بعد وقت قصير من عودتي بالزمن، كنت كثيرًا ما أعجز عن النوم
في بعض الليالي كنت أبقى مستيقظًا حتى الفجر، وفي ليالٍ أخرى كنت أدفع نفسي إلى حافة الانهيار، وأجبر نفسي على الإغماء فقط لأحصل على أي قدر من الراحة، لم يكن هناك حل غير ذلك، فكلما أغمضت عيني كانت ذكريات ما قبل عودتي بالزمن تطاردني، وتحول ليلي إلى كوابيس لا تنتهي
وجوه من قتلتهم
ومن لم أستطع إنقاذهم
ومن ماتوا من أجلي
كانوا يعودون جميعًا في أحلامي، مرة بعد مرة، إلى أن أستيقظ وأنا غارق بعرق بارد، عاجزًا عن التقاط أنفاسي
وحين أستطيع أخيرًا أن أتنفس مجددًا، كنت أدفن وجهي في وسادتي وأبكي، وألعن نفسي على ضعفي المستمر رغم الفرصة التي مُنحت لي، هبة العودة بالزمن بدت كأنها ضاعت على شخص عاجز مثلي
كيف يمكنني أن أشعر بالسعادة وأنا أعلم أنني ما زلت الشخص نفسه؟ لم يتغير شيء
كان هذا الفراغ يطاردني، وكنت أترنح في أيامي بلا هدف، مثقلًا بكل ذلك، أقضي وقتي فقط في الوجود، كقشرة فارغة تؤدي الحركات بلا روح، حتى الفنون القتالية التي حاولت استعادتها بدت بلا معنى لأنها بلا غاية
ما جدوى هذه العودة بالزمن؟
في تلك الأيام الأولى، تمسكت بأمل أن يكون لها معنى ما، تمنيت أن يكون لها قيمة، ورجوت بكل ما لدي أن تقود هذه الفرصة الثانية إلى شيء ما، لكنني لم أجد شيئًا
اتضح أن العالم ليس بتلك البساطة
لذلك تركت الوقت يسير كما يشاء، جربت أشياء هنا وهناك، لكن دون اندفاع كبير، الشغف الذي كان لدي في الماضي صار بعيدًا، مع أن هناك وقتًا في صغري كنت أحلم فيه أن أقف إلى جانب أعظم مواهب العالم، لكن ذلك كان منذ زمن طويل
حتى لو كان لدي ما يكفي من الإمكانات، لم أكن أريد جذب الانتباه، رؤية وجوه أولئك الناس وتخيل نفسي واقفًا بجانبهم كان يشعرني بأنه أمر خاطئ، يبدو أن بقايا ضمير ما زالت لدي
لم أبدأ وأنا أريد منع عودة شيطان الدم أو فعل شيء نبيل كهذا، خطتي الأولى كانت أن أعيش حياة هادئة لا يلاحظني فيها أحد، وربما أختبئ في جبال بعيدة
هكذا كنت أريد أن أعيش، أو هكذا ظننت
لكن في مكان ما على الطريق، تغيرت
وأحيانًا كنت أتساءل متى حدث ذلك التغير، هل كان يوم التقيت وي سول آه في القرية الصغيرة بعد عودتي بالزمن مباشرة؟ أم حين تقاطعت طريقي مع نامغونغ بي آه وأنا في طريقي إلى سيتشوان؟
كل تلك الأحداث بدت حاسمة، لكنني كنت أعرف أن نقطة التحول الحقيقية كانت حين التقيت تانغ سو يول
في البداية لم يكن الأمر مميزًا، كان مجرد بذرة، لكن حين رأيت عيني تانغ سو يول الصافيتين غير الملوثتين، ووقفت إلى جانبها هي ونامغونغ بي آه ووي سول آه، شعرت بفارق عن حياتي السابقة، كأن الهواء تغير
ثم حين هزمت نامغونغ تشيونجون، اشتعلت شرارة بداخلي، ربما يمكنني فعلًا أن أغير شيئًا، وببطء بدأت تلك الفكرة تتجذر
ومع توالي الأحداث، التقيت أشخاصًا مثل شين نويا وجي غال هيوك، ومع غيرهم جعلوني أصدق أنني قادر على تغيير مسار الأمور بجهدي
ذلك الأمل الصغير تحول إلى لهب، وذلك اللهب صار أكثر سطوعًا وقوة، وكشف رغبة كانت مخفية داخلي، خلال بطولة الفنون القتالية أظهرت قوتي، ليس فقط لأنتزع كل ما كان تشانغ سون يون يريده، بل أيضًا بسبب شوقي الحاد لأن يُعترف بي، ولأثبت قيمتي
ومع مرور الوقت، لقاءاتي مع شخصيات قوية مثل شيطان الدم ويون إيلتشيون زادت رغبتي في إنهاء دورة سفك الدماء، وتماسك عزمي أكثر، بدأت أتقبل أن حياتي الحالية بداية جديدة، مختلفة عن الماضي
ولهذا أعتقد أن اللحظة التي أطلقت كل ذلك كانت ذلك اللقاء الأول مع تانغ سو يول
