كثيراً ما يقال إن الأبطال يولدون في أزمنة الاضطراب
وقد انتشرت هذه المقولة المعروفة في أرجاء البلاد
لقد أثبت التاريخ صحتها، ويؤكدها هذا العصر أيضاً، وتشهد السجلات على حقيقة ما وراء هذا القول
حيثما كانت أزمة، يوجد دائماً من ينهض لتجاوزها والصمود أمامها، أناس يجدون أملاً حتى في أحلك الظروف ويشعلون أرواحهم ليزرعوا ذلك الأمل
هؤلاء أناس لا يبالون بأجسادهم، ويمضون قدماً حتى وهم يرتجفون خوفاً من الموت
وغالباً ما يسمي الناس أمثال هؤلاء أبطالاً
ولم يكن الهجوم على قاعة سينريونغ مختلفاً
في زمن كان يُعد هادئاً، وقع حدث غير مسبوق، جُرح أو قُتل فيه عدد لا يحصى من المزارعين الروحيين الشباب
ولحسن الحظ تمت السيطرة على الوضع خلال يوم واحد
لكن ليس قبل سقوط عدد كبير من الضحايا
ورغم أن العدد الدقيق لم يُؤكد، قُدرت حصيلة القتلى بأنها تتراوح بين عشرات وربما تزيد على 100
كانت كارثة بكل معنى الكلمة
ازدرى الناس تحالف موريم لعجزه عن منع هذه الكارثة وبدأوا ينظرون بسلبية إلى سبب وجوده من الأساس
لم يهتموا بالمشاكل التي كانت قائمة آنذاك، بل ركزوا فقط على أن التحالف فشل في حمايتهم
واتهموا تحالف موريم بأنه داس البراعم التي كان يمكن أن تحلق إلى المستقبل
نفذ الهجوم الفصيل غير المستقيم، ومع ذلك كان تحالف موريم هو من تحمل معظم اللوم
هكذا كانت الأمور دائماً، فعندما تقع حادثة يبحث الناس عن شخص يعلقون عليه الذنب
وهذه المرة وقع الاختيار على تحالف موريم
وربما كان تحالف موريم في الحقيقة عاجزاً فعلاً
وكما يحدث كثيراً في مثل هذه المواقف، بدأ الناس يلتفتون إلى من برز وسط الفوضى، فمن الذي تميز في ذلك الاضطراب؟
لم تكن تشونغيوان قد تجاوزت بعد كارثة ماغيونغ، ومع شوقهم الدائم إلى الأبطال وصل الأمر بهم إلى صنع أبطال حتى عندما لا يوجد أحد
بمعنى آخر، كان ذلك جيلاً يسهل فيه أن تصبح بطلاً إذا امتلكت قدراً بسيطاً من الكفاءة
إذن، من الذي برز في هذه الحادثة بينما كان تحالف موريم يتلقى اللوم؟
هل كان التنين الخفي الذي لم يرهبه الفصيل غير المستقيم واندفع لحماية زملائه التلاميذ؟
أم كان تنين السيف، الذي يفوح منه جو فارس نبيل مع تفتح أزهار البرقوق؟
كان هناك كثيرون حافظوا على قيم الاستقامة والرفقة وسط الهجوم الوحشي، لكن على نحو ساخر بدأت شهرة شخص آخر تماماً تنتشر بين الناس
كان هناك من أجبر قائد المهاجمين، المعلم الأعظم للشيطان، على الركوع
حتى زعيم طائفة كونلون، تشونغهاي إيلغوم، فقد ذراعاً في هزيمته
تعجب الناس من أن مزارعاً روحياً شاباً تمكن من الصمود أمام خصم مرعب مثل المعلم الأعظم للشيطان
وبناء على ذلك ظهر موضوع جديد للحديث
هل بلغ ذلك المزارع الروحي الشاب مستوى اللهيب أم لا؟
كان مستوى اللهيب نادراً إلى درجة أنه حتى لو أحصيت كل محارب فنون قتالية وصل إليه فلن يكاد العدد يبلغ ألفاً، وهو مستوى عالٍ لدرجة أن معظم الناس لا يصلون إليه حتى بعد عمر كامل من صقل مهاراتهم
ولم يكن عبثاً أن مستوى القمة كان معروفاً باسم «مقبرة محاربي الفنون القتالية»
ومهما حاول المرء بجد، يبقى كثيرون عالقين عند مستوى القمة غير قادرين على كسر حاجز مستوى اللهيب
