اهتزت المنطقة باهتزاز خافت يمتد في الأرجاء، وكان يزداد قوة تدريجيا
وسط الضجة المتصاعدة داخل وودانغ، جلس يو بايك مقابل ملكة السيف
كان الطقس صافيا، وأشعة الشمس الدافئة تسقط على طاولة وُضع عليها الشاي، ومع ذلك كان الجو بينهما أبرد من أقسى شتاء
«يا له من منعطف مؤسف»
بعد صمت قصير، تكلم يو بايك أخيرا، فرفعت ملكة السيف نظرها، كانت عيناها عادة دافئتين ولطيفتين، أما الآن فكانتا حادتين تلمعان ببرودة جارحة
«هل تسمي هذا مؤسفا؟»
كان في صوتها غضب مكبوت بصعوبة
«هذه الفوضى تسبب بها وودانغ، ومع ذلك تتكلم بثقة كبيرة»
قال يو بايك بهدوء «يبدو أن هناك سوء فهم، لقد تصرفنا بناء على الأدلة واتخذنا الإجراءات المناسبة»
«وتسمي سجن ضيف جاء بحسن نية إجراء مناسبا؟»
بدأ يو بايك بنبرة مهادنة «يا ملكة السيف» ثم أخرج شيئا من كمّه، سوارا منحوتا من اليشم
لم يكن ذلك الشيء سوى فجر اليشم، الكنز الذي سُرق في الصباح الباكر، ثم عُثر عليه لاحقا في مقر إقامة غو يانغتشون
«هل ما زلت تقولين الشيء نفسه بعد رؤية هذا؟»
لم تقل ملكة السيف شيئا، وكان صمتها حادا كسيفها
تابع يو بايك «اتخذنا كل الاحتياطات لحماية هذا، فجر اليشم ليس مجرد كنز، لقد كان يوما رمزا لأعظم شخصية قتالية في وودانغ، سيف وودانغ المطلق، وله قيمة هائلة لدينا»
فجر اليشم، كنز كان يعود إلى أحد سادة وودانغ الأسطوريين
«عندما اقترح جبل هوا مبادلة كنزهم بفجر اليشم، فرحنا كثيرا، ولهذا حضّرنا لهذه العملية بدقة»
استمعت ملكة السيف دون حراك وبلا كلمة، بينما واصل يو بايك حديثه
«ومع ذلك سُرق الكنز، والأسوأ أننا وجدناه في مقر إقامة أحد أكثر ضيوفنا موثوقية، في هذه الظروف لم يكن أمامنا خيار سوى التصرف كما فعلنا»
مع أن نبرته بقيت هادئة، لم تستطع ملكة السيف إلا أن تضحك بمرارة
«يا له من عذر سخيف»
قطب يو بايك «عذر؟ أتظنين أن هذا عذر؟»
«تقول إنهم ضيوف موثوقون، لكنك لم تثق بهم أصلا، أليس كذلك؟»
منذ اللحظة التي فرض فيها وودانغ خطوط إيني للمراقبة على ضيوفه، كان واضحا أن الثقة لا مكان لها في تعاملهم، وكل تصرف فعله وودانغ منذ ذلك الحين لم يفعل سوى تأكيد ذلك
ضحك يو بايك بخفة «ومع ذلك، لم يحدث ضرر بسبب احتياطاتنا»
«الشيخ يو!»
