بعد أن غادر التنين السماوي، أنهينا بعض الحديث العابر، وحين عدت كان بايجون قد دخل النزل بالفعل، وكانت طاولة الطعام مغطاة بأصناف كثيرة
«ما كل هذا؟»
«أليس واضحا؟»
بالطبع كنت أعرف
وهذا بالضبط هو المشكلة
«لماذا طلبت هذا القدر من الطعام؟»
«بعضه لنأخذه معنا، ألا يثير فضولك؟»
«فضولي تجاه ماذا؟»
«زلابية الرهبان، ألا تثير اهتمامك؟»
«…»
توقفت لحظة عند كلماته
لقد انتبه إذن
هذا العجوز، لقد فهم الأمر
الرجل الذي كان يأكل الزلابية في النزل قبل قليل لم يكن سوى التنين السماوي لشاولين
وإن كنت قد عرفته، فلا يمكن أن بايجون لم يعرفه
جلست بعبوس خفيف وسحبت كرسيا أقرب، ثم التقطت زلابية من على الطاولة وسألت
«هل يمكنني أكل هذه؟»
«لقد لمستها بيديك المتسختين، لماذا تسأل الآن؟»
«متسختين؟ أنا أغسل يدي جيدا دائما»
«الأفضل لك ذلك، ماذا ستفعل لو لم تفعل؟»
«…»
ما هذا الحوار المستفز؟
عقدت أنفي وأخذت قضمة من الزلابية، وكما توقعت كانت لذيذة جدا
الطعم نفسه الذي طلبت من مو يونغ هي آه أن تحضره سابقا
غني وممتلئ بالنكهة
الرائحة شهية والطعم أروع
إن اختفى هذا المكان يوما فسأنزعج حقا، على الأقل لهذا السبب
بعد أن ابتلعت بقية الزلابية سألت بايجون
«إذن ماذا حدث؟»
عقد بايجون ذراعيه وأمال ظهره إلى الخلف على الكرسي
«ماذا تقصد؟»
«حادثة قبل قليل، ماذا حدث بعدها؟»
كنت أسأل عما جرى بعد أن أسقط التنين السماوي ذلك الرجل، مهما كان اسمه
«ماذا تتوقع أن يحدث؟ جاء رجال التحالف وأخذوه»
كما توقعت، لم يحدث شيء غير معتاد، والأهم…
التحالف أخذه
إذا سحب التحالف مقاتلا من الدرجة الأولى وهو سكران ويثير الفوضى، فلن يعود بحالة جيدة
في أفضل الأحوال…
لن أراه هنا لفترة
جيد، كانت رؤيته وهو يخرّب النزل تثير…
كنت على وشك أن أتعامل معه بنفسي
لكن يبدو أنني لن أحتاج لتلويث يدي
وبالمناسبة، هل آخذ زلابية أخرى؟
وما إن مددت يدي حتى قطع بايجون الصمت
«هل سارت المحادثة جيدا؟»
سؤاله قتل شهيتي فورا
«نعم، سارت بخير»
«لم تضرب ذلك الفتى، صحيح؟»
«…؟»
عبست من سؤاله الغريب
«ماذا تقصد بضربه؟ هل تريد الناس أن يظنوا أنني بلطجي؟»
غير معقول
أي نوع من الناس يظنني؟ ولماذا سأضرب أحدا؟
«ثم إن ضربه لن يفيد بشيء»
«همم»
لم يجادل بايجون كلامي، ولا سبب يجعله يفعل
فالتنين السماوي واضح أنه ليس شخصا عاديا
«صحيح، تيانآن أنجبت واحدا مذهلا فعلا»
واحد مذهل
أن تخرج هذه الكلمات من فم بايجون ليس أمرا بسيطا
عندما سمعت ذلك أطلقت ضحكة صغيرة
«هل أعجبك؟»
سألته بدافع الفضول إن كان قد استلطف التنين السماوي، فارتسمت على شفتي بايجون ابتسامة خفيفة مائلة
«لماذا؟ هل تغار؟»
ماذا؟ أي هراء هذا؟
«أيها الشيخ، هل فقدت عقلك…!»