وسميت مقبرة لكل من المحاربين العاديين والمواهب الاستثنائية على حد سواء
أن يصل مزارع روحي شاب لم يبلغ العشرين بعد إلى ذلك المستوى؟ كان من الصعب تصديق ذلك
لم يوجد محارب فنون قتالية كهذا في التاريخ قط
ومع ذلك لا يمكن إنكار أن هذا المحارب الشاب أجبر المعلم الأعظم للشيطان على الركوع فعلاً، وقد شهد تشونغهاي إيلغوم بنفسه على ذلك
وفوق ذلك، بعد إخضاع المعلم الأعظم للشيطان، انتقل المزارع الروحي الشاب سريعاً للقضاء على ما تبقى من مقاتلي الفصيل غير المستقيم
ذكر شهود عيان أن السماء تحولت إلى أحمر كئيب في ذلك اليوم
جبل تايسان، حيث بدأت رائحة الدم تنتشر، صار سريعاً يفوح لا بالدم بل بالدخان
تحولت صرخات ورعب المزارعين الروحيين الشباب إلى عويل مقاتلي الفصيل غير المستقيم، ومع غروب الشمس استبدلت هالة القتل التي غمرت جبل تايسان بطاقة النار وحدها
والذي كان يهيمن على السماء القرمزية لم يتردد في إزالة الأشرار
مع أن الأساليب كانت عنيفة حتى بمعايير الفصيل المستقيم، حيث تكسرت الأطراف واحترقت الحناجر، عبس بعضهم من القسوة ورأوها مفرطة على شخص في مثل سنه
لكن كثيرين خمنوا أن أفعاله صدرت عن غضب لا يمكن كبحه
فعندما رأى أفراد فصيله يُذبحون على يد الفصيل غير المستقيم غمره الغضب ولم يترك رحمة في ضرباته
«هراء»
وبالطبع، الشاب الذي سمع هذه الحكايات رفضها وعدها مجرد أعذار لتبرير غضبه
ومع ذلك تمسك الناس بهذه القصص كأنها حقيقة لا تقبل الشك
اعتُبر بطلاً لأنه أجبر المعلم الأعظم للشيطان على الركوع وأوقف الهجوم
وكان شخصاً رغم مظهره المخيف لطيف القلب على نحو لافت
وفي سلوكه بدا كأنه يسير على خطى والده، فارس النمر
في الماضي كان الناس يزدرونه ويقولون إنه مجرد ظل لوالده، لكن الآن ظهرت تكهنات بأن والده نشر تلك الشائعات عمداً ليخفي موهبة ابنه
ومن الطبيعي أن صاحب الشأن كان يصر على أسنانه ويشتم في داخله عند سماع هذا الكلام الفارغ
ومهما احتج وقال إنه ليس كذلك، فقد انتشرت الشائعات بعيداً لدرجة يستحيل معها سحبها
يا ترى أي سلالة ينتمي إليها هذا المحارب؟
كان الابن الوحيد لفارس النمر، الذي حكم عقول الفصيل غير المستقيم بالرعب يوماً ما
وكان الأخ الأصغر لقمة السيف، الذي يُشاد به بوصفه أقوى محارب شاب
وكان الفائز بتجمع التنين والعنقاء
وكان أصغر محارب يصل إلى مستوى القمة
وكان يُدعى تنيناً حقيقياً بين التنينات الست والقمم الثلاث، ويُنظر إليه بوصفه ألمع نجم في جيل النجوم المنطلقة
وبسبب هذه الحادثة تجاوز الشاب حدود المزارع الروحي الناشئ، واعترف به بوصفه معلماً قائماً بذاته
لم يعد جينريونغ، التنين الحق، شخصاً يمكن حصره في صفوف المزارعين الروحيين الناشئين
وبدأ أهل تشونغيوان يعترفون بجينريونغ لا كمزارع روحي شاب فحسب، بل كمحارب قائم بذاته
ولذلك منحوه لقباً جديداً
ليس جينريونغ المزارع الناشئ، بل ولادة معلم جديد
لقد اشتاق الناس إلى بطل، وبهذا المعنى كان هو البطل الذي أرادوه
كان يملك الاستقامة والوفاء، يتحرك بلا تردد لإنقاذ الآخرين، لكنه بلا رحمة تجاه الفصيل غير المستقيم
وأطلقوا عليه اسماً يليق بقسوته على الأشرار والعقوبات العنيفة التي أنزلها بهم
«سويومرا»
…!
