«أعرف»، قال
كادت إجابته تسلب أنفاسي، رغم أنني كنت أتوقعها إلى حد ما، إن كانت أمي حية، فهو الشخص الوحيد الذي يعرف مكانها
فأين يمكن أن تكون إن لم تكن معه؟ نظرت في عينيه وسألت
«أين هي؟ أين أمي؟»
كان عليّ أن أعرف، وليس بدافع رغبة بسيطة في رؤيتها فحسب، لقد بدأت أفهم أن أمي مرتبطة بكل ما حدث لي، من الوحش الذي بداخلي إلى ما يسمى بالكارثة الثانية، إلى الاسم الذي كانت تحمله بصفتها سيدة العوالم العشرة آلاف
لكن الأهم من كل ذلك كان السيف العظيم
ذلك الصوت الذي كلمني قبل أن أطلقه مباشرة، كان دون شك صوت أمي، كيف يمكنني أن أنسى؟ كان يلاحقني، صوتًا يرفض أن يبهت
كانت قد قالت لي أن آخذ السيف العظيم الذي بداخلي، وقد فعلت، امتصصت جوهره
ربما كانت تعرف حتى طريقة تجعلني أراه مجددًا، ولهذا، كي أفهم الحقيقة وراء كل هذا، كان عليّ أن أعثر عليها
«إن كنت تعرف، فأرجوك أخبرني»
نظر إلي بلا أي رد فعل، وهذا أزعجني، لكن عندما دققت أكثر، لاحظت شيئًا في نظرته
لم يكن بلا رد فعل
كان هناك ارتجاف خفيف في عينيه
حبست أنفاسي أنتظر جوابه، وبعد صمت قصير، تكلم أخيرًا
«لماذا تريد أن تعرف؟»
لم أستطع منع نفسي من العبوس وأنا أقف أمام أبي، لماذا أريد أن أعرف؟
«أهو غريب أن يريد الابن أن يعرف أين أمه؟»
«…»
«الأمر ليس فضولًا فقط، أنا بحاجة لأن أعرف الآن، حتى لو كان الوقت قد فات»
لم أرفع صوتي عليه بهذه الطريقة من قبل، لا بعد عودتي إلى الماضي، ولا كثيرًا حتى في حياتي السابقة
لكن هذا كان مختلفًا، حتى وأنا أقترب من الموت، وقلبي يكاد ينفجر، لم أكن أعرف، إن كانت أمي حية وكان لها علاقة بحياتي الحالية، فأنا أستحق أن أعرف، وحتى إن لم يكن الأمر كذلك، فأنا بحاجة لمعرفة الحقيقة
«إن كنت تعرف، فبإمكانك أن تخبرني»
ومع ذلك ظل ثابتًا، صمته كان يجننني
«يا زعيم العائلة…»
«ماذا تنوي أن تفعل إن عرفت أين هي؟»
أصابني سؤاله فتوقفت لحظة قبل أن أجيب
«سأذهب إليها»
«إلى حيث تكون أمك؟»
«نعم»
لم أكذب، كان هذا سبب سؤالي، وغالبًا كان يشك بذلك أصلًا
«…ليس مكانًا تستطيع الذهاب إليه لمجرد أنك تريد»
«لماذا؟ لأنه العالم الشيطاني؟»
«…»
«إن لم يكن هذا، فهل لأن عليّ أن أكون السيد الشاب أولًا؟ أم…»
لأول مرة، استطعت أن أرى عينيه بوضوح، حادتين كأنهما تخترقانني
«أم لأنّها كارثة؟»
«…!»