ارتفع صوت ملكة السيف غضبا لأول مرة
«سجنتموهم من دون أن تسمعوهم أصلا، هكذا يعامل وودانغ حلفاءه؟»
«لو كان الأمر يتعلق بالكنز فقط، فربما لا، لكن…»
صرير
تغيرت ملامح يو بايك، وتقطبت جبهته
«أحد تلاميذنا مات»
«هذا…»
ترددت ملكة السيف، كانت تريد أن تشير إلى أنه كان انتحارا، لكنها حبست لسانها، فهذا ليس كلاما يقال بسهولة أمام شيخ مفجوع
وكان يو بايك يعرفها جيدا بما يكفي ليدرك ترددها
تابع «رجل مات، موهبة شابة كان يفترض أن تقود مستقبل وودانغ فقدت حياتها بين ليلة وضحاها، ورغم أن الأمر يبدو انتحارا، فأنا أرفض تصديق ذلك»
«وماذا تلمح إذن؟» لان صوت ملكة السيف قليلا، لكنه بقي مشدودا «هل تقول إن رجالي مسؤولون عن هذا؟»
«أقول إنني لا أستطيع استبعاد ذلك»
كانت الظروف دامغة
في اليوم نفسه الذي وصل فيه الضيوف، سُرق الكنز، ثم وُجد أحد تلاميذ وودانغ ميتا، والآن ظهر الكنز المسروق في مقر إقامة الضيف
«ومع هذه الأدلة الواضحة، ما الذي تجدينه غير مقبول يا ملكة السيف؟»
تحول نظر يو بايك إلى برودة قاسية
«لستِ تطلبين معاملة خاصة فقط لأنك من جبل هوا، أليس كذلك؟»
«ليس هذا المقصود، أنا فقط أسأل هل من الصواب سجن شخص اعتمادا على الشك وحده»
«ومع أدلة بهذه الوضوح تريدين منا تقديم كل المجاملات؟ هل كنتِ ستتساهلين لو انعكست الأدوار وحدث هذا في جبل هوا؟»
بدأ الصداع يزحف إلى رأس ملكة السيف، كلام يو بايك ليس خاطئا تماما، لكن الوضع كله كان يثير قلقا عميقا في داخلها
لم تستطع التخلص من إحساس أن شيئا أكبر يجري خلف الستار
«ماذا تدبر يا يو بايك؟»
لطالما اشتبهت ملكة السيف أن وودانغ يخطط لشيء ما، تصرفات يو بايك المحسوبة، وحسه الدقيق للتوقيت، كل ذلك كان يشير إلى مناورة مقصودة
بل إنها سمحت لنفسها بمجاراة الأمر، وابتعدت قليلا أثناء حراستها للكنز لترى إلى أين ستصل خططهم
والآن حدث هذا
«التوقيت كان مثاليا أكثر من اللازم»
أثناء غيابها، وقع الحادث، صحيح أنها لا تستطيع الجزم بأن السرقة حدثت في فترة غيابها، لكنها لم تستطع تجاهل المصادفة
ذلك الوجود الخافت الذي كانت تشعر به وهو يراقبها اختفى في اللحظة التي ابتعدت فيها
حدث شيء بالفعل، لكن ما هو بالضبط، لم تكن تعرف
أخفت ضيقها ثم تكلمت مجددا
«أنت من تصرف بطريقة غير لائقة أولا يا شيخ يو، هل نسيت؟»
«غير لائقة؟ ماذا تقصدين؟»
«فرضت خطوط إيني عليهم للمراقبة، ومع ذلك…»
تصدع هدوء ملكة السيف قليلا، وتقوست حاجباها وهي تواصل
«ألم تفشلوا أيضا في رصد أي حركة من المتهم؟»
سكت يو بايك
عُثر على الكنز في مقر إقامة غو يانغتشون، والأدلة الظرفية بدت ثقيلة، وقد يكون سجنه مبررا إلى حد ما
لكن كان هناك خلل فاضح في طريقة وودانغ في التعامل مع الأمر، خطوط إيني
كانت الخطوط معدة لمراقبة تحركات الضيوف، ووفق التقارير، لم يغادر غو يانغتشون مقر إقامته طوال الليل
«أنت أكدت ذلك بنفسك، أليس كذلك؟»
بقي غو يانغتشون في مقر إقامته طوال الليل، ومع ذلك، بعد الحادث بقليل، وُجد الكنز المسروق في درج غرفته
كان في صوت ملكة السيف حد لاذع
«تأخذون الاحتياطات بكل هذه الدقة، ثم تتجاهلون الدليل حين لا يخدم روايتكم؟»
«يا ملكة السيف، أكرر، هناك أدلة ظرفية واضحة»
«ظهور كنز في درج يجعله الجاني؟ هل تزعم أن ذلك الفتى هو اللص الشبح؟»
«هذا ليس مستحيلا»
هاه…
زفرت ملكة السيف بغير تصديق
كان واضحا أن أيا منهما لا ينوي التراجع
وماذا الآن؟ لم تستطع التراجع، لكن الاستمرار في الضغط سيكون بلا جدوى
وبينما كانا يتجادلان، انجرفت أفكارها إلى شاب
فتى كبر عبر السنين حتى صار يشبه أباه
