«كياااه!»
انطلقت صرخة حادّة تخترق الأذن كأنها طعنة
استدرتُ تلقائيًا نحو مصدر الصوت
لم يكن بعيدًا جدًا، ومع ذلك، ورغم الصرخة، ظل الشارع المزدحم حيًا، مليئًا بالكلام والحركة
وسط هذا الصخب الحي، التفت بعض الآخرين، مثلي تمامًا، نحو مصدر الصوت
«كلهم فنانون قتاليون»
كان الأمر واضحًا، فمَن يستطيع تمييز هذا الصوت وسط ضجيج الشارع، لا بد أن حواسه ازدادت حدّة بفعل التدريب القتالي
«هل حدث شيء؟»
صرخة كهذه تعني المتاعب بوضوح، لكنني، رغم ذلك، كنت غير مبالٍ إلى حد كبير
«سيتكفّلون بالأمر»
هذا ليس مكانًا عاديًا، إنها هانان، مقر التحالف، أي متاعب ظهرت ستُحل بسرعة
وبذلك، أعدتُ انتباهي إلى بايجون، مستعدًا لمواصلة حديثنا السابق
«أيها الشيخ، كنت تقول… ها؟»
حين نظرتُ إلى جانبي، لم يكن بايجون موجودًا، تلفّتُّ حولي أتساءل أين اختفى
ثم رأيته، يسير باتجاه الصراخ
«…إلى أين تذهب؟»
ناديتُه، فمال بايجون برأسه قليلًا ونظر إليّ من طرف عينه، وكان بريق عينيه يحمل اهتمامًا غريبًا يصعب قراءته
«تلميذي»
«نعم؟»
«هل تعرف ما أكثر شيء مسلٍّ في العالم؟»
«مشاهدة دخولي المال»
«…»
أجبتُ بلا تردد، فالتوت ملامح بايجون بضيق
لماذا؟ هذا فعلًا أكثر شيء مسلٍّ، أليس كذلك؟
«…أنت فعلًا بلا أي حس رومانسي، أليس كذلك؟»
لا أستطيع، حياتي كانت واقعية أكثر من اللازم كي تسمح بمثل هذه الرفاهية
«وما الأكثر تسلية إذن؟» سألتُ ببرود، مجاملًا إياه
ارتسمت ابتسامة على شفتي بايجون، واضح أنه سُر لأنني سألت
«أكثر شيء مسلٍّ في العالم» قال
«نعم؟»
«هو مشاهدة الآخرين يتقاتلون»
«…عفوًا؟»
«لا شيء يضاهيه»
«…»
تنهدتُ، كلامه واضح
«يريد أن يذهب ليتفرّج»
كانت هذه طريقة بايجون في القول إنه لا بد أن يرى ما يحدث مهما كان
من دون أن ينتظر ردّي، استدار وبدأ يمشي بسرعة نحو موضع الاضطراب
تبعته وأنا أطلق زفرة طويلة
وفي النهاية وصلنا إلى المكان
«…ها؟»
لدهشتي كان الموقع مألوفًا
كان هو الحانة التي أزورها عادة بسبب زلابيتها الممتازة كلما كنت في هانان
«كنت أنوي المرور أصلًا»
لم أتوقع أن تكون الزيارة بهذه الطريقة
بدافع الفضول حول ما الذي قد يدفع أحدهم إلى صرخة داخل مكان للأكل، ألقيت نظرة إلى الداخل
«آه»
لم يطل الأمر حتى فهمت الوضع
رجل ثمل، وجهه محمر من الشراب، سحب سيفًا وصار يشير به إلى أحدهم، وفي قلب الفوضى كانت امرأة ترتجف ودموعها تلمع في عينيها
«…أيها الوغد…!!»