طَقّ
دوي!
يده التي كانت ممدودة في خط مستقيم ارتبكت عند تلك الكلمة وضربت موضعاً آخر
وعندما ارتطمت قبضته بجدار الكهف دوى صدع في الكهف كله
أمسك بأذنيه المحمرتين وحدق بمن نطق ذلك الاسم البغيض
«ههه»
«…مضحك؟»
ابتسمت المرأة وهي تقضم فطيرة صغيرة ونظرت إليه
«مضحك جداً»
«أنا لا أراه مضحكاً أبداً»
«غريب… ألا يعجبك؟ إنه لقب رائع حقاً»
«إن كنت ستتحدثين هكذا… هل يمكنك على الأقل أن تتوقفي عن الابتسام بسخرية وأنت تقولينه يا سولبونغ؟»
«ياله من أمر… لقد ارتكبت زلة نادرة»
عند كلماته رفعت مويونغ هييا حاجبيها بدهشة مصطنعة، ثم سحبت زوايا شفتيها إلى الأسفل ببطء بأصابعها
هذا المنظر جعله يعض على أسنانه
«أف»
ومع ذلك لم يستطع أن يصرخ في وجهها
لقد جاءت من كل هذا الطريق فقط لتجلب له الطعام، لذلك لم يكن يستطيع أن ينفجر في وجهها
كل ما استطاع فعله هو أن يسب في داخله
«سويومرا… تباً لهذا كله»
مجرد التفكير في ذلك اللقب السخيف جعل دمه يغلي
«إن عثرت يوماً على الوغد الذي اخترع هذا، فسأجعله يلتقي بملك العالم السفلي الحقيقي»
كان بالكاد يتحمل لقب «التنين الحق»، لكنهم حمّلوه الآن ما هو أسوأ بكثير، هو من الفصيل المستقيم، فلماذا عليه أن يحمل لقباً مرتبطاً بملك العالم السفلي؟
«من الذي فعل هذا؟»
كلما فكر في الأمر ازداد غضباً
لم يمض سوى شهر منذ بدأ الناس ينادونه بذلك الاسم، وكان يتذكر أول القصص الغريبة التي دارت عنه
«ماذا؟ منقذ الأبرياء…؟»
لم يكن في مزاج جيد، فقتل الأوغاد الذين يعيثون فساداً، لكن الأمر تحوّل بطريقة ما إلى حكاية بطولة
صحيح أنه كان يبغض الفصيل غير المستقيم، لكنه لم يقتلهم بدافع مبادئ سامية أو نوايا نبيلة
قتل لأنهم يستحقون ذلك، ولم يتردد لأنه كان يعرف أنه على حق
لم يفهم لماذا ينسب الناس إليه دوافع نبيلة بهذا الشكل
«الناس يحبون نشر الشائعات حقاً»
والمشكلة الحقيقية كانت في تشونغهاي إيلغوم، ذلك العجوز، الذي وصف القصة كلها وكأنها من صنعه وحده
«لا يصدق»
حسناً… من الناحية العملية كان هذا صحيحاً
ولو دقق المرء في الشائعات لوجد أن المشكلة الوحيدة أنها صورته كمنقذ يضحي بنفسه، أما كل شيء آخر فكان دقيقاً
انتشرت الشائعات بسرعة مذهلة، وكان اللقب التعيس هو الجزء الأكثر إزعاجاً
«أنا أراه مناسباً جداً، أليس كذلك يا سيدي؟»
«أنت… تظنينه مناسباً حقاً؟»
سويومرا، مناسب؟ هل كانت جادة؟
حين رأت تعبير اشمئزازه أطلقت مويونغ هييا ضحكة محرجة، وبدا أنها هي نفسها لا تؤمن تماماً بأن اللقب مناسب
«الاسم غريب، لكن»
«أرأيت، حتى أنت ترينه كذلك»
«…ومع ذلك، أليس مهماً أن محارباً قد نال لقباً؟»
لم تكن مخطئة