«بماذا تفكر يا غو يانغتشون؟»
حتى وهي تواصل مناوشاتها الكلامية مع يو بايك، كان عقلها يعود إليه باستمرار
لماذا؟
لم تتبادل معه سوى التحية بالكاد، ومع ذلك بقي حضوره عالقا في تفكيرها
كان الأمر يحدث دائما على ما يبدو
كلما وقعت أحداث كبيرة، كان غو يانغتشون في قلبها
والآن، مرة أخرى، يقف في مركز هذه العقدة المتشابكة
لم تستطع ملكة السيف إلا أن تتساءل، كما فعلت مرات كثيرة من قبل
«هل غو يانغتشون هو مفتاح فك هذه الفوضى؟»
«هل يعني هذا أن حتى هذا الحادث جزء من نوايا ذلك الفتى؟»
لا أعرف
ما الذي كان ذلك الفتى يسعى إليه بالضبط؟
أو ربما كان كل هذا مجرد ظنون بلا أساس من ملكة السيف
عادة، لم تكن لتسمح لمثل هذه الأفكار أن تتسلل إليها
«هل كان خطأ أن أراه بعيني؟»
في اللحظة التي رأت فيها غو يانغتشون، شعرت أن شيئا جوهريا قد تغير فيه
نظرته بدت مثبتة على شيء أبعد بكثير، والهالة التي تحيط به كانت واضحة بشكل لا لبس فيه، كأنها تُعرض عمدا
لم تكن مخفية، بل بدت مقصودة، كأنه يقول
«هذا هو مستواي، بهذا القدر بالضبط»
«لا أظنه يخفي قوته»
حتى القوة التي أظهرها كانت خارقة أكثر مما ينبغي
جسد وطاقة تجاوزا بوضوح هواجيونغ، كيف يصل شخص في سنه إلى هذا المستوى؟ حتى مع رؤيتها له بعينيها، بدا الأمر شبه مستحيل
ولهذا، لم تستطع إلا أن تتساءل
ذلك الفتى كان دائما ينظر إلى الأمام، أبعد من أي شخص آخر
هل سيكون هذا مختلفا؟ هل توجد نية خفية هنا أيضا؟
لم تكن سوى فكرة مرت مرور الكرام
«يا ملكة السيف»
أعادها صوت يو بايك إلى الواقع، مذكرا إياها أن الوقت ليس وقت الغرق في أفكار غو يانغتشون
«مهما كان رأيك، ستُعالج هذه المسألة وفق البروتوكول»
بقي موقف يو بايك صلبا
«وفوق ذلك، سيد التحالف سيصل قريبا، وستسير الأمور بعد…»
قاطعه اهتزاز منخفض
ووم
…!
…!؟
استدار يو بايك وملكة السيف في اللحظة نفسها، وتيقظت غرائزهما، ثم انطلقا خارج القاعة
عندما خرجا، وجدا عددا كبيرا من تلاميذ وودانغ يحدقون بالفعل إلى السماء
«ما… ما هذا؟»
«لماذا تقفون بلا حركة؟ أبلغوا التحالف فورا…!»
«اجمعوا تشكيلات السيف!»
وسط الفوضى، تبع يو بايك اتجاه أنظارهم إلى الأعلى، وضيّق عينيه عند المشهد
«ما… هذا…؟»
كان هناك كيان هائل معلق في الهواء، ملتف على نفسه، ينظر إليهم من الأعلى
كان حجمه الضخم كافيا ليلقي ظلا واسعا ممتدا على الأرض
«ما الذي يحدث…؟»
تركه حجم المخلوق مذهولا للحظة
غرووول
مع أن زئيره كان منخفضا، إلا أنه كان كافيا ليرجف الهواء
«وحش شيطاني…؟»
«لكن لم تصلنا أي تقارير عن انفتاح بوابة ماجيونغ بالقرب…؟»
«ابقوا على أهبة الاستعداد! لا نعرف ما الذي سيحدث!»
من قشوره، بدا أنه وحش من الرتبة الزرقاء
لكن حضوره كان أبعد بكثير مما يُتوقع من رتبة كهذه
الضغط الذي يشع منه كان غير طبيعي
بدأت قطرات العرق تتجمع على جبين يو بايك المتجعد
«ما الذي يحدث في العالم…؟»
كان واضحا أن هذا ليس وحشا شيطانيا عاديا
لكن فوق وجوده بحد ذاته، كانت هناك مشكلة أكبر
«كيف دخل وودانغ أصلا؟»
وحش بهذا الحجم كان ينبغي رصده قبل أن يصل إلى الطائفة بوقت طويل
وإذا انفتحت بوابة ماجيونغ، لكانت فرقة ما سون في وودانغ قد أطلقت الإنذار فورا
ومع ذلك…
«لم يلحظ أحد اقترابه»
حتى أعلن عن وجوده، لم يكن أحد قد انتبه لقدومه
غرائز يو بايك صرخت بخطره
ومع ذلك…
«اثبتوا! إنه مجرد وحش!»
صرخ يو بايك، يشحذ عزائم التلاميذ
نعم، إنه مجرد وحش
مهما كان، فهذا قلب وودانغ
القوات التي تجمعت لمواجهة اللص الشبح كانت متمركزة هنا
لا يعقل أن يعجزوا عن وحش واحد…
«يا شيخ! هناك شيء يهبط!»
