بحر الشمال
أرض يتساقط فيها الثلج بلا نهاية، ويشق الهواء فيها برد حاد كالسيف
بحسب الحكايات، فإن البرد القاسي أصلا تحوّل إلى كارثة كاملة بعد موت الوحش من الرتبة البيضاء، تنين الثلج
لم أزر ذلك المكان في حياتي السابقة
ولم يكن يعد تقنيا جزءا من تشونغيوان، بل كان يتبع مكانا يشار إليه باسم عالم القتال الخارجي، المعروف أيضا باسم ساي أوي موريم
نعم، عالم القتال الخارجي
حتى مع اتساع تشونغيوان، كان عالم القتال الخارجي عالما يقع خلف حدودها
مكان لم تمسّه سيطرة تحالف القتال، حيث تعايش العالمان بحذر متبادل بدل التعاون
لم تكن العلاقات دائما عدائية ولا ودية، لكن ذلك تغيّر قبل نحو 20 عاما
في ذلك الوقت، جاء حاكم بحر الشمال، سيد قصر الجليد، إلى تشونغيوان، وتبعت زيارته متاعب
سيد قصر الجليد قاتل سيد السيف، أليس كذلك؟
لم يعرف أحد السبب الدقيق، لكن سيد قصر الجليد اشتبك مع سيد السيف، الذي كان زعيم تحالف القتال في ذلك الوقت
ويقال إن المعركة الناتجة دمّرت الجبال القريبة ومساحات واسعة من الأرض
بعد ذلك، أعلن تحالف القتال حظرا على كل السفر إلى بحر الشمال
ومن تعامل تجاريا مع قصر الجليد دفع الثمن
لا أتذكر الكثير عن تلك الفترة، سوى أن السجلات وثّقت مثل هذه الأحداث
وبعد عقود، ظلّت العلاقة بين تحالف القتال وقصر الجليد متوترة
ومع أنهم لم يصنّفوا كقوة معادية، فإن مقاتلي تشونغيوان كانوا عمليا ممنوعين من السفر إلى بحر الشمال
تقنيا، كان السفر مسموحا إذا صدر إذن من التحالف
لكن طوال السنوات منذ الحظر، لم يمنح أي إذن قط
كان القانون مجرد واجهة، فتحالف القتال لم يكن ينوي الموافقة على أي طلب
ومع ذلك…
ها أنا أسمع عن السيدة الشابة لقصر الجليد
ما هذا؟
تركتني كلمات السيدة مي عاجزا عن الكلام لحظة
هذا غير مسبوق، شيء لم يحدث في حياتي السابقة
خلال حمام الدم الذي تسبب به تشيونما في حياتي السابقة، ظل بحر الشمال صامتا
لم تطأ أي سلالة منه أرض تشونغيوان
على الأقل، ليس بحسب ما كنت أعلم، باستثناء واحد لافت، أم مويونغ هي آه
قيل إنها من سلالة قصر الجليد، لكن ذلك كان قبل حادثة سيد قصر الجليد سيئة السمعة
والآن؟ السيدة الشابة لقصر الجليد هنا، ومرتبطة بشركة بايخوا التجارية بدل تحالف القتال؟
هذا لا يستقيم
إن كان ما قالته السيدة مي صحيحا، فهذا يعني أن تحالف القتال سمح بدخول شخص من سلالة قصر الجليد إلى تشونغيوان
وفوق ذلك، بدل أن يعالجوا الأمر بأنفسهم، فوّضوه لشركة بايخوا التجارية
لا يمكن أن يحدث هذا
لكي يتحمّل التحالف خرقا كهذا لسلطته، فلا بد أن قصر الجليد قد قدّم شرطا لم يستطيعوا رفضه
ما هو؟
أي شروط قدّمها قصر الجليد، وأي عواقب سيجلبها هذا؟
كانت الدلالات تنهشني من الداخل
تباً
كأنني لست مثقلا بما يكفي من الهموم
لكن…
يبدو أنني متورط بالفعل
مهما كانت الصلة، فمن الواضح أن لها علاقة بي
طلب السيدة مي يدور غالبا حول قصر الجليد
وما الذي يمكن أن يكون لي مع قصر الجليد؟
لا أعرف
التفت إلى السيدة مي، وقررت أن أنتظر تفسيرها
وبينما أراقبها، بدأت تتحدث من جديد
«وصلت الابنة الرابعة لسيد قصر الجليد إلى هانام اليوم في وقت سابق»
«…»
اتسعت عيناي عند هذا الكشف
ليست قادمة، بل وصلت بالفعل
«من المفترض أن تصل إلى الشركة التجارية قريبا…»
وبينما تتحدث السيدة مي، انحرفت نظرتها قليلا وهي تنظر إليّ
كان في تعبيرها شيء غريب
أي نظرة هذه؟
«كما خمنت على الأرجح، لدي طلب أريد أن أسألك إياه»
«…نعم»
إذن الأمر عن قصر الجليد فعلا
كان الموقف يزداد إزعاجا كل ثانية، ولم أستطع منع نفسي من العبوس
أي طلب سيكون هذا؟ هل أستطيع الرفض؟
على الأغلب لا
تباً
«أي طلب؟» سألت بحذر
«الأمر يتعلق بالسيدة الشابة…»
قبل أن تكمل السيدة مي جملتها، وصل إلى أذني صوت خطوات مسرعة
دوي!
