يوم التنانين التسعة )4(
«هذا هو السيّد الصغير؟»
رجل يبدو في العشرين من عمره تقريبًا
انقبض قلبي وأنا أراه يفتعل نوبة غضب كطفل
لا، تمهّل قليلًا، ماذا يفعل واحد من أفراد عشيرة بينغ هنا؟ بل والأسوأ أن فردًا يحمل دم العائلة الحاكمة لعشيرة بينغ يثير هذه الفوضى كطفل أمام الجميع
«مستحيل»
لا يمكن أن يكون هذا هو السيد الصغير الحقيقي لعشيرة بينغ، لا بد أنه محتال
محتال وقح إلى حد جنوني
انتحال شخصية السيد الصغير لإحدى العشائر الأربع النبيلة كافٍ لجرّه إلى مصيبة ضخمة
لكن في تلك اللحظة بالتحديد، قفزت إلى ذهني ذكرى اصطدامي أمس بينغ ناهي، وحاولت سريعًا مسح تلك الفكرة من رأسي، أو على الأقل حاولت ذلك
لا شيء من هذا يبدو منطقيًا
لا بد أن هناك خطأ ما في مكان ما
وفوق ذلك، في حياتي السابقة لم أسمع قط عن حضور السيد الصغير لعشيرة بينغ احتفال التنانين التسعة، لذا ظننت أن هذه الفوضى ستُحل بلا أي مشاكل
بكل تأكيد
«ما الذي يحدث هنا؟»
وأنا على وشك تجاهل الموقف والمغادرة اصطدمت بالشيخ الثاني
«بعض الغريبي الأطوار يثيرون المشاكل»
أجبته بسرعة، ثم خططت للمغادرة مرة أخرى، كان لدي ما أفعله وأردت الخروج بأسرع ما يمكن
لكن الشيخ الثاني أوقفني
«كنت أبحث عنك، ظهري يؤلمني كثيرًا منذ الصباح»
«أي هراء هذا؟ تبدو أكثر صحة مني حتى»
«همم، لاحظت ذلك أمس أيضًا، لكنك فجأة أصبحت بارعًا في الرد عليّ، سيكون رائعًا لو أن مهاراتك القتالية تحسنت بالسرعة نفسها»
مرّر يده مجددًا في شعري، وفي رأسي كله معه
أشعر بدوار
«أوه… ولماذا كنت تبحث عني؟»
كان يمكنه أن يكلّف الخدم بهذا، فلماذا قرر أن يهتم بالأمر بنفسه؟
«آه، لا شيء مهم، بعد أن تنتهي المباراة…»
«إذًا لماذا لا تسمحون لي بالدخول؟ لقد أريتكم كل ما طلبتموه، هل يجب أن أُريكم فنون الظل الخاصة بي حتى تصدقوني؟»
«…سيدي، من فضلك حاول أن تهدأ، نحن أيضًا…»
«لا، قلت لكم إنه ليس لدي وقت، أنتم من قلتم إن أي شخص يحمل شهادة يمكنه الدخول»
تحوّل نظر الشيخ الثاني نحو الرجل، كانت فنون ظلّ القتال نوعًا من الفنون القتالية التي تورَّث داخل عشيرة بينغ
ولم تكن مجرد فنون عادية، بل مهارة قتالية لا تُمرَّر إلا لحاملي دم عشيرة بينغ فقط
أردت إيقاف الشيخ الثاني لأنني لم أحب اتجاه سير الأمور، لكنه كان قد ابتعد عن متناول يدي بالفعل
«…اللعنة»
«أأنت ابن بينغ؟»
فجأة صار الشيخ الثاني واقفًا أمام الرجل الذي يدّعي أنه السيد الصغير لعشيرة بينغ
«ت.. تحياتي للشيخ الثاني»
ما إن رأوه حتى أبدى جميع الرجال احترامهم له
وبالطبع، كان الذين سجّلوا للمنافسة يحدّقون في المشهد أيضًا
«جيد، يُسعدني أن أراكم تعملون بجد، وأنت، أنت ابن بينغ؟»
اعتدل الرجل في وقفته فور سماعه كلمات الشيخ
«أنا بينغ ووجين، السيد الصغير لعشيرة بينغ، يشرفني أن ألتقي بقبضة غو الملتهبة»
«القبضة الملتهبة» كان لقبًا مُنح للشيخ الثاني
ارتسمت ابتسامة ساخرة على وجه الشيخ الثاني بعد سماعه كلمات بينغ ووجين
هل مجرد تحيته بلقبه جعله في مزاج جيد؟