بالنسبة لمحارب فنون قتالية، يكون اللقب جزءاً مهماً من هويته، كأنه علامة على مهاراته وصفاته وإنجازاته
وبعض محاربي الفنون القتالية يبالغون حتى يمنحوا أنفسهم ألقاباً ضخمة، لكن هذه الألقاب الفارغة غالباً ما تختفي بسرعة
أما اللقب الحقيقي فهو ما يمنحه الآخرون
الثلاثة المعلّمون المعروفون بالثلاثي لم يطلقوا هذا الاسم على أنفسهم، بل سُمّوا كذلك لأن أعداداً لا تحصى اعترفت بهم كأقوى ثلاثة
ولقب والده، فارس النمر، كان على هذا النحو أيضاً، وكذلك ألقاب رؤساء العائلات الأربع العظمى
وبشكل ما كان اللقب مقياساً لقيمة المحارب
لكن مع ذلك
«هذا مبالغ فيه جداً!»
داس الأرض بقدمه غيظاً، ولم تفعل مويونغ هييا سوى أن تراقبه بوجه ثابت كأنها اعتادت تصرفاته
«حسناً، كما تشاؤون»
تجاوز كونه مزارعاً ناشئاً والاعتراف به معلماً؟ كان ذلك أمراً جيداً
وإذا كان لقبه مزعجاً مثل سويومرا فليكن، فهو على الأقل أفضل من اللقب الذي كان يحمله في حياته السابقة
«…مع أن الحقيقة أنه مزعج بالقدر نفسه»
فليتقبله إذن
كان الناس في كل مكان ينادونه سويومرا، أو «ملك العالم السفلي الصغير»، ويتحدثون عنه بإعجاب أو خوف
كان يستطيع تحمل ذلك
المشكلة الحقيقية كانت
«لماذا انتشرت الشائعات بهذه السرعة؟»
كانت سرعة انتشار لقبه مذهلة
لم يكن متأكداً مما يحدث في المناطق الأخرى، لكن حتى في هانان وحدها كان معدل حديث الناس عنه لافتاً
لا عجب أن كل حانة ونزل كانا يعجان باسمه ليلاً ونهاراً
«يبدو الأمر غريباً، أليس كذلك؟»
يبدو أن مويونغ هييا أحست أيضاً بشيء غير طبيعي
«يكاد يبدو… مصطنعاً، أليس كذلك؟»
«بالضبط»
«لكن… أنت تعرف السبب، أليس كذلك يا سيدي؟»
«صمت»
لم تكن مخطئة
كان لديه تصور غامض لسبب ما يجري
«إنها مؤامرة كاملة»
بدا له أن تحالف موريم له يد في ارتفاع سمعته المفاجئ
«وبالنظر إلى السرعة، فهذا يعني على الأرجح أن فصيل الفتح متورط أيضاً»
كان شبه متأكد من ذلك
كان التحالف يحاول استخدامه كتشتيت، كبيدق لتحويل الأنظار بعيداً عنهم
كان هذا أسلوباً يستخدمونه كثيراً لستر الفضائح أو تحويل انتباه العامة عند الحاجة
في البداية ظن أنهم يحاولون فقط تلطيف سمعتهم الملطخة بجعله محور الحديث
لكن مع تطور الأمور اتضح أن المسألة أكبر من ذلك
«كأنهم يرفعونني عمداً»
كانوا يفعلون ذلك إلى درجة بدا معها أنهم مستعدون لتلطيخ سمعتهم فقط لرفع شأنه
«لكن لماذا؟»
لم يستطع فهم دافعهم تماماً
وفوق ذلك
«ولماذا اختاروا لقباً سخيفاً إلى هذا الحد؟»
حين تذكر لقبه لم يستطع إلا أن يضغط على أسنانه
إن كان تحالف موريم هو من يقف خلف الأمر فهم من منحوه هذا الاسم
قَرْقَعَة
قبض على فكه ووجه قبضته من جديد
دوي! دوي!