اندفع الباب مفتوحا، واقتحم رجل الغرفة
ومن لباسه، بدا أنه من أفراد الشركة التجارية
قلة لياقته جعلت السيدة مي تعبس، وهو مشهد نادر
«س سيدة مي!»
صوته القلِق غيّر الجو في الغرفة فورا
وكالعادة…
«حدث شيء!»
«ماذا حدث؟»
«حسنا… السيدة الشابة… هي…»
لسبب ما، حين أكون أنا متورطا، لا تسير الأمور بسلاسة أبدا
«…لقد هربت»
وهذه المرة لم تكن مختلفة
كانت الشوارع الواسعة تعج بالحركة
الشمس الحارقة فوق الرؤوس
حر خانق يملأ الجو، ومعه بحر من الناس
كان هذا ظهرا عاديا في هانام هيون
وخاصة الآن، مع اقتراب الصيف، كانت الشوارع أكثر ازدحاما من المعتاد
ومع اقتراب بطولة الفنون القتالية التي ينظمها تحالف القتال، ازداد عدد الزوار بشكل واضح
«أف… حر هذا العام مختلف فعلا»
«أنت تقول ذلك كل سنة»
«صحيح»
تحت مظلة مظللة، تجمع الناس للاحتماء من الشمس، يلوّحون لأنفسهم بكسل وهم يقتلون الوقت
«هيه، هل سمعت عن وفاة العجوز جين—ها؟»
رجل كان في منتصف حديثه لاحظ أن انتباه الحشد يتحول إلى مكان آخر
التفت، وفهم بسرعة السبب
وسط الزحام، كان هناك شخص واحد بارز بشكل فاضح
«ما هذا…؟»
«أليس ذلك الشخص يختنق من الحر؟»
«لا بد أنه جن من شدة الحرارة… ماذا يفعل بحق السماء؟»
سبب نظراتهم كان واضحا
في هذا الطقس الملتهب، حيث حتى المروحة الخفيفة لا تكفي، كان هناك من يمشي مرتديا ملابس من الفرو
كان وجهها محجوبا تماما بعباءة ذات غطاء عميق، تعطي انطباع شخص يستعد لأشد أيام الشتاء، وربما لعاصفة ثلجية
كان هذا اللباس غير مناسب تماما للصيف، لذلك جذب الهمسات والعيون من كل اتجاه
ومع ذلك، بدت هي غير مبالية تماما بكل الانتباه
كانت تركز على شيء واحد فقط
«كم هم كثيرون»
كانت الشوارع مليئة بالحياة
ومع أنها تشعر بالعيون الفضولية نحوها، فإنها وجدت نفسها مسحورة بالمشهد الصاخب
كانت تشعر بالحر، المختلف تماما عن برد موطنها القارس
وعلى عكس الشوارع المقفرة التي يتركها التجمد في موطنها، كان هذا المكان حيا بأصوات البشر
كان تماما كما قرأت عنه في الكتب
أعجبها ذلك، أعجبها كثيرا
«نعم… هذا ما كنت أريد رؤيته»
المشهد الذي تاقت لرؤيته طويلا
كان كما تخيلته، واستمتعت بكل لحظة فيه
لمست كتفها بخفة، وتشنج وجهها مع وخزة ألم خفيفة
«هل أصبت نفسي؟»
غالبا لا، لم يكن الألم شديدا لدرجة تتطلب علاجا
في وقت سابق، دفعها رجل مسرع إلى الأرض وهي تتجول في الشوارع
وهذا الانزعاج على الأرجح بسبب تلك الحادثة
«همم…»
حتى هذا، وهو شيء لم تكن لتختبره أبدا في موطنها، بدا لها جديدا بشكل غريب