قبل أن أكمل اندفع شيء للأمام وتوقف على بعد بوصات من وجهي
عيدان الطعام
«هل أقتلع عينيك بهذين؟ يبدو أنهما تعطّلتا»
«…آسف»
اعتذرت اعتذارا قصيرا، وعندها فقط سحب بايجون العيدان للخلف
وأنا أكبت الضيق الذي يغلي داخلي لم أستطع إلا أن أفكر
لم أرها
المشكلة لم تكن أنني لم أفعل رؤيتي الروحية، بل أنني لم أستطع التقاط حركة بايجون أصلا
هل ازدادت سرعته بعد وصوله إلى مرتبة هواجيونغ؟
لا أعلم، لكن شيئا واحدا واضح
لن أتحداه قريبا أبدا
كنت أظن أنني بدأت ألحق به، لكن ذلك الوهم تحطم مرة أخرى
وكان الأمر مستفزا إلى حد لا يوصف
«غيرة؟ أغار مماذا؟ لا يوجد ما يستحق الغيرة هنا»
نقرت لساني وكلماتي تقطر ضيقا، فضحك بايجون بخفة
«الجسد الممتاز ليس شيئا يستهان به، لكنه ليس كل شيء»
«ولماذا لا؟ ألم تقل إن امتلاك جسد استثنائي مهم؟»
«قلت، لكنك تعرف أن جسدك ليس الوحيد الذي يطابق الشروط»
كان محقا
رغم أن جسدي تشكل بفعل العودة للحياة وعدد لا يحصى من اللقاءات العجيبة، إلا أن هناك غيري ممن يملكون الحد الأدنى لتعلّم توا باتشيونمو
ليسوا كثيرين، لكنهم ليسوا نادرين لدرجة مستحيلة أيضا
اتضح لي ذلك أكثر بعد أن جرّبت بنفسي
وعكس ما كان بايجون يبحث عن صاحب بنية ومهارة خارقتين، لم تكن توا باتشيونمو تقنية تتطلب موهبة خارقة
في البداية أخافتني لأنها بدت متقدمة جدا
لكن حين تعلمتها اكتشفت أنها ليست بهذه الصعوبة كما تخيلت
كون شخص مثلي، بلا موهبة فطرية، تمكن من إتقانها كان دليلا كافيا
مع أنني أعترف أن الفضل الأكبر يعود لبايجون
إذا لم ينجح شيء كان يجعله ينجح
وإن لم ينجح حتى حينها كان يغيّر الطريقة ويجرب من جديد
بالنسبة له لا يوجد شيء اسمه مستحيل
تلك كانت فلسفة بايجون
عندما أتبع خطاه تبدو الأمور وكأنها تنتهي دائما لصالحنا، مهما كان ذلك مستفزا
ومن هذه الزاوية بدأت أتساءل إن كانت توا باتشيونمو حقا صعبة كما كان بايجون يصوّرها
«أيها التلميذ الساذج» نقر بايجون بلسانه «أنت ترتكب خطأ فادحا»
حدق فيّ بنظرة تمزج بين خيبة الأمل والشفقة
«كما قلت، كثيرون يملكون الشروط الجسدية المناسبة، لكن كم واحدا وصل إلى تلك الشروط في عمرك؟»
«حسنا، هذا صحيح»
جسد قادر على تحمّل توا باتشيونمو
نعم، هناك كثيرون يطابقون الشروط، لكن كم واحدا حقق ذلك وهو صغير بهذا الشكل؟
حتى لو عددتهم لن يصلوا إلى 10
حتى الآن، وأنا أبحث في ذهني، لم يخطر لي سوى 4، وأنا منهم
«وفوق ذلك، أهم صفة لإتقان الفنون القتالية ليست الجسد ولا الموهبة»
«إذن ما هي؟»
«الصبر»
الصبر؟
من ملامحه كان جادا، لكن الفكرة لم تقنعني تماما
الصبر هو الأهم؟
الصبر بديهي لأي شخص يسلك طريق الفنون القتالية
وإن كان بديهيا، كيف يكون الأهم؟ لم أستطع أن أتفاعل معه
لا بد أن بايجون رأى الشك على وجهي، فنقر بلسانه مرة أخرى
«هل تعارض؟»
«…لا أستطيع أن أوافق تماما على هذا»
كنت أفهم قصده تماما