وبسبب هذا الإدراك، فهمت لماذا كانت تانغ سو يول معضلة صعبة بالنسبة لي
الأمر معقد
من جهة، مهارتها القتالية ليست استثنائية، ولا تملك مواهب خاصة، ومع ذلك، معرفتي بأنها وصلت إلى رتبة ملكة السموم في حياتي السابقة جعلتني أصدق أن لديها إمكانات مخفية
إن كانت هذه الأزمة الحالية مرتبطة بقدرها بطريقة ما…
كنت أتصارع مع هذه الفكرة منذ أن عرفت باحتمال تورط تانغ سو يول في مشروع جسد شيطان السماء، واصلت نبش ذاكرتي، أتساءل كيف أصبحت ملكة السموم
في النهاية لم أجد أي إجابة، هذا الإحباط، وهذا العجز عن تذكر أي تفاصيل عن مصيرها، زاد ضيقي فقط
والآن، أمام سؤالي المفاجئ عن رغبتها في أن تصبح أقوى، رفعت تانغ سو يول نظرها إلي بتعبير فضولي، وعيناها الخضراوان البريئتان مثبتتان علي
وخطر لي فجأة، هل كانت تبدو صغيرة هكذا دائمًا؟
معظم أفراد عشيرة تانغ، بتاريخهم مع التخفي والسم، كانوا أصحاب قامات أصغر، ومنهم تانغ سو يول
وأدركت لماذا لاحظت ذلك الآن
كان الأمر في عينيها
في مكان ما على الطريق، بدأت تحمل فيهما لمحة من شعور بالنقص، كان ذلك واضحًا لي، لأنني عرفته جيدًا أكثر من أي أحد من حياتي السابقة
والسبب؟ على الأرجح، الصحبة التي حولها
محاطة بنوابغ ووحوش عالم القتال، سيشعر صاحب الموهبة العادية طبيعيًا بأنه تافه
حين تدرك أن الآخرين يملكون أجنحة ليحلقوا، بينما أنت عالق على الأرض، فالحسد يصبح شعورًا لا مفر منه، وهذا شعور فهمته بعمق أكثر من أي شخص
كنت أعرف صراع تانغ سو يول، ولهذا…
لم أرد لها أن تتحطم تحت ذلك الشعور بالنقص نفسه، مراقبة شخص يُسحق بالشك في نفسه، ورؤيته يضيع داخله، هذا مصير تمنيت أن أجنبها إياه
لذلك اتخذت قرارًا، حتى لو بدا ملتويًا
في يدي كنت أمسك بالحجر الكريم الذي أخذته من الشيخ إيل، كان يبدو كحجر عادي، لكنه في الحقيقة كان إكسيرًا قويًا، إكسيرًا صنعته عشيرة تانغ على مدى نحو قرن، خليطًا من خلاصات لا تحصى
امتصاصه سيجلب تحولًا هائلًا، يعزز الجسد ويضاعف مقاومة السموم، كان مادة استثنائية، لكن شروط تناوله كانت صارمة
أولًا، يجب أن تتناوله امرأة، لأن الرجال لا يستطيعون تحمل أثره، ثانيًا، يجب أن يكون المستخدم صغير السن، ولم يصل بعد إلى ذروة قوته الجسدية
وأخيرًا، يحتاج إلى جسد قادر على تحمل سم شديد، وعاء مُهيأ لذلك، وهذا لم يترك إلا تانغ سو يول
طاقة السم داخل الحجر كانت هائلة، حتى مع صلابتها الطبيعية، تناوله دون مساعدة سيعرض حياتها للخطر، لكنني كنت موجودًا، بمناعتي يمكنني امتصاص السم والتحكم به، وحمايتها من الأذى
لكن بينما كنت أفكر في كل ذلك، سمعت صوتًا مألوفًا يتنهد بداخلي
[ما زلت لا تفهم، أليس كذلك؟]
صوت نويا تردد باستياء
«وما المشكلة إذًا؟»
[فقط أنهِ حديثك مع تلك الفتاة]
مع أنه كان منزعجًا، لم يوقفني، لذلك التفت إلى تانغ سو يول التي كانت تنتظرني لأتكلم
«الأمر كما قلت تمامًا… ألا تريدين أن تصبحي أقوى؟»
«إن قلت نعم، هل سيجعلني ذلك أقوى فعلًا؟»
«ستصبحين قوية جدًا»
لم أكن أعرف إلى أي حد بالضبط، لكن إن كان هذا الإكسير هو ما جعلها تصبح ملكة السموم، فستحصل على دفعة كبيرة
«وأنت ستساعدني في ذلك، يا سيدي الشاب؟»
«نعم»
ترددت قليلًا، ثم أجابت أخيرًا
«إذًا…»
ابتسمت ابتسامة مشرقة
«لا، لن أفعلها»
«…لا؟»
«نعم، لا أريد»
«…لماذا؟ هل لأنك قلقة؟ سأضمن أن تكوني بأمان…»
«يا سيدي الشاب»
وبينما كنت على وشك إقناعها، وضعت تانغ سو يول يدها بثبات على ذراعي
كانت قبضتها قوية على نحو غريب
«أنا أعرف أنك لن تقترح شيئًا قد يؤذيني، لكن…»
نظرت إلي بعينين صادقتين
«لو قبلت، ألن يؤلمك ذلك؟»
«…!»