تشونغيوان كانت مكانا مذهلا حقا
«ماذا أشاهد بعد؟» تمتمت لنفسها وهي تتقدم خطوة
الوقت محدود
مع أنها نجحت في الهرب الآن، فهي تشك أنه سيطول
حتى إن لم تمسك، فستنتهي بالعودة في النهاية
وإلا فسيغضب والدها حقا، وهو أمر مرعب لدرجة لا تريد التفكير فيه
بالطبع، لم يكن شيء من هذا سيحدث لو أنها لم تهرب من الأساس
«لكن كيف يمكنني ألا أفعل؟ كان يجب أن أراه بعيني»
كان هذا حلما راودها طويلا
إن لم تنتهز الفرصة الآن، فقد لا تحصل عليها مجددا أبدا
لذلك، عزمت أن تستغل وقتها لأقصى حد
«أين أذهب الآن؟»
لقد رأت ما يكفي من البلدة… حاليا
لم تكن راضية تماما، لكن هناك أماكن أخرى لزيارتها
لمحت عيناها الزرقاوان الشاحبتان من تحت الغطاء الثقيل، ونظرت نحو زقاق بعينه
«هناك حيث…»
ذلك هو الاتجاه الذي ركض نحوه الرجل المتهور بعد أن دفعها جانبا
«ماذا يوجد هناك؟»
كانت فضولية
كان هناك الكثير مما تريد رؤيته، شاولين، المعبد الأسطوري، وتحالف القتال نفسه
كان والدها قد حذّرها قبل مغادرتها موطنها
«لا تذهبي إلى تحالف القتال»
سمعت التحذير بوضوح… ثم تجاهلته مباشرة
لو كانت من النوع المطيع، لما هربت من البداية
تحركت قدماها شبه غريزيا، تحملانها إلى الزقاق
ومع توغلها، خفتت أصوات الشارع الرئيسي بسرعة
كان الزقاق الضيق سيئ الصيانة وكأنه عالم آخر بعيدا عن هانام الصاخبة
رصيف متشقق وطبقات من الغبار تملأ طريقها
«حتى هذا مدهش»
كل شيء هنا جديد عليها
رائحة دخان خفيفة
خشونة الهواء
مشهد هذا الزقاق المهمل
حفرت كل ذلك في ذاكرتها
وأثناء سيرها، توقفت فجأة، وتثبتت نظرتها في مكان يبدو فارغا
«هم؟»
بالنسبة لأي شخص آخر، لن يكون سوى رصيف متشقق وغبار
ومع ذلك، كانت تشعر بانجذاب إليه، عاجزة عن التخلص من إحساس بأن شيئا هناك
«ما هذا؟»
تأجج فضولها، فتقدمت خطوة، ومدت يدها كما لو أنها ستقبض على شيء غير مرئي
لكن لا شيء هناك، لمست أصابعها الهواء الفارغ فقط
«هل كنت أتخيل؟»
ضحكت من نفسها
ماذا كانت تتوقع أن تجد؟
ومع ذلك، كان واضحا أنها في مزاج جيد، تستمتع باللحظة
بالطبع، لم يكن هناك شيء
طردت الفكرة واستعدت للرحيل
لكن حينها…
توقف
تجمدت في مكانها
كان يقف أمامها الآن شاب ينظر إليها بتعبير غامض
جلده الشاحب كان يتناقض بقوة مع عينين ذهبيتين، وشعره الأسود الأشعث يتدلى بحرية حول كتفيه
كان في حضوره شيء بارد، يكاد يخنق المكان
متى وصل إلى هنا؟
وبينما كانت توشك أن تسأل، تحدث الشاب
«وجدتها»
«…!»
