دوامة، دوامة، دوامة
في خضم العاصفة الهائجة، تشبث بوعيه وهو يقاتل كي لا يفلت منه
كان جسده على وشك أن ينفجر، ينتفخ تحت ضغط لا يحتمل
يكفي أن يفكر في التراخي حتى يشعر أن جسده سينفجر فورا
صرير، طقطقة
كان صوت التحطم وإعادة التركيب يتردد من داخله
ومع كل ذلك، كان يشعر بأن جسده كله يتمزق، والألم مبرحا
لم يكن الأمر مجرد إصابة
طَق، طَق
تحركت عظامه، وتمزق جلده، والتوت أعضاؤه، وشعر كأن دمه يغلي
ومع ذلك لم يستطع حتى أن يصرخ
لو خرج منه أي صوت، لانتهى كل شيء
حبس أنفاسه
واصلت الطاقة العنيفة شق طريقها قسرا إلى جسده بلا توقف
كان قد تجاوز منذ زمن حدود احتماله الجسدي
لقد تجاوز بفارق كبير السعة التي يستطيع جسده احتواءها
ومع ذلك
كيف كان ما يزال يتحمل هذا؟
كان جلده يشعر أنه على وشك أن يتمزق، وجسده يصرخ طلبا للانفلات، متوسلا الموت
يفتح عينيه ويغلقهما، يستنشق ويزفر
في هذه الحالة التي لا يوجد فيها سوى الألم واليأس، لم يكن أمامه إلا أن يتحمل
كان جسده، المتشبث بخيط رفيع، يواصل تحطم بنيته وإعادة بنائها آلاف المرات
طقطقة
تردد صوت التحطم
تمزق
امتلأت أذناه بصوت التمزق
كل جزء من جسده كان يتألم، ولم يعد يعرف أين يحدث الضرر
أريد أن أموت
كانت تلك الفكرة الوحيدة عندما تجاوز الألم حدوده
أراد أن يستسلم ويموت
لماذا يتحمل هذا العذاب؟
لماذا يتمسك بوعيه بالكاد؟
خفق، خفق، خفق، خفق
ربما لأن الطاقة في داخله أحست بضعف ذهنه، بدأت تهيج أكثر فأكثر
كانت يائسة لتتحرر
لقد دخلت هذه الأشياء اللعينة قسرا
فتح عينيه قليلا، بالكاد يستطيع الرؤية
خرجت منه ضحكة جوفاء
كان المكان، الذي كان ممتلئا بالماء سابقا، فارغا تماما الآن
ذلك الماء كله اختفى
إلى أين؟
لقد دخل كله إلى جسده
الماء الذي كان يفيض في السابق تحول إلى طاقة وملأه حتى الحافة
خبط
أوغ
لم يستطع كبح الارتداد فزفر نفسا
تسربت طاقة زرقاء من شفتيه المنفرجتين قليلا
خبط
وربما نتيجة لذلك، خفق قلبه بثقل
كان الألم من أصغر اهتزاز طاغيا، كان ذلك قريبا جدا بالفعل
اللعنة
إلى متى بعد؟ إلى متى عليه أن يتحمل؟
هذه المحنة جعلته يدرك بعض الأمور
حتى على حافة حدوده، تعلم كم يمكن للبشر أن يكونوا قادرين على التحمل
حتى عندما كان يشعر أن الموت صار وشيكا، ها هو ما يزال صامدا بطريقة ما
تمزق
…!
