شفتا الشيخ بازدراء
رجل ترك العشيرة ليعيش طبيبًا لدى الفصائل المستقيمة، يتجرأ على قول هذا؟
الفكرة نفسها مضحكة
جيغال أوي تشيون، أكثر شخص موهبة في تاريخ عائلة جيغال في التشكيلات
كانوا يهتفون به كأمل سيقود عائلة جيغال إلى قمم جديدة
«ومع ذلك، لم يتوقع أحد أنك ستترك كل شيء وتهرب»
وقف الشيخ أمامه، تذكيرًا حيًا بآمال العائلة التي تحطمت
«…هل تقول إنك تحمل ضغينة تجاهي؟»
«همم، ربما، كان هناك وقت قد أفعل فيه»
حاول الطبيب العظيم النهوض، وجسده يرتجف، والشيخ يراقبه بعناية
«لكن ما الفائدة؟ لا شيء لديك تقوله دفاعًا عن نفسك»
«…»
رجل ترك السلالة لينقذ حياة الفصائل المستقيمة القذرة، لا يملك أساسًا لأي تبرير
«مرّت قرون منذ أن اتّهم التحالف القتالي العشيرة زورًا ورماها كالقمامة»
لقد لُفقت لعائلة جيغال تهمة عبادة شيطان الدم
وبتلك التهمة، دُمّرت عائلة جيغال، التي كانت يومًا واحدة من العشائر الخمس العظمى
ذُبح عدد لا يُحصى من أفراد السلالة بأوامر التحالف
أما من نجا، فقد نجا وهو يخفي اسمه ويعيش في الظلال
هكذا كانت الحياة التي فُرضت عليهم
«ومع ذلك تجرأت أن تقول، لا يجب أن نعيش أسرى للانتقام، كيف نطقت بهذا، قديمًا والآن، وأنت آخر من يحق له ذلك؟»
«…»
كان صحيحًا، لم يكن للطبيب العظيم حق في قول تلك الكلمات
«زعيم العشيرة…»
«تكلّم»
كانت هناك مشكلة واحدة
«كيف… كيف يمكنك أن تكون واثقًا إلى هذه الدرجة؟»
ارتجف صوت الطبيب العظيم، وأثار سؤاله لمحة حيرة في وجه الشيخ
«ماذا تقصد؟»
«…كيف تكون واثقًا إلى هذه الدرجة أن قرارهم كان اتهامًا ملفقًا؟ كيف تعرف أنه لم يكن صحيحًا؟»
شششش…
في اللحظة التي خرجت فيها الكلمات من فم الطبيب العظيم، صار وجه الشيخ خاليًا تمامًا من أي شعور
وعند رؤية ذلك، تعمّقت شكوك الطبيب العظيم
«زعيم العشيرة… هل يمكن؟ هل كنت تعرف من قبل؟»
«…»
صمت
كان التوقف القصير بالنسبة للطبيب العظيم كأنه أبدية، امتلأت بعاصفة من المشاعر
«أوي تشيون»
تغير أسلوب الشيخ في مخاطبته
«أرى الآن أن نواياك تختلف عن نوايانا»
عادت التعابير إلى وجه الشيخ، لكن ما في عينيه جعل الطبيب العظيم يرتجف
«يا للخسارة، لم يبقَ منا إلا القليل، ومع ذلك…»
تحدث الشيخ بنبرة أسف خفيفة، لكن كلماته حملت للطبيب العظيم معنى أعمق بكثير
«تفرقت طرقنا، لكن لا بأس، يمكنك الذهاب»
«…زعيم العشيرة»
«لا تقلق، لا نية لدي لإيذائك، فنحن من السلالة نفسها في النهاية»
ضحك الشيخ بهدوء
«قبولك أن تأتي بنفسك ردًا على رسالتي… هذا وحده يوضح أين تقف»
«…»
«انتهى حديثنا، لا بد أنك مشغول»
كانت نبرة الشيخ خفيفة، كأنه لا يحمل أي تعلق بالأمر
هل كان ذلك صحيحًا؟ لم يستطع الطبيب العظيم أن يجزم
في تلك اللحظة تحرك الجدار، كاشفًا عن الممر الذي دخل منه
كان ذلك طردًا واضحًا
«…»
من دون كلمة، استدار الطبيب العظيم وغادر، لم يكن هناك سبب لمواصلة الحديث
ظل الصمت عالقًا حتى بعد رحيله
عاد الشيخ إلى مكانه وأنزل جسده ببطء ليجلس
ثم
«هل سيكون هذا مناسبًا؟»
خرج صوت من الظلال، ولم يتحرك الشيخ، فقد كان يعرف منذ البداية أن المتحدث موجود
ردًا على النبرة الحذرة، قال الشيخ: «ماذا تقصد؟»
«…هل من الحكمة أن تتركه يذهب؟»
خائن للسلالة، بينما كان الآخرون يشحذون شفراتهم، كان هو وحده يطلب السلام
لم يستطع المتحدث فهم القرار
«إن كنت ترى أن طريقه يختلف عن طريقنا، أليس الأفضل أن نتخلص منه…»
«أيها النائب»
«…نعم، أيها المعلّم الأعظم»
وجّه الشيخ نظره الحاد نحو المتحدث، فتراجع الأخير غريزيًا
كانت عينا الشيخ تحملان حدّة جعلت النائب يرتجف
«هل نسيت عهدنا؟ لا يمكن أن تكون أنت من ينساه»
«…أنا… أعتذر»
انحنى النائب برأسه بعمق
«نحن لا نقتل أبناء سلالتنا، هذا هو الوعد الذي قطعناه، أليس كذلك؟»
«…»
«مهما خسرنا، ومهما انهارنا، يجب أن نحافظ على هذا الشيء الواحد»
«…لكن…»
«وفوق ذلك، أوي تشيون يعرف هذا أيضًا»
كونه جاء بنفسه استجابة للرسالة، وسبب بقائه حيًا رغم خيانته، كلها أجزاء من الحقيقة نفسها
«حتى لو تحدث أوي تشيون بهذا الأمر أمام الغرباء…»
ضحك الشيخ، وصوته يحمل استعلاءً
«فات الأوان جدًا»
حتى لو نشر الطبيب العظيم خبر هذا الأمر، فلن يغيّر شيئًا
لقد بدأت التروس بالدوران بالفعل
حوّل الشيخ نظره إلى السقف غير المرئي فوقه، كأنه ينظر إلى ما هو أبعد منه بكثير
«العجلة بدأت تدور»
ومتى بدأت تدور، لا يمكن إيقافها
الكراهية والغضب اللذان ربّاهما ضد التحالف القتالي، ولم ينسهما قط، صارا جاهزين للرد أخيرًا
لم يبقَ إلا سؤال واحد
«أيها النائب»
«نعم، أيها المعلّم الأعظم؟»
«سنحتاج إلى التواري فترة من الوقت»
«سأبلغ الآخرين»
تفكيك التشكيل فرض تعديلًا بسيطًا على خططهم
ورغم أنه ليس قلقًا كبيرًا، إلا أن الحذر مطلوب
بالطبع…
«مهما حدث، فات الأوان لإيقافنا»
أغمض الشيخ عينيه ببطء
«لن يطول الأمر الآن»
كم انتظر هذه اللحظة
كان عليه أن يهدئ قلبه المتسارع بنفسه
كل ما بقي هو أن يشاهد التحالف القتالي وهو ينهار
لا شيء يمكنه إيقاف ذلك الآن
إلا إذا حدث أمر استثنائي غير متوقع يقلب كل شيء