أكمل بصوت هادئ لكنه واثق
«تنطبق عليها المواصفات تماما»
فهمت خطورة الموقف فاستدارت فجأة
هذا سيئ
كان واضحا أنه تم كشفها
حاولت الشابة أن تندفع هاربة، مستعدة لدفع نفسها عن الأرض—
«آه!»
لكن كان هناك من يقف خلفها بالفعل
كانت هيئة صغيرة، ترتدي نقابا يغطي الوجه
ومع أن وجهها كان محجوبا، فإن الشعر الأخضر اللافت المنسدل خلف كتفيها ترك انطباعا قويا
حوصرت من الأمام والخلف
والآن ماذا؟
لا يبدو أنها تستطيع اختراق الطوق بسهولة
ابتلعت ريقها، وترددت، تحاول أن تجد مخرجا بسرعة
ثم…
«يا للعجب»
تنهد جاء من خلف المرأة المنقبة
«تباً، أركض وألعب مطاردة في هذا العمر… أي وضع سخيف هذا»
حمل الصوت ضيقا خالصا، يقطر استياء ودهشة
أمالت الشابة رأسها قليلا لترى أفضل
ورأته حينها
كان شابا يقترب من خلف المرأة المنقبة
شعره الداكن فوضوي، وعيناه السوداوان حادتان
كان يرتدي لباسا قتاليا أسود بسيطا، لا شيء مميزا كثيرا في مظهره
ومع ذلك، لسبب ما، شد انتباهها
هل كانت الحدة الشرسة في عينيه؟
أم الانزعاج الواضح الذي يشع من تعبيره؟
مهما كان السبب، شعرت الشابة بانجذاب غريب نحوه
لم يحاول غو يانغتشون إخفاء ضيقه
تجهم وهو يخاطب الشابة بنبرة حادة
«من النظر إليك، لا تبدين صغيرة لهذا الحد، فلماذا تركضين كطفلة مشاغبة وتجعلي حياة الجميع صعبة؟»
«…»
كان أسلوب كلام لم تسمعه قط في حياتها
«أقسم أن السيدة مي يجب أن تبدأ بضرب الناس، كيف يفلت شيء كهذا من يدها…»
وإن كان صوته قد خفت في آخر الجملة، فمعناه كان واضحا بما يكفي
راقبته الشابة بصمت
ثم رفعت يدها وعدّلت غطاء الفرو الذي كان يحجب رؤيتها
ذلك اللباس الثقيل جعل الرؤية صعبة عليها
«على أي حال، لننه هذا بسرعة—»
بدأ غو يانغتشون يتحدث من جديد، ثم توقف فجأة في منتصف الجملة
حين حرّكت الشابة غطاءها، انكشف جزء من وجهها
أول ما ضرب عينيه كان عيناها الزرقاوان الشاحبتان، ساطعتان كأنهما من بلور
كانتا تشبهان بشكل مخيف عيني شخص آخر
كان يعرف هذه العينين
قيل إنها علامة سلالة بحر الشمال
لكن بخلاف ذلك الشخص، كانت هذه المرأة نقية السلالة، لذلك لم يكن هذا وحده مفاجئا تماما
غير أن عينيها لم تكونا المشكلة الحقيقية
«…يا للخسارة، كنت أريد أن أستمتع قليلا مدة أطول»
جذب صوتها غو يانغتشون من شروده، فاتسعت عيناه عند كلماتها
كان صوتها لعوبا، ممتلئا بالمشاكسة
ومع تحركها، ظهر شعر أبيض من تحت الغطاء
كان أبيض نقيا، يطابق الوصف الذي أعطي له تماما
لكن…
«ما هذا بحق الجحيم؟»
لماذا…؟
لماذا تبدو مألوفة إلى هذا الحد؟
«يبدو أنني انكشفت بالفعل»
ابتسمت وهي تتكلم، بنبرة خفيفة وممازحة
كانت تشبه مويونغ هي آه كثيرا
لدرجة أنه، للحظة، تساءل…
هل هما الشخص نفسه؟