ترددت الأصوات في الكهف مرة أخرى، وأطلقت مويونغ هييا زفرة مستسلمة وهي تراقب
«قلت لك إن عليك أن تستريح»
«استرحت بما يكفي»
واصل اللكم وهو يتحدث
«…لم تمض سوى خمس دقائق»
«هذا يكفي»
«أنت مجنون»
بدت مويونغ هييا متضايقة، لكن ذلك لم يمنعه من مواصلة حركاته، كم يوماً مضى وهو على هذا الحال الآن؟
«لا أعرف، ربما أكثر من سبعة أسابيع»
فقد العد، ولم يعد يعرف كم يوماً حُبس في هذا الكهف
ورغم أنه كان مرهقاً حتى بالنسبة له، لم يكن لديه خيار
«عليّ أن أنهي هذا»
كان سبب خوضه هذا التدريب الجنوني هو الأعلى الساقط، بيجون
بدأ الأمر حين طلب تلمذة بيجون، في الوقت الذي كان يتعلم فيه تقنية زراعة روحية جديدة
قال له بيجون إن تعلم مهارة جديدة يتطلب أن يفرغ نفسه تماماً ليُملأ من جديد، وكانت هذه قاعدة غير مكتوبة بين محاربي الفنون القتالية
لكنّه تذكر نظرة بيجون، خليطاً من خيبة واستغراب، حين أدرك أن غو يانغتشون لم يتخل عن مهاراته السابقة ليتبنى مهارته الجديدة
وكأنه مصدوم تمتم بيجون: «هل هذا ممكن حقاً؟»
بالنسبة له لم يبد الأمر إنجازاً مستحيلاً
لكن وجه بيجون كشف حقيقة المسألة
قال: «هذا عبث، أن تتمكن من التحكم في طاقتين مختلفتين بهذه السهولة، أي تحكم هذا؟»
بدا بيجون كأنه اكتشف عالماً جديداً، بينما كان غو يانغتشون يفكر فقط: «عن ماذا يتحدث؟»
سأل بيجون بدهشة: «كيف تستطيع الضبط بهذا القدر من الدقة؟»
«…ماذا؟»
لم يجد غو يانغتشون جواباً سوى أن يقول: «فقط أستطيع»
لم يكن يعرف كيف أو لماذا، لكنه كان يستطيع
ورغم أنه خشي أن يسيء إلى بيجون، بدا بيجون سعيداً للغاية
«ما قصة هذه النظرة على وجهه؟ مخيفة»
لا بد أن ذلك كان سبب هذه المحنة، فهو هنا الآن يتدرب على تقنية زراعة روحية تدفع جسده إلى أقصى حدوده، وكل هذا بسبب بيجون
كانت الخطوة التالية بعد تعلم تقنية الزراعة الروحية هي بدء تعلم فن قتالي اسمه توا با تشيونمو
كان فناً قتالياً بقوة لا مثيل لها، ابتكره بيجون قبل أقل من قرن، ونال سمعة فن عظيم
كان يتذكر مدى قوته حين واجهه بنفسه
لكن عندما طلب تعلمه قال بيجون: «اشق طريقك عبر هذا الجبل بلكماتك مستخدماً فقط طاقة توا با تشيونمو»
«…ماذا تقول؟»
«لا يمكنك إلا استخدام قبضتيك، لا يسمح بأي طاقة أخرى»
ثم مع هذا الكلام استدار بيجون ليغادر
صرخ وهو يمد يده: «انتظر لحظة!» لكن بيجون لوّح له بالانصراف
«آه، وبالمناسبة»
أكمل بيجون: «لا تنادني بالمعلّم بعد، لست مستعداً لذلك»
وبذلك اختفى في أسفل الجبل
ومنذ ذلك الحين كان بيجون يعود أحياناً ليتفقد تقدمه ثم يختفي مجدداً
ولهذا كان غو يانغتشون يخوض هذا التدريب الجنوني الآن