زمجر رجل على اليسار ووجهه ملتف بالغضب، بدا في الأربعينيات من عمره
وبالحكم على هالته…
«من الدرجة الثانية إلى الدرجة الأولى»
مستوى متوسط لكنه مقبول لفنان قتالي
لن يُعد ضعيفًا… إلا إذا كان محاطًا بالوحوش مثل الموجودين هنا في هانان
ومع ذلك…
«أصحاب ذلك المستوى غالبًا أسوأ الناس طبعًا»
إنها المرحلة التي يصطدم فيها الفنانون القتاليون بجدار موهبتهم ويستسلمون لفكرة الاختراق
يأكلهم الغيظ والإحباط، فيستقرون في مستوى متوسط، ويستغلون قدراتهم للتنمّر على الآخرين
يبدو أن هذا القدر من الإتقان يلد أسوأ الشخصيات
معظم مثيري المشاكل في العالم القتالي يقعون ضمن هذه الفئة
«ويبدو أنه واحد منهم»
ذلك الثمل كان يُشع بالانطباع ذاته
«هاها»
بايجون، وهو يراقب المشهد، أطلق ضحكة قصيرة، كأنه مستمتع تمامًا
ولم يكن وحده من تفاعل
الزبائن الآخرون بدأوا يتهامسون، وأصواتهم خليط من القلق والاستنكار
«أليس ذلك موك دوسوك؟»
«بلى، هو نفسه، تس تس… هل يثير المشاكل مجددًا؟»
ومن ردودهم بدا أن موك دوسوك صاحب سمعة سيئة ومعروفة
«وماذا هذه المرة؟»
«أترى تلك المرأة؟ إنها ميسوك»
الرجل الذي يتكلم أشار بذقنه نحو المرأة المرتجفة
«لا تقل إنه… هل تحرّش موك دوسوك بميسوك مجددًا؟»
«ولِمَ لا؟»
امتلأ المكان بأصوات الاستنكار وفرقعة الألسنة، ويبدو أن هذه ليست المرة الأولى التي يستهدف فيها موك دوسوك امرأة
«إذن؟ هل انفجرت ميسوك أخيرًا في وجهه؟»
«بالطبع لا، ميسوك تحب حياتها، لقد كانت تتحمّل»
«فماذا حدث هذه المرة؟»
«أليس واضحًا؟ بطل قتالي شاب قرر أن يتدخل»
أحدهم تدخل لحماية المرأة من مضايقات موك دوسوك
امتلأت وجوه الزبائن بالقلق وهم يرمقون الداخل
«هذا سيئ… يا لسوء الحظ، أن يختار مواجهته موك دوسوك…»
«يجب أن نتواصل مع التحالف فورًا، إن تصاعد الأمر سيسفك الدم…»
كانت أصواتهم مشدودة بالعجلة
ولم يكونوا مخطئين، إن بدأ فنان قتالي من الدرجة الأولى مثل موك دوسوك يلوّح بسيفه، قد تتحول الحانة بسرعة إلى ساحة قتال
لكن المشكلة كانت…
أنهم يقلقون على الشخص الخطأ
نظرتُ إلى موك دوسوك وفكرت
«ذلك الرجل انتهى»
الخطر الحقيقي لم يكن الشاب الذي يوجّه موك دوسوك سيفه إليه… بل موك دوسوك نفسه
حوّلتُ نظري إلى الشخص الجالس عند الطاولة، متلفعًا بعباءة بسيطة
كانت العباءة تخفي وجهه، مما يصعب تقدير عمره، ومن بنيته بدا رجلًا
لكن لحظة رأيته عرفت
«إنه هواجيونغ»
ذلك الرجل تجاوز الكمال وبلغ مستوى هواجيونغ
سواء أدرك موك دوسوك ذلك أم لا، فقد حدّق في صاحب العباءة صارخًا بعينين تشتعلان
«كيف تجرؤ على السخرية مني؟ هل تريد الموت!؟»
وقف الرجل المتلفع ببطء ردًا عليه
كشّششش…
كانت حركاته مخفية وهو جالس، لكن حين وقف اتضح كل شيء… جسده كان ضخمًا للغاية
«لم أسخر منك» قال بصوت عميق يناقض حداثة سنه، لا يبدو كبيرًا جدًا
سخر موك دوسوك وأظهر أسنانه
«تظن أنك لم تسخر حين تعترض طريقي؟ مَن تظن نفسك!؟»
«لم أستطع تجاهلك وأنت تفرض نفسك على شخص قال لا»
«أيها الوغد…!»
طحن موك دوسوك أسنانه أمام الرد الهادئ
«بأي حق تتدخل؟ هل تلك المرأة خطيبتك مثلًا؟»
وفجأة تبدّل تعبيره كأنه أدرك شيئًا
«آه، إذن هذا هو الأمر…»
اتجهت نظرته إلى ميسوك، المرأة المرتجفة
«كنتِ ترين هذا الرجل من خلف ظهري، أليس كذلك؟ لهذا!»
«لا… لا! لم أقابله قط قبل اليوم…!» صاحت ميسوك بصوت يختلط فيه اليأس
لكن موك دوسوك لم يبدُ أنه صدقها
«لهذا لم تستجيبي لي، ها؟ كنتِ تتلاعبين بي طوال الوقت!»