ابتلعت ريقي بصدمة، حاولت أن أتجاهل الأمر، لكنها تابعت
«سواء جسدك أو عقلك، سأسبب لك ألمًا، أليس كذلك؟»
تعثرت في الرد، فقالت بثقة
«ليس هذا فقط… لماذا تبدو عيناك حزينتين هكذا؟»
دون وعي رفعت يدي لألمس عيني
أي نظرة كنت أريها لها؟
رفعت تانغ سو يول يدها ولمست وجهي بلطف، ولم أستطع إيقافها، وبعد لحظة تكلمت مرة أخرى، وبابتسامة هادئة على وجهها
«أنا آسفة»
«…على ماذا؟»
«لأنني أظهرت لك جانبًا مثيرًا للشفقة مني، لم أرد أن أقلقك»
كلماتها أصابتني في العمق، فابتلعت بصعوبة
وضاعت مني فرصة إنكار ذلك
«هذا محرج، أفضل أن يراني الآخرون أتعثر على أن تراه أنت»
كانت تدرك شعورها بالنقص، ومع ذلك استطاعت أن تبتسم رغم ذلك
أما أنا، فلم أستطع حتى فعل هذا
وبينما كانت تواصل الكلام، كنت أستمع بصمت
«نعم… لقد كنت محبطة، أشعر أنني لا أنفعك، وكأنني مجرد عبء»
«هذا لا يهم…»
«حتى لو لم يهمك أنت، فهو يهمني أنا، لا أريد أن أكون بلا فائدة يا سيدي الشاب، أريد أن أكون شخصًا يستطيع البقاء بجانبك»
«إذًا، هذا يجعل الأمر…»
وبينما كنت على وشك أن أقترح أن تقبل مساعدتي، نقلت يدها إلى خدي وقالت بصوت خافت
«لكن مهما أردت أن أكون قوية يا سيدي الشاب، لا أريد قوة إذا كان ثمنها أن تسبب لك ألمًا»
«…!»
«لا أريد أن أقف بجانبك بهذه الطريقة، إن لم أستطع تجاوز الأمر بنفسي، فلن أشعر إلا بالخجل»
«…»
«لذلك، أنا آسفة إن أقلقتك… هيهي، لكنني سأكون بخير»
وأنا أراها تضحك بتلك الطريقة الخجولة المحرجة، وجدت نفسي عاجزًا عن الكلام
كان الأمر كأن مطرقة ضربتني
أين أخطأت؟
منذ البداية، افترضت أن تانغ سو يول مثلي، وأنها ستُبتلع بمخاوفها وتنهار
لكنها لم تكن كذلك
لم تكن ضعيفة مثلي
على عكسي، كانت تانغ سو يول تنظر إلى مستقبل ستتجاوز فيه صراعها، كانت دائمًا من النوع الذي يتحمل
تحرك شيء بداخلي وأنا أنظر إليها من جديد
قبل لحظات كانت تبدو صغيرة جدًا
لكن الآن، بطريقة ما، بدت أكبر
[أرأيت؟ قلت لك، ما زلت مجرد طفل]
نبرة نويا الساخرة جعلتني أشعر كأنني سقطت مجددًا
فقط لأنني رأيتها صغيرة، بدت صغيرة في عيني، افترضت أنها ستفشل، فبدت لي ضعيفة
لكنها كانت قوية
قوية ومشرقة
ضحكت لنفسي بهدوء، وأنا أتذكر صورة من حياتي السابقة
حين سقطت سيتشوان، كانت هناك امرأة بقيت في الخلف، تدافع ضد غزو الشياطين
مع أنها كانت تعرف أن الموت حتمي، وأن عينيها قد تضررتا إلى حد لا يُعرف معه شكلهما، إلا أنها ثبتت في مكانها
وأنا أضحك بخفة، أدركت الحقيقة
لم يكن لأنها كانت ملكة السموم
بل لأنها كانت تانغ سو يول
لأن هذا ببساطة هو طبعها
انقشع الضباب عن بصري، ونظرت إليها مجددًا
وبوجنتين محمرتين ونظرة متوترة قالت
«أم، ليس أنني لا أحتاجك يا سيدي الشاب! أنا فقط…»
لم أستطع منع ابتسامة وأنا أقول
«تعرفين…»
«…نعم؟»
«أعتقد أنني سأكون مستعدًا لأن أموت من أجلك الآن»
«…م ماذا؟»
كنت قد نطقت الفكرة بصوت عال دون أن أدرك
وعندها، أغمي على تانغ سو يول في مكانها