«ذلك الوغد»
أن تثقب جبلاً بقبضتيك وحدهما، يا لها من جنون
«ومع ذلك ها أنا أفعل ذلك بالضبط»
تساءل لماذا يفعل هذا، ولماذا استمر قرابة شهرين، كان الأمر خارج الفهم، لكنه كان يعرف شيئاً واحداً
أدركه منذ اللحظة التي بدأ فيها التدريب بهذه الطريقة
«هذه التقنية»
فَنّ الزراعة الروحية المسمى توا با تشيونمو لم يكن تقنية بقدر ما كان سلسلة من القيود
كلما استخدمه ازداد الألم الذي يسببه لجسده
كانت عضلاته تصرخ، وشعر كأن جوفه يُسحق، وأصبح جسده كله أثقل كأنه يجر أوزاناً معدنية
لكن بعد استخدامه عدة مرات أخرى لاحظ شيئاً
لم يكن الألم لتعذيبه بل لتحويل جسده
كلما تدرب أكثر شعر بأن عضلاته تقوى، وإن كان ذلك ببطء
كانت تقنية زراعة روحية غريبة
كان التقدم بطيئاً بشكل لا يطاق، والفائدة ضئيلة ما لم يداوم المرء، لكن مجرد الحركة أثناء استخدام التقنية كانت تزيد قوته الجسدية
كان الأثر المحتمل لهذا الاكتشاف هائلاً
فسر ذلك لماذا عُرفت فنون بيجون القتالية بأنها مهارات عظيمة، ولماذا ظل يحتفظ بقوة مرعبة حتى في شيخوخته
لكن المشكلة الأكبر كانت
«إنه مؤلم جداً»
مجرد تحريك جسده أثناء استخدام التقنية كان عذاباً
كما قيل سابقاً، كان يشعر وكأن كل أنواع العقاب تُصب عليه
كان مؤلماً لدرجة أن مد ذراع واحد كان صعباً
لف خصره ورفع ذراعيه، كان الألم هائلاً
وحتى الآن بعد كل هذا الوقت ظل الأمر كما هو
مجرد حركة بسيطة كانت تجعله يتعرق، وأحياناً كان يغمى عليه من الألم
كان يتساءل كثيراً هل يعني هذا أن بيجون يتحمل هذا الألم في كل مرة يستخدم فيها التقنية
في تلك اللحظة بدا بيجون كأنه يستمتع بالألم
مهما نظر إلى الأمر كانت تقنية مجنونة
ومع ذلك كان يشعر بأنه يزداد قوة
قليلاً جداً، لكنه كان تقدماً، والشعور بهذا التقدم هو ما كان يهم
لم تكن خطوة لرفع مستوى زراعته الروحية بل لتقوية جسده
إذا كان بيجون قد صممه بهذه الطريقة فهو حقاً وحش
ورغم أنه لم يتلق بعد تدريباً رسمياً على حركات توا با تشيونمو، فإن سبب استمراره في ضرب جدار الكهف كان بسيطاً
كان يشعر بأنه يفيده فعلاً
«إلى متى تنوي فعل هذا؟»
بالنسبة لمن لا يفهم قد يبدو هذا تمريناً بلا جدوى
ومويونغ هييا كانت ترى ذلك بالفعل
«ستنهك نفسك يا سيدي»
«أنا بخير»
لم يستطع أن يخبر أحداً بهوية بيجون الحقيقية، ولا أن يذكر أنه يتدرب على يده، وبالنسبة للآخرين كان يبدو على الأرجح كمجنون يلكم الكهف بقبضتيه
ومع ذلك كانت تستمر في جلب الطعام له، ربما لأنها شاهدته يفعل أشياء غريبة كثيرة حتى اعتادت
لا أن هذا كان أقل إزعاجاً
«آه»