انسلخت رقعة من جلده
لم يكن مجرد جرح، بل انسلخ جزء كامل من جلده
سسس
ونما جلد جديد مكانه
كان يؤلم حين يتمزق
ويؤلم حين يتجدد
كان هذا عذابا فوق عذاب
آه، اللعنة
كان يجب أن أسلم كل شيء في ذلك الوقت
كان يجب أن أستسلم عندما كانت لدي فرصة
الآن بقيت وخزة ندم عالقة
هاه
أي مكافأة كنت ألاحقها في هذه الحياة أصلا؟
ربما وصف هذا بأنه حياة صار مبالغة الآن
إن نجوت من هذا، فلن أبقى إنسانا
…هذا هراء
كنت أريد أن أعيش كإنسان، والآن لن أكون حتى ذلك
يا لها من حياة فارغة انتهى بي إليها الحال
وبيدين ترتجفان من الألم، شد فكه واستعد
[ثم]
[لماذا تتحمل هذا؟]
تردد صوت في ذهنه
كان يهمس منذ أن بدأ يتمسك
كان الصوت يشبه ذلك الصوت المملوء بعطش للدماء، لكن الجو كان مختلفا
ربما هي هلوسة فقط
كان الصوت خافتا، وعلى الأرجح هلوسة سببها الألم
لا يهم
لم يكن خائفا كثيرا من أن يفقد عقله
[يمكنك أن تجد راحة لو تركت الأمر، لماذا تتحمل هذا؟]
كان مزعجا قليلا فقط
[كنت تقول إنك لا تخاف الموت، فلماذا تتشبث بالحياة؟]
اصمت، أنت تشتتني
[هذا بلا معنى]
ومن طلب منك أن تفهم؟
حتى أنا لا أفهمه، فكيف يفهمه غيري؟
لماذا أفعل هذا أصلا؟
فات الأوان على التساؤل عن السبب
فات الأوان على البحث عن أسباب بعد أن وصلت إلى هنا
لو فتشت، لوجدت كثيرا من المبررات
ربما أفكر في أزمات قادمة، وأتحمل من أجل إنقاذ العالم
أو ربما أرغب في تجاوز الإنسانية والوصول إلى مكان أعلى
أستطيع اختلاق أسباب لا تحصى، لكن
لا شيء من ذلك يعني لي شيئا
[إذن لماذا]
من يدري
ربما كان هناك سبب في وقت ما
ربما كان موجودا سابقا
لو كان شين نويا هنا، لربما تحمل وهو يقول إنه يحتاج لإنقاذ العالم، مدفوعا بقناعة ما
لكنني لست بطلا مثل ذلك العجوز
أنا لا أهتم كثيرا بالعالم
سواء اندلعت حرب، أو ظهرت أسرار العالم إلى السطح، لا يهمني
إن اضطررت للعثور على سبب
فقط، لو استسلمت بسهولة فسأخسر هيبتي أمام الصغار
ربما هذا كل شيء
[هذا كل ما في الأمر؟ مجرد هذا؟]
كان الصوت كأنه لا يصدق الإجابة
ومن يكون هذا حتى يتحدث بتعال هكذا؟
أنت أيضا الآن؟ تتآمرون علي؟
يا للسخف
أولا كان الصوت المتعطش للدماء يسخر منه، والآن
حتى ندمى العالق يسخر مني
حتى تعلقي بالبقاء إنسانا بدأ يتهكم علي
زمجر بضيق، وكأن الصوت تردد لحظة
[…أنا… لا أريد أن أصير وحشا]
كان الصوت حزينا، ممتلئا بالاستياء والأسى
أعرف
كان يفهم ذلك جيدا
كان يريد أن يموت كإنسان
لم ينجح في ذلك في حياته السابقة، لكنه أراد التمسك بهذا الشيء الواحد
ربما صار الأمر مستحيلا الآن بعد أن صار شيطانا، لكنه كان رغبة عزيزة
[حتى الآن، يمكنك أن تتخلى]
أستطيع
لو ترك الأمر الآن، سيموت فورا
نعم، كإنسان
كإنسان يمكنه أن يموت
لا ككائن أعلى، ولا كشيء مجهول
يمكنه أن يموت باللحم الذي وُلد به، كما هو
جعلته الفكرة يبتسم
فقط
لا يتشبث بهذا بهذا الغباء إلا إنسان
هل كان هذا هو السبب؟
هل يريد أن يعيش كإنسان، وفي الوقت نفسه يريد أن يبقى إنسانا؟