كيف وصل إلى هذا الاستنتاج أمر يتجاوز فهمي
والإنصات لهذيانه كان يثير الغضب
«يا للخسارة»
تمنيت لو كنت أنا الواقف في ذلك الموضع، لو كنت هناك لانتزعت لسانه قبل أن يتم كلامه الفارغ
وحين مرّت الفكرة في ذهني، تذكرت ما قاله بايجون قبل قليل
«مشاهدة القتال هي الأكثر تسلية»
وبشكل غريب، بدأت أوافقه
في تلك اللحظة
«كم أحسنتُ إليك، وهكذا تتلاعبين بي!؟»
موك دوسوك، وقد بلغ غضبه الغليان، بدأ يصرخ في وجه المرأة
وما زاد الأمر سوءًا أنه شد قبضته على السيف وتحرك كأنه سيفعل بها شيئًا
«كياااه!»
ومع صرخة المرأة المرعوبة
قبضة
«…!»
الشاب أمسك ذراع موك دوسوك في منتصف الضربة
استدار موك دوسوك مذهولًا يحدّق في الفتى الذي يمسك ذراعه
«ما جدوى تعذيب الضعفاء؟ أرجوك اهدأ»
بدا أن الشاب يحاول حلّ الموقف سلميًا
ما أطيبه
لو كنت أنا…
«لكنتُ نزعتُ ذراعه»
لكنته نزعًا كاملًا بلا تردد
هذا القدر من ضبط النفس كان غير مفهوم بالنسبة لي
وعلى الأرجح كان غير مفهوم أكثر لموك دوسوك
«أيها الوغد…!»
كان ينبغي له الآن أن يدرك أن خصمه ليس ممّن يُستهان بهم
لكن سواء كان الشراب يحجب حكمه أو كانت غطرسته هي السبب، فقد بدا أعمى تمامًا عن الواقع
«حسنًا إذن! سأقتلك أولًا!»
لوى موك دوسوك جسده ووجّه لكمة
الطاقة في تلك اللكمة حملت قصد قتل واضحًا، كان ينوي القتل فعلًا
قتل شخص هنا، في قلب هانان؟
جريء جدًا
حتى وهو ثمل، اضطررت للاعتراف أن الجرأة مثيرة للإعجاب
لكن الجرأة وحدها لا تجعل الأمور تسير كما تريد
وحين اندفعت قبضة موك دوسوك نحوه، تمتم الشاب بصوت خافت
«…أعتذر، أتمنى أن تفهم»
كانت الكلمات هادئة، لكنني سمعتها بوضوح
ثم
دوم!
«غورك!»
ضربت يد الشاب صدر موك دوسوك مباشرة
طار جسد موك دوسوك في الهواء ثم ارتطم واندحرج على الأرض
ومع أنه حاول أن ينهض بصعوبة للحظة
«سعال… غه… أرخ…»
ثم سقط ثانية، وتقيأ مرارة مرات قليلة قبل أن يُغشى عليه تمامًا
في اللحظة التي ارتطم فيها موك دوسوك بالأرض، سكتت همهمات الحشد من حوله
حتى صوت الأنفاس بدا كأنه اختفى
ومع استقرار الحانة في هدوء خانق، تحرك الشاب بحذر
اقترب من المرأة المرتجفة، وعيناها واسعتان من الصدمة
«أعتذر لإحداث هذه الفوضى»
«آه… لا، لا بأس…»
«تبدين شديدة الارتجاف»
تحدث الشاب بلطف وهو يخرج شيئًا من كمّه
كانت قطعة فضية
«هذا ثمن الطعام وتعويض عن الإزعاج، آمل أن تسامحيني»
وضع القطعة بإحكام في يدها، ثم استدار وخرج من الحانة
وحين مر بجانبي، سرقتُ نظرة سريعة إليه
كان وجهه محجوبًا في الغالب بعباءته، لكن عبر الظلال رأيت بوضوح خافت عينين ذهبيتين
ولبرهة قصيرة التقت عيناه بعيني
«…»
استمر تلاقي النظرات ثانية واحدة فقط قبل أن
هووش!