«إذًا أنت ابن بينغ، هيئتك الجسدية تقول ذلك بالفعل، ووجهك يشبه تمامًا ذاك الأحمق سيدك»
أن يصف سيد عشيرة بينغ بالأحمق…
مهما فكرت بالأمر، كلمة «رَجولي» تناسب الشيخ الثاني تمامًا
«إذًا لماذا جئت إلى هنا؟»
«جئت لأساند سيّافي عشيرة غو»
«أنت السيد الصغير لعشيرة بينغ، ومع ذلك تركت السيّافين في موطنك؟»
«لا متعة هناك»
ضحك الشيخ الثاني على جواب بينغ ووجين، وكأنه يتحدث إلى مجنون
«أنت مجنون بالفعل، يبدو أن عشيرة بينغ تملك مجنونًا في عائلتها»
«شكرًا يا سيدي، أسمع ذلك كثيرًا»
«هذه ليست مجاملة»
لاحظت فجأة خاتمًا أسود في يد بينغ ووجين، كان الخاتم نفسه الذي تملكه بينغ ناهي
تبًا، إنه حقيقي فعلًا
لماذا جاء إلى هنا ليفعل كل هذا الهراء؟
«جئت إلى هنا لأنني سمعت أن أي شخص يحمل شهادة يمكنه الدخول، لكنهم رفضوا إدخالي رغم أنني أريتهم كل شيء»
«…هل جئت إلى هنا بعد أن حصلت على إذن من سيد بينغ؟»
«لم يكن هناك أي احتمال لأن يسمح بخروجي، لذا هربت»
كان مجنونًا حقًا
«أنت حقًا مجنون»
لأول مرة وافقت الشيخ الثاني، هذا الرجل مجنون بحق
ابتسم الشيخ الثاني مرة أخرى بعد أن ألقى نظرة على جسده، بدا كأنه ينظر إليه بنظرة منحرفة قليلًا
«جسدك مبنيّ جيدًا، كم عمرك؟»
«أكملت الثالثة والعشرين هذا العام»
«جسد كهذا في هذا العمر الصغير… بينغ يربّي تنينًا، أتمنى لو يكون شقينا الصغير على الأقل نصف ما أنت عليه»
هل كان يقصدني عندما قال «الشقِي»؟
مع ذلك لم أشعر بالأذى رغم مقارنتي به، لأن هذا الرجل إن كان فعلًا بينغ ووجين من عشيرة بينغ، فهو بالفعل تنين
ملك السيف بينغ ووجين
ذلك كان اللقب الذي سيُمنح له في المستقبل، في وقت ليس ببعيد عن الآن
كان قائد جيش السماء السوداء معروفًا بأنه مساوٍ لواحد من السادة السماويين السامِين، «السامي المهان» بيجو
وكونه مساويًا لأحد السادة السماويين كان يعني أنه لا يمكن مقارنته أبدًا بسائر فناني القتال
لكن ذلك القائد مات في معركة ضد بينغ ووجين
كان يُقال إنه كان مُنهكًا من معارك سابقة قبل مواجهته لبينغ ووجين، لكن بينغ ووجين انتصر رغم أنه واجهه وحده
وعندما سمع بيجو بالخبر منح بنفسه بينغ ووجين لقب ملك السيف
ابتسم الشيخ الثاني وهو يمرر يده في لحيته الطويلة
«لقد أظهر شهادته، ويبدو مستعدًا للقتال، أليس ذلك كافيًا؟»
ما الذي قاله للتو بحق السماء؟
كان الحراس حائرين بكلمات الشيخ تمامًا كما كنت أنا
«…لكن يا شيخنا الثاني، حتى مع ذلك…»
«ما المشكلة؟ أليس هذا ما يريده هو؟»
«نعم يا سيدي، أتشرف كثيرًا بدخول منافسة التنانين التسعة، أريد حقًا أن أعمل كسيّاف في عشيرة غو»
«أرأيتم؟ هو نفسه من يريد ذلك»
ارتجفت عيون الحراس وكأن زلزالًا ضربهم، لم يعودوا يعرفون كيف يتصرفون في هذا الموقف
وعندما كانت عَرَقَاتهم الباردة على وشك تكوين بركة على الأرض ظهر المنقذ
«أخي!»
الشخص الذي ظهر بصوت عالٍ كانت بينغ ناهي
«أيها الأحمق!»
ركلته بقوة في معدته مباشرة، وقد وضعت طاقتها القتالية في تلك الركلة بلا شك
«آغ!»