في اللحظة التي نطقت فيها بهذه الكلمات—
دوي
اشتدّت الحرارة من حوله، وكادت تدفعني للخلف، لكنني ثبتُّ مكاني، هذه المرة لن أتراجع
وسط الحرارة المشعة منه، ازدادت نظرته حدة
هل كان يقطب؟ أم كان غاضبًا؟
لم أعتد رؤية مثل هذه التعابير عليه، لذلك لم أستطع الجزم
«كيف تعرف ذلك؟»
أكد رد فعله الأمر، كان يعلم أنها كارثة، ويعلم من هي
«سمعت—»
دوي
ما إن بدأت أتحدث حتى انبعث منه حضور ثقيل جعل صدري كأنه يهبط إلى القاع
«من أخبرك؟ من الذي تجرأ وتكلم عن هذا؟»
تبًا
اشتعل غضبه وارتفعت الحرارة أكثر
من أين جاء هذا؟ هل كان غاضبًا لأنني سمعت بالأمر؟
«أليس سبب سماعي به أقل أهمية؟»
«لا، إنه مهم، فقل لي»
نظرتُه لم تترك مجالًا للرفض، لم يكن أمامي خيار سوى الإجابة
«التي تُدعى شجرة العالم أخبرتني»
ارتجفت عيناه عند ذلك
كانت شجرة العالم قد أخبرتني عن اليوم الذي زارهما فيه هو وأمي، وهذا يعني أنه يعرف شجرة العالم
ومع رؤية رد فعله، عرفت أن كلماتي أصابت موضعًا مؤلمًا لديه
«كيف… كيف عرفت ذلك؟ لقد… ذهبتَ إلى هناك؟»
قبض على كتفي بقوة
«إن كنت تقصد نطاق شجرة العالم، فنعم»
ذلك العالم الزائف الذي تقيم فيه شجرة العالم المنفية، تكلمت وأنا أراقب ملامحه وهي تلتوي
لماذا بدا هكذا؟ وبينما أتساءل، قال
«هل هذا حيث عبرت الجدار؟»
كان يسأل إن كان السبب الذي جعلني أبلغ حدود اللهب في هذا العمر المبكر هو العالم الشيطاني
«كان هناك تأثير ما، نعم»
لقد ساعد، الوقت الذي قضيته هناك اختصر طريقي إلى حدود اللهب
لكن كلما تحدثت أكثر، ازداد وجهه قتامة
«هذا ليس مكانًا ينبغي أن تذهب إليه هكذا، كيف تمكنت من الوصول إليه؟»
«الأمور تتابعت فحسب»
«كم مكثت هناك؟»
يبدو أنه كان يعلم أن الزمن هناك يسير بشكل مختلف عن هنا
استرجعت ذاكرتي
كم كان ذلك؟
لم أعدّ كل يوم، أتذكر أنني كنت أعد حتى ثلاث أو أربع سنوات، لكن بعد ذلك توقفت عن الاهتمام
«ليس طويلًا»
لم يبدُ أنه صدقني، لماذا كان يبدو قلقًا إلى هذا الحد؟
سيكون الأمر نفسه بعد أن تعود على أي حال
حتى في ذلك العالم الزائف، كان الجوع والعطش مستمرين، كنت أقتل الوحوش عندما أحتاج للطعام، وأروي عطشي بالدم حين يندر الماء
ما دمت لا أموت، فالأمر بخير
بلغت حدود اللهب وعدت إلى هذا العالم بما اكتسبته من فهم، فما المشكلة؟
لم أفهم رد فعله
«قالت إنك وأمي زرتم ذلك المكان معًا»
«أقالت ذلك؟»
طريقة حديثه عن شجرة العالم بصيغة المؤنث بدت غريبة
«نعم»
«إذًا فقد تجاوزت حدودها»
الشر في نبرته جعلني أرتجف قليلًا
رغم أنها كانت حاكمة سابقة للعالم، تحدث كأن تهديد شجرة العالم أمر لا قيمة له
«هل لأن أمي كانت فعلًا كارثة فلن تخبرني؟»
«وإن كانت كذلك، ماذا ستفعل؟»
«لن يغير ذلك شيئًا، أنا بحاجة لأن أعرف»
نظرتُه حفرت فيّ، وللحظة ظننت أنه سيجيب أخيرًا
«أنا أمنع ذلك»
«…!»
كلماته جعلتني أطبق أسناني
حتى بعد كل هذا، ما زال يرفض؟
«لماذا… أظن أنني كسبت حق المعرفة»
تساءلت إن كان هناك قيد ما يمنعه، لكن ذلك لم يكن مرجحًا، كان لدي شعور، وغرائزي نادرًا ما تخطئ
كنت على وشك أن أفقد توازني حين قال فجأة
«كم من الندم واجهت في حياتك؟»
«ندم؟»
فاجأني السؤال
ندم؟
كم من الندم؟
«كثير»، أجبتُ بضحكة مرة
وما أهمية ذلك؟ حياتي كانت مكوّنة من الندم، كان لدي ما يكفي وزيادة، وغالبًا سيكون لدي أكثر في المستقبل
إلى أين يريد الوصول؟
«أما أنا، فقد عشت حياة قليلة الندم»
ادعاء غريب، حياة بلا ندم تبدو شيئًا يُحسد عليه
سواء عرف أفكاري أم لا، تابع
«عشت دون أن أتشبث بالندم، كنت أظن أن الاستغراق في الماضي بلا معنى، لكن هل تعرف ما الذي بقي من ندمي؟»
ندم، منه؟
«لا فكرة لدي»
أجبت بحذر، فرد وكأنه كان ينتظر ذلك
«أنت وأمك»
«…!»
كانت كلماته كخناجر تخترق صدري، لم أتوقع هذا
كيف يقول ذلك في وجهي؟
«أتقصد أن تقول لي…!»