تعلم توا باتشيونمو كان عملية مؤلمة للغاية
لكي أغيّر جسدي بالقوة كان علي أن أحرك عظامي، وأحفّز عضلاتي، وأؤثر حتى في أوعيتي الدموية، وكان الألم كأن أحدهم يرقص بسكاكين داخل جسدي
كل حركة يجب أن تكون بلا أي خلل، دون أدنى اضطراب في تدفق قوتي، وكان علي أن أتحمل ذلك الألم وأكرر الحركات نفسها عشرات الآلاف من المرات
ما إن أخطو خطوة حتى يجب أن أنتقل إلى التالية
لم أعد أعرف عدد التكرارات، لم أستطع العد إلا بالأيام
10 أيام لإتقان لكمة واحدة، و15 يوما للالتفاف الصحيح بالخصر
هكذا مر الوقت، وهكذا وصلت إلى ما أنا عليه الآن
بايجون لم يستعجلني قط، وأنا لم أنتقل قبل أن أتقن كل حركة
لم ينفد صبر أي منا أو يضق ذرعا
رغم أنني كنت أشعر أن الوقت قليل وينزلق من بين يدي، لم ألوم في حياتي السابقة أحدا سوى نفسي على تقصيري
وهكذا وصلت إلى هذه النقطة
لذلك تساءلت
«ما الصعب في الأمر؟»
ما الذي يمكن أن يكون صعبا؟
الصبر بديهي لمن يتعلم الفنون القتالية، وعدم إدراك ذلك هو ما بدد حياتي السابقة
أما الآن فأنا فقط أحاول ألا أكرر الأخطاء نفسها
الألم يمكن تحمله، والإحباط يمكن تجاوزه
ما الصعب في ذلك حتى يُعد موهبة؟ إنه مجرد تحمّل
«…»
قلت ذلك ببساطة، فظل بايجون يراقبني بصمت
وبعد لحظة تفكير قال أخيرا
«يا أحمق»
«لماذا تشتم فجأة؟»
«تبدو بلا فهم اليوم أكثر من المعتاد»
نهض بايجون، وأخذ بعض الطعام من على الطاولة، ثم قال
«هيا بنا، لقد تأخر الوقت»
نهضت أنا أيضا وتبعته
«إذن ماذا كنت تريد أن تخبرني قبل قليل بالضبط؟»
«هم؟ آه»
وأنا أسير خلفه سألته عما كان يريد قوله سابقا
«لا شيء مهم، ستعرف لاحقا، لا تشغل بالك الآن»
«…هذا يجعلني أقلق أكثر»
كيف لا أقلق وهو يقولها بهذا الشكل؟ خصوصا وهو هو
هذا الرجل يكرر علي ألا أثير المشاكل، لكن…
هو نفسه ليس شخصا مسالما تماما
قصص أيام شبابه سيئة السمعة
تدمير طوائف كاملة فقط لاختبار فنونه القتالية، أو تفكيك مقاتلين من مدارس منافسة ثم إعادة ترتيبهم كما يشاء
حتى لقبه في شبابه كان يتضمن «الكلب المسعور» لسبب واضح
ومن ملاحظتي ليس الهوس بالفنون القتالية وحده عنده
الرجل مجنون فحسب…
هووف
«…!»
انطلقت عيدان الطعام نحو عيني، تماما كما حدث قبل قليل
كدت أفلت منها بالكاد حين أدرت رأسي في الوقت المناسب، لكنها مرت على بعد شعرة
مذعورا حدقت في بايجون وصرخت
«ما هذا بحقك؟ ولماذا؟»
«بدوت كأنك تفكر بهراء، فتحركت يدي وحدها»
«…»
تبّا
نقرت لساني في داخلي، غرائزه لا تزال حادة كما هي
حين رفعت نظري كان بايجون قد خرج من النزل بالفعل
كبتُّ ضيقي وتبعته بصمت
وأثناء خروجنا نادى صوت متردد
«آه، عذرا…»
التفتُّ نحو الصوت فرأيت المرأة التي تعرضت للمضايقة سابقا
مي… شيء ما، ميسون؟ ميسوك؟ أيًا يكن
لا يهم
نظرت إليها وسألت
«ماذا هناك؟»
كان غريبا أن تقترب مني امرأة ليست مقاتلة، فرفعت حاجبي وأنا أجيبها
«إيك…!»