هبت نسمة خفيفة، واختفى حضور الشاب تمامًا
لم يبدأ المتفرجون، الذين كانوا يحبسون أنفاسهم، بالزفير والهمس مجددًا إلا بعد ذلك
«ما الذي حدث للتو؟»
«ما هذا…؟»
اندفع الحشد بأسئلة هامسة، وبدأوا يتفقدون المكان داخل الحانة ببطء
أما أنا، فقد علقت أفكاري بالحركة التي استخدمها الشاب
«همم»
حركة قصيرة، ضربة إلى الصدر
بدت فعلًا بسيطًا، لكن شيئًا فيها ظل يرن في ذهني
حوّلتُ نظري إلى الطاولة التي كان الشاب يجلس عندها
كانت هناك زلابية مأكولة نصفها وأطباق ما زالت في مكانها
«…»
وأنا أنظر إلى المشهد، لم أستطع إلا أن أغوص في التفكير بما حدث
«تس تس»
إلى جانبي ضحك بايجون
«هل ستتبعه؟»
«…»
نقرتُ لساني في داخلي
بايجون لاحظ أن شيئًا يزعجني
«اذهب، الطبيب العظيم سيظل نائمًا لبعض الوقت»
«…ألم تقل إن لديك شيئًا تناقشه معي؟»
«يمكن أن ينتظر، من الأفضل أن تذهب وتشبع فضولك بدل أن تقف هنا بهذا الوجه الحامض، إنه يفسد مزاجي»
«…»
بعد لحظة قصيرة من التفكير، استدرت
«حسنًا، سأعود قريبًا»
كان بايجون محقًا
أي شيء يزعجني، يجب أن أحسمه
خصوصًا في موقف كهذا
في الغابة قرب هانان
كان طريقًا غابيًا منعزلًا على مسافة من البلدة الرئيسية، نادرًا ما يزوره أحد، فالقليل فقط يغامر بالدخول إلى هذه الأحراش المعزولة
طَق
هبط شخص بخفة على الأرض، كان هو الشاب الذي تسبب بالضجة في الحانة
«…هوو»
وهو يلتقط أنفاسه، مسح الشاب المكان بنظره قبل أن يرتخي أخيرًا، وزفر بعمق ثم نزع العباءة التي كان يرتديها
تحت ضوء القمر الشاحب، لمع رأسه الأصلع لمعانًا خفيفًا
تكوّن العرق على فروة رأسه فزادها بريقًا، ومسحه بقطعة قماش بلا مبالاة، كأنه معتاد على ذلك
«يا للخسارة» تمتم، وفي صوته خيبة واضحة
نعم، كانت خسارة فعلًا
«بالكاد أخذت لقمة واحدة…»
كانت الحانة اكتشافًا صعبًا، وقد تسلل لزيارتها سرًا
كان يتطلع لتذوق الطعام بشغف، لكن أن ينتهي الأمر هكذا…
كان محبطًا
«…حسنًا، أظن أنه حان وقت الرحيل على أي حال»
وكأنه يواسي نفسه، نظر إلى البعيد
ومع ضيق جدوله، كان سيضطر للمغادرة قريبًا مهما حدث
هكذا برر الأمر لنفسه
«…في المرة القادمة، في المرة القادمة بالتأكيد»
أومأ كأنه يعاهد نفسه أن يستمتع بوجبة قادمة على مهل أكثر
وبينما كان يستعد للتحرك من جديد
«كنت أفكر فقط…»
توقّف
جاءه صوت من خلفه
تفاجأ الشاب واستدار بسرعة نحو مصدر الصوت
في الغابة الكثيفة المظلمة، بين الأشجار، لم يظهر شيء سوى العتمة، لكن أحدهم كان يتحدث من داخل ذلك السواد
مَن هناك؟
تكوّنت حبات العرق على جبين الشاب وهو يحدّق في الظلال
«يمكنني أن أتجاوز الأمر حين يأكل راهب وودانغ اللحم، بالكاد»
صار الصوت أوضح مع تقدم صاحبه خطوة للأمام، ونبرته تقطر ازدراءً
«لكن راهبًا أصلع يحشو فمه باللحم؟ هذا مبالغ فيه قليلًا، ألا تظن؟»
خرج من الظلام رجل يرتدي ثيابًا قتالية سوداء، عيناه حادتان ومفترستان
حدّق في الشاب بنظرة لا تصدق، ثم قال مجددًا
«ألا تظن أن هذا كثير قليلًا، أيها الراهب؟»
«…»
عند سماع ذلك، عبس الشاب، يو يون، التنين العظيم، بقوة، والتوت ملامحه بامتعاض شديد