وفي اللحظة التي كدت أنفجر فيها—
«في ذلك اليوم، ما كان ينبغي لي أن آخذك إلى أمك»
شعرت كأن أنفاسي قُطعت
اليوم الذي يتحدث عنه، هو اليوم الذي اختفت فيه داخل العالم الشيطاني
«هذا…»
«ما كان ينبغي أن أتركها تذهب، ولا أن أقدّمك لها، هذا هو ندمي»
وبينما كنت أحاول الرد، اجتاحني شعور غريب
«…ماذا تقصد بأنك استمعت لها؟»
إذًا لم يكن قرارًا منه وحده؟
«كانت رغبتها أن تراك للمرة الأخيرة، وما كان ينبغي أن أحقق لها ذلك»
كان وجهه مغطى بالظلال التي يلقيها ضوء القمر
إن كان هذا صحيحًا—
«لماذا تخبرني بهذا الآن؟»
فات الأوان كثيرًا على ذلك
لقد قضيت حياتي ألوم هذه العائلة الملعونة وخيارات أبي على مصير أمي، وخفته لأنه أراني لحظاتها الأخيرة
كأنني محكوم عليّ أن أحمل هذا العبء وأتبع ذلك الطريق
والآن يقول لي إن ذلك لم يكن صحيحًا؟
«…فات الأوان»
فات الأوان لأن يهم أي شيء من هذا، حتى لو كان صحيحًا، فقد وصلت إلى نقطة لا عودة منها
«لماذا لم تخبرني في وقت أبكر؟ ولو عن هذا الشيء الواحد فقط»
«هل تظن أنه كان سيغير شيئًا؟»
لم أستطع أن أقول نعم، كنت أعرف أنه لن يغير شيئًا
ومع ذلك—
«هل أردت أن أنهار تحت ثقل حقدي عليك؟»
هذه كانت حياتي من قبل، انهرت، وغرقت في القذارة، ألم يكن يعلم أنني سأسقط بهذا الشكل؟
تحدثت بمزيج من المشاعر، فتنفس بعمق ردًا عليّ
«مهما كان الإنسان، عندما يواجه مصاعب لا تُحتمل—»
زفر، وكان زفيره ثقيلًا
«سيبحث عن شخص يلومه»
أقلقتني كلماته، وهزت ذهني
«إن كنت تحتاج لمن تحقد عليه، أليس أفضل أن تحقد على أب عاجز بدلًا من عالم لا يمكنك لمسه؟»
هذا آلمني، أكثر مما أردت الاعتراف به
هذا ليس ما أردت سماعه
كنت أريد فقط أن أعرف أين هي، لم أكن بحاجة لمعرفة كل هذا
«…هذا متناقض»
«أعرف»
«حتى لو قلت إنك فعلت ذلك لأجلي، فقد تركتني أنهار»
كانت ضعفي أنا من جعلني أسقط، لكنه لم يفعل شيئًا ليرفعني
«ولم تكن تتوقع مني أن أحقد عليك بسبب ذلك فقط، أليس كذلك؟»
تلاطمت مشاعري حتى كادت تغرقني
أين كانت هذه المشاعر مختبئة؟ كنت أظن أنني تجاوزتها، وكنت أظن أنني أعيش جيدًا دونها
وتساءلت—
لو حاول أن يمسكني وأنا أسقط، هل كنت سأصبح شخصًا مختلفًا؟
لا معنى لهذا السؤال
وإن كان سيصنع فرقًا، فلا أريد أن أعرف
لأنه عندها—
«نعم»
كنت أتمنى ألا ينظر إلي بتلك العينين
«وهذا أيضًا هو ندمي»
كنت أتمنى أن ينظر إلي كما اعتاد، بتلك العينين الباردتين اللامبالتين
«كان ذنبي أنني لم أمد يدي، رغم أنني كنت أعرف الأفضل»
كنت أتمنى ألا ينظر إلي بتعبير مرير كهذا
«أنا آسف»
«…»
«ولهذا لا أستطيع أن أسمح لك بالذهاب إليها، ندم واحد يكفيني»
لم أتوقع اعتذارًا منه، وهذا كسر شيئًا عميقًا داخلي
لو أنه اختلق الأعذار، أو قال إنه كان مشغولًا ولا يهتم، لكان أسهل، لكنه لم يفعل
فغطيت وجهي بيدين مرتجفتين، ليس لأنني أبكي
بل لأنني لم أستطع النظر إليه
كان سيكون أسهل لو لم يعتذر
كيف انتهت الأمور إلى هذا؟
آه
ما كان ينبغي لي أن أتلقى اعتذارًا كهذا منه
حتى لو خفته وحقدت عليه، ما كان ينبغي له أن يعتذر لي
هل توقعت هذا لأنه أبي؟
لا
ليس هذا، كان شيئًا أعمق من ذلك
على الأقل، هذه المرة فقط—
ما كان ينبغي له أن يعتذر لابن قتله
كما في تلك الليلة الشتوية حين أرسل أمي بعيدًا، تدفقت ذكريات لا أستطيع نسيانها
أحسنت
مدحه لوصولي إلى حدود اللهب، وآخر كلماته لي تداخلتا فوق بعضهما
نعم، كلماته الأخيرة
بعد رحيل أمي، كان هو الوحيد الذي أصاب تشونما بجراح
وبعد وقت قصير، مات
ظن العالم أن تشونما هو من قتله
لكن ذلك لم يكن صحيحًا
لم يكن تشونما هو من قتله
بل أنا