«ماذا قلت؟»
عند كلمات التلميذ، ركز يو بايك نظره
ورآه حينها، شيء يهبط من ذلك الكيان الضخم في السماء
كانت سرعته تزداد وهو يسقط، وظله يتضح أكثر فأكثر
كان شخصا
بووم
هبطت الهيئة بقوة على الأرض، وصنعت موجة صدمة
عوى الهواء، وضيّق يو بايك عينيه محاولا تمييز الهيئة وسط الغبار المتبدد
عندما انقشع الغبار، اعتدلت الهيئة واقفة
كان عملاقا
رجل هائل يحمل رمحا بحجم جسده الضخم
ثم…
هووووش
أفلتت من العملاق هالة عنيفة، خنقت التلاميذ من حوله
عض يو بايك على أسنانه ورفع يده، مطلقا طاقته ليحمي التلاميذ من ذلك الحضور الخانق
«هذا…!»
لكن حتى مع اصطدام طاقته بهالة العملاق، جرى قمعها وابتلاعها
«أي نوع من الوحوش هذا؟»
كانت الأمور تنفلت بسرعة نحو كارثة
في تلك اللحظة، تكلم العملاق
«اصمتوا»
دوّى صوته العميق كأنه صاعقة
«السيد لم يصل بعد، لا يُسمح لأي واحد منكم أن يتنفس من دون إذن»
«من تكون…!» حاول يو بايك أن يرد، وهو يطلق طاقة أكبر استعدادا للهجوم
لكن حينها…
ووم
هبط الظلام
كان النهار الصافي قبل لحظات قد ابتلعته ستارة من الظلال
غمرت المنطقة ضباب أسود غريب
في قلب هذا الظلام الخانق، جثا العملاق على ركبة واحدة وانحنى
رفع يو بايك نظره على الفور
كان يشعر به
شيء يهبط من سماوات بعيدة
فرفرة
عباءة سوداء رفرفت في الريح، وعلى عكس العملاق، كانت تلك الهيئة تهبط ببطء، بتراخ شبه مستفز، كأن الوقت لا يعنيها
ومع هبوطها…
ششش
بدأت الظلال من حولها تتكاثف حتى تتحول إلى نور
«ما… هذا…؟»
زفر يو بايك بقوة
شمس
تشكل النور إلى شمس تشع بوهج خافت يميل إلى السواد
لم تكن ساطعة، لكنها كانت تشق الظلام وتضيء المكان
ساد الصمت، وتعلقت أعين الجميع بالهيئة الهابطة
وعندما لامست الأرض أخيرا، بالكاد صدر عن قدميها صوت
طَق
وقفت الهيئة بثبات، مرتدية رداء أسود حالك
كان حضورها طاغيا، ووجهها مخفيا خلف قناع
ومن خلف القناع، لمع زوج من العيون الزرقاء اللامعة بوضوح
سأل يو بايك بصوت أجش
«من أنت؟ وما هدفك هنا؟»
لم تجب الهيئة فورا، بل تقدمت بخطوات بطيئة محسوبة
استل يو بايك سيفه، وفعل التلاميذ من حوله الشيء نفسه، وامتزجت طاقاتهم لتشكل حاجزا واقيا
ومع ذلك، لم تلتفت الهيئة إلى كل ذلك، وواصلت التقدم كأن شيئا لا يعنيها
بعد بضع خطوات، توقفت الهيئة وأمالت رأسها قليلا وهي تمسح الجمع بنظرة
«كم من رؤوس مرفوعة، لا أحب أن ينظر إليّ أحد من الأعلى»
زمجر يو بايك «ماذا قلت؟»
جاء صوت الهيئة هادئا لكنه آمر
«انحنوا»
بووم
«آخ!»
«أوغ!»
بمجرد تلك الكلمة، انهار التلاميذ على ركبهم
أما من قاوم، فارتجف وهو يحاول البقاء واقفا، متكئا على سيفه
حتى يو بايك، رغم أنه بقي واقفا، شعر بكتفيه يهتزان تحت الضغط
تساقط العرق من جبينه وهو يضغط على أسنانه، مجبرا نفسه على الثبات
«من أنت…؟» تمكن من السؤال
ضحكت الهيئة بخفة، ولمعت عيناها الزرقاوان
«سعيد بلقائكم»
خطت خطوة أخرى إلى الأمام، وكان حضورها يزداد خنقا
«أنا…»
رن صوتها بسلطة صامتة أطبقت على المكان كله
«تشونما»