هذا عبث
كان يعرف ذلك جيدا
كانت رغبة أنانية
ليست كرامة إنسانية نبيلة ولا كبرياء لا يلين
إنها فقط رغبة في البقاء بجوار من يعتز بهم، كإنسان
[…أنا… أريد أن أكون إنسانا]
واصل الصوت، المليء بالتعلق والأسى، خنقه
يخبره أنه لا يستحق ذلك
يخبره أن الوقت فات على أن يكون مؤهلا لذلك
كان المنطق يوبخه بلا رحمة، لكن الرغبة الأنانية كانت ترفع رأسها مرارا وتكرارا
فات الأوان، لكن من يهتم؟
حتى لو اختلفت هذه الحياة، ألا يمكن أن تكون مختلفة هذه المرة؟
كم هو مثير للشفقة
مر الوقت، لكنه بقي كما هو
ومع ذلك، رغم كل شيء
أنا آسف
[…]
أخشى أنني لا أستطيع فعل ذلك
حياته كانت سلسلة من الاختيارات
ولم يتجنب أبدا موازنة كل قرار
في حياته السابقة، كان تاريخه يتحدد باختيار الخيار الأثقل
وهذه المرة لا تختلف
سيختار الطريق الأثقل
وازن بين ندمه وسعادة من يحبهم
لم يكن هذا شيئا يحتاج إلى حسم أصلا
كان يعرفه في قلبه منذ البداية
[…]
ربما لأنه وصل إلى تلك اللحظة من الإدراك
تلاشى الصوت العالق من ذهنه
أنا آسف
ومع ذلك اعتذر مرة أخرى
لم يعتذر لنفسه من قبل، لكن هذه المرة كان عليه أن يفعل
دوّي
تمردت الطاقة فاندفعت أقوى
ومعها ازداد الألم
ثم بدأ جسده يتغير
طنين
الطاقة التي كانت تنتفخ بلا نهاية بدأت أخيرا تتحرك
من أصابع قدميه إلى رأسه، اندفعت عبره وهي تدفعه نحو الجنون
غررر
غخ… آه
دوامة
الطاقة الهائلة دارت وتحولت إلى زوبعة
طقطقة، طَق
القشرة التي كانت تتشقق انكسرت دفعة واحدة، وأعيد تشكيل عظامه المحطمة
هس
ومع تغيّر بنيته، سلكت الطاقة مسارات جديدة
إلى أين وجهتها؟
أدرك ذلك فورا
القلب
الطاقة الشاسعة في داخله اتجهت نحو قلبه، فهزت جسده كله
سحق
آااااه
الطاقة التي كانت تدفعه إلى حدوده الآن تجمعت في صدره، ضغطا طاغيا لم يشعر بمثله من قبل
ولم ينته الأمر بعد
خبط
الطاقة المضغوطة انكمشت أكثر
شعر كأنه قد ينهار على نفسه في أي لحظة
كان عليه أن يصمد
حتى لو بدا ذلك مستحيلا، كان عليه أن يصمد
صرير، طقطقة
كان يسمع أشياء تتحطم
شيء ما في داخله بدأ يتحطم
وعاءه الذي كان يحتمله قد تحطم منذ زمن، فما الذي يتحطم الآن؟
أصوات التحطم من الداخل سرعان ما خرجت إلى الخارج
الفضاء من حوله كان يتحطم
خبط، خبط
كان صدره يخفق بعنف
التوى الفضاء
إحساس بانهيار متواصل
وفي وسط ذلك، بالكاد تمسك بعقله
تشبث بوعيه بجنون
لن يترك
الوقت الوحيد الذي يسمح فيه لنفسه أن يفلت من الواقع هو عندما ينتهي كل شيء أخيرا
كان مصمما أن يكون الأمر كذلك
لذلك تمسك
خبط
خبط
الخفقان العنيف الذي كان يهزه كل ثانية بدأ يهدأ تدريجيا
ومع تراجع الشدة، تراجع الألم أيضا
وفي اللحظة التي بدا فيها أن الأمر انتهى أخيرا
دق
اهتزاز خافت نبض في صدره
هس
الطاقة التي بالكاد احتواها انفجرت إلى الخارج في كل الاتجاهات
غمره اندفاع لا يمكن فهمه، فلم يعد قادرا على التمسك، وانزلق وعيه بعيدا
ثم
شهق
وعندما فتح عينيه أخيرا
كان الكثير قد تغير