توقف وهو يمسك صدره، كان الألم شديداً الآن بما يكفي ليصيبه بالدوار
«صمت»
وهي تراقبه أطلقت مويونغ هييا تنهيدة عميقة ونهضت
«رجاءً تأكد من أن تأكل»
«أنت راحلة؟»
«نعم، الآنسة نامغونغ ستأتي غداً»
«قلت لها أن تستريح لكنها تصر على المجيء»
يبدو أنهم كانوا يتناوبون على جلب الطعام له
مع أنه لم يكن في الكهف طوال الوقت، فقد كان يعود ليأكل ليلاً، أما سبب مجيئهم وقت الظهيرة فكان لغزاً
ولماذا كانت مويونغ هييا تعرف بالضبط متى يتجه إلى الكهف ليلاً؟
كلما ذهب إلى الكهف ليلاً ظهرت مويونغ هييا كأنها كانت تعرف منذ البداية
كيف كانت تعرف؟
«أريدها أن ترتاح أيضاً، لكن هذا أسهل قولاً من فعل، الآنسة نامغونغ ذكية وتلتقط الأمور سريعاً، على عكس بعض الناس»
«ها؟»
«حسناً، سأذهب الآن، هل ستعود مساءً يا سيدي؟»
«ربما؟»
قطبت أنفها من إجابته المتهربة، ثم من دون كلمة أخرى استدارت واتجهت نحو مدخل الكهف
وقبل أن ترحل
«آه، بالمناسبة»
«وماذا أيضاً؟»
«رجاءً احضر سالماً بعد سبعة أيام من الآن»
وبهذا التذكير الأخير اختفت مويونغ هييا أخيراً من الكهف
«همف»
لم يتذكر ما قالته إلا بعد أن غادرت، فبعد سبعة أيام سيبدأ اجتماع الفصائل المستقيمة
وكان من المتوقع أن يحضر ذلك الاجتماع
لم يكن سعيداً بذلك، لكن بما أنه كان من أقرب الشهود للهجوم وبما أن الناس ينادونه سويومرا في كل مكان، لم يكن لديه خيار
الفكرة وحدها كانت كافية لتسبب له صداعاً
ولم يكن هذا الشيء الوحيد الذي يثقل ذهنه
زفرة
ومع التفكير في الأمر أطلق تنهيدة عميقة
«كم شخصاً من المفترض أن يحضر مجدداً؟»
لم تكن الفصائل المستقيمة ولا المدارس السبع الكبرى هي ما يزعجه
ما كان يسبب له الصداع هو شيء آخر تماماً
سمع أن أفراد عائلة غو سيحضرون الاجتماع
من الذي سيأتي بالضبط؟
الشيخ إيلجانغ، المعلم إيلغوم، السيدة مي، غو هيبي
ووالده أيضاً
وبصراحة لم يكن هذا الجزء سيئاً
وبالنظر إلى الحادثة والاجتماع كان من الطبيعي أن تظهر عائلة غو
لكن
«…لماذا والدي؟»
مجيء والده إلى هانان كان يعني شيئاً مختلفاً تماماً
شيء أن ترسل العائلات الأربع العظمى رؤساءها، لكن
لم يرد والده أبداً القدوم إلى هانان، كان دائماً مشغولاً بصفته حامي شانشي، لكنه كان يتجنب هانان بشكل خاص
نادراً ما كان يغادر شانشي إلا لسبب استثنائي، كما فعل حين تولى أمور غو هيبي أو أثناء خطوبته
ربما كان يشعر بعدم ارتياح في هانان
«هل يعني هذا أن الحادثة بهذه الأهمية؟»
قد يكون ذلك صحيحاً، لكنه ظل يتساءل
أكثر من أي شيء
«رؤية والدي تجعلني متوتراً»
كان الأمر هكذا دائماً
حتى لو تحسن الوضع قليلاً، بقيت فكرة مواجهة والده مخيفة
لا عجب أنه توقف عن اللكم