طار بينغ ووجين الذي تلقى الركلة المباغتة في بطنه مسافة قصيرة، ثم سقط وبدأ يتدحرج على الأرض
«…يا إلهي، هذا يبدو مؤلمًا بحق»
هل مات؟
«أيها الأحمق، تحمل لقب السيد الصغير ثم تهرب بعد أن تترك رسالة قصيرة فقط؟!»
لم تكتفِ بينغ ناهي بركلة واحدة، بل هرعت إلى بينغ ووجين وبدأت تمطره بالركلات والضربات كالمطر
لحسن الحظ لم يمت بينغ ووجين، لكن للأسف بدأ يطلق المزيد من الصرخات
«أوغ… آغ! انتظري… انتظري…!»
«تهرب فقط لتصبح سيّافًا لعشيرة أخرى؟ هل فقدت عقلك تمامًا؟!»
هذا موضع حساس حقًا لا ينبغي أن تركله فيه…
«أخوك ـ أغ ـ سيموت، انتظري ـ أوف ـ لحظة واحدة ـ آي، ناهي!»
«إذًا مت، مت أيها الأحمق!»
«ومن سيكون السيد إن متّ؟!»
«ومن يهتم؟ حتى كلب سيكون أفضل منك!»
«آااغ!»
حوّلت بصري بعيدًا عن هذا المشهد الوحشي، أما الشيخ الثاني فحك خده متضايقًا من الوضع
سرت بحذر نحو الشيخ الثاني وتحدثت إليه
«هل من المناسب تركهما هكذا؟ سيموت فعلًا إن تركناهما على حالهما»
«رجال عشيرة بينغ أجسادهم متينة لدرجة أن ضربهم بأقسى الفولاذ لن يقتلهم، لا تقلق»
«أنقذوني…»
«…هل أنت متأكد؟»
التقطت بينغ ناهي أنفاسها وهدأت قليلًا بعد أن عاملته مثل دمية تضربها كما تشاء
أما بينغ ووجين فبقي ممددًا على الأرض، يرسل هالة تجعل الناظر غير متأكد إن كان حيًّا أم ميتًا
«انهض»
قالت بينغ ناهي بنبرة باردة، لكن بينغ ووجين ظل ملقى على الأرض، يبدو الآن أقرب إلى الموت منه إلى الحياة
«إن لم تنهض فسأحطمك بطوبة حتى لا تقوم مجددًا»
«نهضت!»
قفز بينغ ووجين فورًا واقفًا، والعرق البارد يجري على ظهره بعد سماعه تلك الكلمات القاسية التي لا تُصدَّق
أطلقت بينغ ناهي تنهيدة عميقة وهي تنظر إلى بينغ ووجين
يبدو أنها كانت تفكر في أشياء كثيرة
«حسنًا، بما أنني وجدتك فهذا يكفي، فلنعد إلى البيت يا أخي»
ظهر أشخاص يرتدون السواد خلف بينغ ناهي
كانوا من أفراد عشيرة بينغ، ومن ضمن حرس بينغ ناهي الشخصي
تقدمت بينغ ناهي نحونا بعد أن أبدت لحظة دهشة عندما رأتني أنا والشيخ الثاني
«أعتذر عن كل هذه الإزعاجات»
«أأنت ابنة بينغ؟»
«نعم، أنا بينغ ناهي، يا صاحب القبضة الملتهبة»
«على عكس أخيك، يبدو أنك تلقيت تربية جيدة، ذلك الدب من الرجال لديه أولاد رائعون فعلًا»
رجل يشبه الدب يصف رجلًا آخر بأنه دب…
«لن ننسى المشاكل التي تسببنا بها هنا وسنرد لكم الجميل بالتأكيد، سنغادر الآن حتى لا نسبب المزيد من الفوضى»
«لن أعود يا ناهي»
استدارت بينغ ناهي ونظرت إلى بينغ ووجين بعينين كالفأسين
«ما زلت تنطق هذا الهراء فعلًا؟»
«لا أنطق هراء، لا نية لدي للعودة إلى عشيرة بينغ»
«وما السبب إذًا يا أخي؟ لماذا تتصرف هكذا؟»
«عشيرة بينغ مملة»
لماذا هذا المجنون مهووس دائمًا بالحديث عن المتعة؟ ردت بينغ ناهي وكأنها قرأت أفكاري هي الأخرى
«وهل عشيرة غو ممتعة إذًا؟ هل كل العشائر الأخرى أكثر متعة من بينغ؟ لماذا تصر دائمًا على البحث عن المتعة في أماكن أخرى؟»
«الأرجح أنها أكثر متعة من مكاننا على الأقل»
«أخي، تصرّف كراشد، أنت السيد الصغير»