ارتجفت وتراجعت بخوف
«…»
«أأنا آسفة… آسفة جدا…»
عادة كنت سأتجاهل شيئا كهذا، لكن هذا وخزني قليلا
هل وجهي مخيف إلى هذا الحد؟
الأطفال قالوا إنه ليس كذلك، لكن ها نحن نرى
على أي حال لا داعي لتفريغ ضيقي على مدنية، فكبحت انزعاجي وسألت من جديد
«…إذن ماذا هناك؟»
«أآه، أمم… حسنا…»
وأشارت نحو شيء، أو نحو شخص
كان بايجون، وقد ابتعد كثيرا، يختفي في الشارع بخطوات سريعة
ما به؟ هل جاع إلى هذه الدرجة؟ هل لديه جشع خفي للطعام؟
«…آه، في الحقيقة…»
قاطع صوتها المتردد أفكاري
«ههو لم… يدفع…»
«…؟»
لم يدفع؟
أخذ الطعام وخرج دون أن يدفع؟ ضيقت عيني وكررت كلماتها في رأسي
لحظة، مستحيل…
نظرت إليها فثبتت نبرة صوتها المرتجفة شكوكي
«قال… إن شخصا من مجموعته… سيدفع عنه…»
«…»
امتلأت عيناها بالدموع وهي تتكلم
هاه
هذا العجوز اللعين…
متى بدأ الأمر؟
لم يمض وقت طويل، لكنني في الفترة الأخيرة بدأت أحلم أكثر من المعتاد
ليس أن هذا غريب علي، فالأحلام ليست جديدة بالنسبة لي
المشكلة أن معظمها كان كوابيس
أحلام تعيدني إلى خطايا حياتي السابقة
أحلام بمن لم أستطع إنقاذهم، وبمن ماتوا بسببي
كانت كوابيس مرعبة لا تتوقف
كرهت النوم بسببها
هذا كل ما كانت عليه أحلامي دائما
لكن مؤخرا، كانت الأحلام مختلفة
بدأ الأمر بعد وقت قصير من توقفي أخيرا عن الحلم تماما
في اللحظة التي ظننت فيها أنني سأستمتع أخيرا بنوم هادئ، بدأت الأحلام الجديدة
لم تكن عن حياتي السابقة
كانت عن مواقف لم أعشها قط، وأشياء لم أرها من قبل
حتى المشاهد كانت تتغير في كل مرة
الشيئان الثابتان فقط هما أنني كنت دائما داخل الحلم
وأن الشخص بجانبي لا يتغير أبدا
وليلتها لم تكن مختلفة
كنت أمشي في مكان ما من جديد
وبجواري، كما دائما، كان ذلك الشخص
«يدك باردة»
قلت ذلك وأنا أمسك يد شخص ما، وأنظر إلى الهيئة بجانبي
لم أستطع رؤية وجهها
كل ما كنت أعرفه أنها امرأة وأنها تظهر دائما في أحلامي
كيف يمكنني أن أكون واثقا وهي بلا وجه واضح؟
لا أعلم، كنت أعرف فقط
كان شيئا أشعر به بالفطرة
حين أمسكت يدها بحذر ابتسمت المرأة
«هاها، إنه الخريف، ليس الجو باردا أصلا»
«…إن كنت أشعر بالبرد، فهو برد»
يا له من كلام سخيف
مشاهدة نفسي أتصرف هكذا جعلتني أشعر بالغثيان
أي حلم عبثي هذا؟ تعكر مزاجي فورا
ومع ذلك ضحكت المرأة وكأنها تستمتع
ربما لأنه مجرد حلم
لا توجد امرأة حقيقية ستضحك على شيء بهذه الحماقة
«الأوراق تحولت إلى الأحمر»
«هل هي جميلة؟»
«إنها جميلة بشكل خاص هذا العام»
شدّدت قبضتي على يدها دون وعي
كانت هي التي تقودني وترشد الطريق
وتبعتها وأنا أتمنى بغرابة أن نمشي ببطء أكثر
«ستكون أجمل في العام القادم»
«كيف أنت واثقة؟»
«لأنني أعرف كل شيء، أنا ذكية»
«…حسنا»
«لا تبدو مقتنعا»
«أنا أصدقك»