«أظن أنني سأنهي اليوم هنا»
حين تشتتت أفكاره صار من الصعب أن يركز مجدداً
قرر إنهاء تعبه لهذا اليوم، وعندما سحب قبضته وتوقف عن توجيه طاقته ارتخت القيود على جسده وتلاشى الألم
جسده المبلل بالعرق شعر على نحو مفاجئ بالانتعاش
مع أن التدريب القاسي لم يعد يجعله يتعرق منذ زمن، فإن هذا منحه قدراً من الراحة
بعد أن ارتدى ثيابه غادر الكهف
كان مقصدُه بيت الضيافة المخصص للناجين من التلاميذ بعد الهجوم
لم يكن أمام من نجا من الهجوم إلا البقاء لأن عائلاتهم أو فصائلهم لم تستدعهم
وأرسلت بعض الطوائف رسائل تسمح للناجين بالعودة، لكن هذه الحالات كانت نادرة
وربما ساهم كون اجتماع الفصائل المستقيمة سيعقد خلال بضعة أشهر في قرارهم بالبقاء
وبينما كان يسير في شوارع هانان امتلأ الجو بالهمسات
—إذن ماذا فعل التحالف؟
—سمعت أن قائد التحالف قال
وكالعادة كان الناس يتناقشون في الشائعات المنتشرة
—وهذا السويومرا
عندما سمع اسمه يتسلل إلى الحديث أنزل قبعته الخيزرانية أكثر
عادة لم يكن ليرتدي شيئاً مزعجاً كهذا، لكن الشائعات أجبرته
«…هذا سخيف»
أطلق زفرة
يا له من منظر لا بد أنه كان يبدو عليه
«يجب أن أعود بسرعة»
وبينما كان يشق طريقه بين الحشود ناداه أحدهم
«يا سيدي»
تجمد في مكانه، هل تعرف عليه أحد؟
التفت بحذر وهو يفكر هل يتجاهل النداء أم لا
الرجل الذي ناداه كان يرتدي أيضاً قبعة خيزرانية تخفي وجهه
«قوي»
كان يستطيع أن يشعر بقوة الرجل
وتوقف الغريب أيضاً، كأنه شعر بالأمر نفسه نحوه
«…ماذا هناك؟»
لكن الرجل لم يبدُ أنه تعرف عليه
استعاد الغريب هدوءه بعد دهشته وأكمل
«هل تعرف الطريق إلى حانة بايكليم؟»
«…هم؟»
الاسم الذي ذكره كان هو نفسه وجهته
وبينما اتخذ وضعاً دفاعياً تحدث الرجل مرة أخرى
«ابنتي تقيم هناك، لكني لا أعرف المنطقة ولست متأكداً من الطريق»
بعد أن قاس الرجل بعينه أدرك غو يانغتشون أنه أمام محارب قوي، إما في مستوى اللهيب أو قريب من قمته
وعندما رأى أنه ما زال متحفظاً أخرج الرجل وثيقة مختومة بخاتم تحالف موريم
«هذا»
كانت إشعاراً يتعلق باجتماع الفصائل المستقيمة القادم
عندها فقط ارتاح، واستنتج أن الرجل على الأرجح قريب لأحد التلاميذ المقيمين في الحانة
لم يعرف أي تلميذ تحديداً لكثرتهم، لكن هالة الرجل أوحت بأنه محارب ماهر جداً، ربما من إحدى العائلات العظمى أو من طائفة كبيرة
أثار الأمر فضوله، لكن مع ترتيب أولوياته أشار للرجل أن يتبعه
«تعال معي»
«ستقود الطريق؟»
«ليس تماماً، فأنا متجه إلى هناك أيضاً»
تقدم هو، وتبعه الرجل
وهكذا سار إلى جانبه أيضاً سيد سيف بايك تشيونغ مويونغ تاي