«ولهذا بالذات يجب أن أستمتع قبل أن أصبح السيد، فالطريقة الوحيدة لعدم أن أصبح السيد هي أن أموت أو أصبح معطوبًا نصف جسد، ولا تعجبني هاتان الخياران»
كانت عينا بينغ ووجين تقولان بوضوح إنه اتخذ قراره بالفعل
«ربما لا أرغب في أن أصبح السيد، لكنني لا أرى أحدًا يستحق هذا المنصب، باستثنائك أنت يا ناهي، كل من في العشيرة مجرد وحوش تحمل اسم بينغ، ولا يستطيعون هزيمتي حتى لو هاجموني جميعًا دفعة واحدة»
كان يقسو في حكمه على أفراد عشيرته وهو يتكلم
ربما بدا كشخص مفعم بالغرور والكبرياء، لكنه كان يملك الموهبة التي تسند هذا الغرور بالفعل
«لكنني لا أستطيع أن أدعك تصبح السيد، لذا سأصبح أنا السيد في النهاية لا محالة، ولهذا السبب قبلت لقب السيد الصغير الذي أكرهه وأجده مزعجًا»
بطريقة ما وجدت لمنطقه المجنون بعض التبرير، وكأنني أنا نفسي أصبت بالجنون وأنا أستمع إلى هذيانه
فركت بينغ ناهي صدغيها، يبدو أنها حصلت على صداع بسبب هذا الوضع
عندها تدخل الشيخ الثاني
«كنت سأسمح له بالمشاركة لأن هذا العجوز رأى أن الأمر ممتع، لكن بما أن عليّ أن أفكّر في موقف عشيرة بينغ، فلنعقد صفقة»
على كلمات الشيخ الثاني نظرت إليه بينغ ناهي بتوتر، بينما نظر إليه بينغ ووجين بحماس واضح
«سأسمح لك بالدخول إن هزمتني في قتال»
«…أي هراء هذا؟»
كنت أتوقع منه أن يقول شيئًا ذكيًا، لكن لا
حتى لو أصبح بينغ ووجين أحد الأقوى في المستقبل، فما زال أمامه الكثير ليتعلمه الآن، لا توجد أي فرصة لأن يهزم الشيخ
«…انتظر، لا تحتاج حتى إلى هزيمتي بالقوة، سأعتبرك الفائز إن استطعت أن تصيبني خلال عشر ضربات»
«هذا كل شيء؟»
أضاء وجه بينغ ووجين بكلمات الشيخ الثاني، أما بينغ ناهي التي خلفهما فبقيت تنظر إليهما بقلق، عاجزة عن التدخل
«نعم، سأمنحك عشر هجمات، تربح إن استطعت أن تلمس ثيابي ولو لمرة واحدة خلال تلك العشر»
سحب بينغ ووجين سيفه واتخذ وضعية القتال بمجرد انتهاء الحديث
انتظروا… هل سيقاتلان هنا، وهناك كل هذا الجمع من الناس؟
«انتظر…»
كنت على وشك إيقافهما، لكن الشيخ الثاني كان قد وجّه لكمته بالفعل نحو وجه بينغ ووجين في طرفة عين
دوّي صوت ارتطام قوي
سقط بينغ ووجين أرضًا بعد أن أصدر صوتًا لا يمكن أن ينتج عن لكمة عادية
كان سقوطه مختلفًا عن سقوطه السابق عندما تدحرج على الأرض بسبب ضربات بينغ ناهي
قد يكون قد مات بالفعل هذه المرة
«لقد تحكمت في قوتي، سيستيقظ قريبًا»
«…يا شيخنا الثاني، ألم تكن تنوي الاكتفاء بتفادي ضرباته؟»
«لم أقل ذلك قط»
هذا العجوز…
«على أي حال، تم حل هذه المشكلة الآن، أليس كذلك؟»
«لكن حتى مع ذلك، هل كان ضربه هو الخيار الوحيد فعلًا، خاصة وأن من ضربته هو السيد الصغير؟»
«إن كان الرجل مزعجًا، فإسكاته هو الحل»
«…فقط أن العنف لا ينبغي أن يكون الطريق»
«كيف تجرؤ على وصفه بالعنف؟ كان هذا نزالًا»
«…لكن قلت بنفسك إنه سيفوز إن لمس ثيابك، ألا يعني ذلك أنه فاز بما أنه لمس قبضتك؟»
عندما طعنته بالمنطق، أطلق الشيخ الثاني سعالًا متصنعًا
من الواضح أنه لم يفكر بالأمر إلى هذا الحد مقدمًا