بدت في عمري تقريبا، أو بالأحرى في العمر الذي كنت عليه قبل أن أموت في حياتي السابقة مباشرة
حين أجبت بفتور عبست، وصوتها ممتلئ بالاستياء
«أنا فعلا أعرف كل شيء، لماذا لا تصدقني؟»
«قلت لك إنني أصدقك»
«لا، أنت لا تصدق، أنت تكذب»
كان صوتها يحمل دلعا غاضبا خفيفا
ثم تركت يدي
ومع زوال الدفء تحرك داخلي شعور غريب بالندم
مشت بخفة إلى الأمام، ثم استدارت لتواجهني وتكلمت بهدوء
«هل أخبرك بشيء آخر؟»
«ما هو؟»
كان صوتها مرحا، كأنه ممتلئ بالسعادة
هي وأنا وحتى أوراق الخريف بدت مضيئة على نحو غريب
«هل تظن أن هذا الطفل سيكون ولدا أم بنتا؟»
قالت ذلك وهي تضع يدها على بطنها
شهقت من المفاجأة
الآن بعد أن قالتها، كان بطنها مستديرا قليلا
ملاحظتي لذلك جعلت صدري يضيق
«لا أعرف»
«ألا تملك تفضيلا؟»
«…لا يهم، كلاهما جيد»
سواء كان ولدا أو بنتا لا يهم
على الأقل، سأحاول أن أكون أبا أفضل من أبي
هذا ما كنت أفكر فيه حتى داخل الحلم
ابتسمت المرأة لنسختي الساذجة
«كنت أعرف أنك ستقول ذلك»
رغم أنني لم أر وجهها
كنت أعرف أنها تبتسم بوضوح
لم أر ابتسامتها
لكنني شعرت بها
أردت أن أمد يدي
أردت أن أمسك يدها مجددا
تحرك
إن كان هذا حلما، دعني أتحرك
وكأن جسدي استجاب لرغبتي اليائسة، بدأ يتحرك
مشيت نحو المرأة التي تبتسم ومددت يدي
أردت أن أمسك يدها مرة أخرى
لكن قبل أن ألمسها تماما…
«لا»
تراجعت المرأة خطوة
لماذا؟ لماذا تبتعد فجأة؟
مرتبكا نظرت إليها، فحافظت على ابتسامتها وهي تقول
«لا يمكنك فعل هذا»
«لماذا لا؟»
«لا يمكنك أن تتذكر هذا»
«ماذا تقولين فجأة؟»
«إنه وعدنا»
ثم بدأت تمشي مبتعدة
تجاهلت كلامها غير المفهوم وركضت خلفها
لكن مهما حاولت لم أستطع أن أقلص المسافة
تسلل الذعر إليّ
لماذا لا أستطيع الوصول إليها؟
مددت يدي نحوها
ركضت بكل قوتي، لكن المسافة بقيت كما هي
«ما هذا…!»
«اسمع»
قالت المرأة ذلك وهي تراقبني وأنا أتصارع بيأس
«من فضلك، كن سعيدا»
كانت كلماتها المبتسمة ممتلئة بالحزن
«إن كنت سعيدا فأظن أنني سأكون بخير أنا أيضا»
«ماذا تقولين أصلا؟!»
حينها أدركت
المشهد الجميل من حولنا اختفى، واستبدل بظلام دامس
كان الظلام يسقط
عتمة عميقة مرعبة تبتلع كل شيء
ومع أنني كنت أعرف ذلك لم أتوقف عن الركض
واصلت الركض محاولا الوصول إليها، لكنها اكتفت بالهمس وهي تراقبني
«وداعا»
انتهى الأمر هنا
كانت كلماتها آخر ما سمعته قبل أن يبتلعني الظلام بالكامل
«هاه…!!»
استيقظت فزعا
«هاف… هاف…»
جلست فجأة وأنا ألهث بحثا عن الهواء
«…ما هذا بحق الجحيم… ما هذا؟»
لم أستطع التخلص من الشعور المقلق بعمق
أي حلم مشوه كان ذلك؟
«انتظر»
ومع ذلك…
عن ماذا كان الحلم؟
لسبب ما لم أستطع تذكر شيء واحد عنه
كأنني لم أحلم أصلا
لم يبق أثر واحد في ذهني
وهذا جعل الشعور أسوأ فقط