ــ لماذا هي هنا؟ (1) ــ
الحادثة التي يتمزق فيها الفضاء وتندفع الشياطين خارجة منه كانت تُسمّى «فتح بوابة الشياطين»
جنس الشياطين قاسٍ، وحشي، لا يرحم أحدًا أو شيئًا، وهو أفظع عدوّ عرفه البشر
ما مدى رعب إطلاق مثل هذه الوحوش المتوحشة الشرسة، الأقوى بكثير من الوحوش العادية، على العالم دفعة واحدة؟
عندما اكتُشفت أول بوابة للشياطين، بدا الأمر كأنه بداية النهاية، ولم تُسجَّل من قبل كارثة بهذا الحجم؛ بل إن التاريخ لم يعرف شيئًا يقترب منها حتى
لحسن الحظ، اكتُشف بعد ذلك بوقت قصير أنّ الشياطين ضعيفة أمام ممارسي الفنون القتالية، ومع هذا الاكتشاف توحَّدت فيالق من مقاتلي الفنون القتالية وجمعوا قواهم بهدف واحد فقط وهو إيقاف الكارثة التي أثبت قدوم الشياطين أنها ستكون
ومع مرور السنوات، قلَّ عدد الشياطين، ورغم أن الأضرار التي خلّفوها كانت باقية، بدأ الناس على الأقل يستعيدون الأمل؛ إذ صار من الممكن هزيمة الشياطين
لكن كانت هناك عقبة صغيرة، وهي أن بوابة الشياطين لم تختفِ قطّ بالكامل
بدأت بوابات أخرى بالظهور الواحدة تلو الأخرى، واكتشف مقاتلو الفنون القتالية في النهاية سمة واضحة تشترك فيها معظم البوابات؛ فهي تبدو وكأنها تُغلق من تلقاء نفسها بعد أن تطلق عددًا معيّنًا من الشياطين
وبناءً على هذا الفهم، أُوكل إلى كثير من السيافين واجب إدارة بوابات الشياطين وحراستها، وهو واجب استمرّ عبر القرون
ومن العشائر التي وقع عليها هذا العبء عشيرة غو، وهي العشيرة التي ستُعرَف لاحقًا بلقب «حُرّاس شانشي»
ومع ذلك كان هناك مشكلة كبرى لا يمكن تجنّبها في إدارة هذه البوابات، وهي أن الشياطين الخارجة منها كانت قاسية ووحشية بقدر ما كانت قويّة
كانت تُدمِّر كل ما حولها، وتلتهم أي كائن حي يقع في محيطها
ولو وُجدت بلدة قريبة، لصعب تخيّل عدد الضحايا الذين سيسقطون بمجرد وصول الشياطين إليها
ومع ذلك، في الأزمنة القريبة صار خطر بوابة الشياطين يُعدّ منخفضًا نسبيًا، إذ جرى توعية الجميع والاستعداد لاحتمال انفتاح بوابة فجأة في أي وقت
ومع هذا
في كل فصل من فصول السنة تظهر بوابة شياطين أكبر حجمًا بكثير من البوابة المعتادة
تطلق هذه البوابة شياطين أضخم وأقوى بكثير من أفراد جنس الشياطين المرعبين الذين تفرزهم البوابات العادية، وبسبب ذلك اكتسبت اسم «البوابة الحقيقية للشياطين»
وعند موقع إحدى تلك البوابات الحقيقية كان يمكن العثور حاليًا على زعيم عشيرة غو
كان قد انتهى أخيرًا من إغلاق البوابة عند غروب الشمس، وعاد الآن إلى الحفلة الصغيرة التي أُعدّت على شرفه
ورغم أنه كان يفضّل أن تُقام كحفلة صغيرة، فإنها في الحقيقة كانت تجمع كل الأقارب من صلة الدم الموجودين في المقاطعة حاليًا، ولذلك بالكاد يمكن وصفها بأنها «حفلة صغيرة»
كان أوّل من كسر الصمت هو غو تشولون نفسه، زعيم العشيرة
قال: «سمعت بشأن الإنجاز»
تفَوَّه بهذه الجملة فجأة من دون أن يوضح إلى من يوجّه كلامه
كان الابن الأكبر لعائلة غو، غو هويبي، يعمل بالفعل في جيش العائلة ويُراكم الإنجازات واحدًا تلو الآخر، بينما كان أصغر الأبناء خارج المقاطعة في ذلك الوقت
وبالتأكيد لم تكن تلك الكلمات موجَّهة إليّ
وهذا لم يترك إلا اسمًا واحدًا ممكنًا
قالت: «نعم، لقد وصلت إلى الرتبة الثالثة بفضل بعض الاستنارة البسيطة»
أجابت غو يون سيو وعلى وجهها ابتسامة، في صورة معاكسة تمامًا للطريقة التي نظرت بها إليّ قبل قليل
قال لها: «أنتِ تتقدمين بسرعة بالنسبة لعمرك، وهذا أمر يسرّني، استمري هكذا»
قالت: «شكرًا لك، يا أبي»
تلاقت عيناي مع عيني غو يون سيو بينما كانت تلتفت
الابتسامة المشرقة التي كانت على وجهها اختفت كأنها لم تكن موجودة أصلًا، وحلّ محلها عبوس واضح
«كأنها تنظر إلى حشرة»
كانت غو يون سيو في الخامسة عشرة من عمرها الآن، والوصول إلى ذلك المستوى في سن صغيرة كهذه أمر مدهش حقًا
وكان ذلك يوضّح حقًا موهبتها وجهدها
أعترف بأن هذا مثير للإعجاب، لكن هذا الجو المزعج لا يفعل سوى أنه يجعل معدتي تؤلمني
«ما زال معي دواء للهضم كنت قد حصلت عليه من قبل، أظن أنني سأضطر لأخذه بعد انتهاء هذا»
الشيء الوحيد المريح هنا هو أنني قادر على الأكل جيدًا مقارنة بحياتي السابقة، حين لم أكن أستطيع تناول الطعام بسبب سوء الأوضاع
مددت يدي وأخذت حبة فطيرة من كمية الطعام الهائلة التي بدأت أشعر بأنها قد تكسر أرجل المائدة التي تحملها في أي لحظة
قال: «يا ابني الثالث»
… وهكذا لم أستطع الأكل، يا للضيق…
قلت: «نعم»
أعدت الفطيرة إلى مكانها
وعلى عكس الطريقة التي أثنى بها على غو يون سيو، اكتفى بالتحديق نحوي
هل كان هذا مجرد صدفة؟
قال: «سمعت أنك خرجت»
قلت: «ماذا؟»
خرجت؟ هل يقصد أنني خرجت قبل عودته؟
حدّق غو تشولون نحوي وكأنه ينتظر مني إجابة، بينما كنت أحاول جاهدًا فهم مقصده من كلماته والعثور على رد مناسب يمكنني قوله
قلت: «نعم، خرجت لفترة قصيرة فقط»
أعطيته إجابة كنت آمل ألا تسبّب أي مشكلة
فالشيء الوحيد الذي قد يسبب مشكلة هو لو أنني صادفت وي سول آه، لكن تلك مسألة تخصني أنا
تمتم: «همم»
هاه؟
لم يقل غو تشولون شيئًا بعد ذلك، وبدا وكأنه يريد قول شيء ما، لكنني لم أواصل الاستفسار
«أتساءل لماذا يتصرف بهذه الطريقة»
لم يكن يومًا من النوع الذي يطيل التفكير هكذا
لم يقل غو تشولون شيئًا حتى النهاية، ولم يمر وقت طويل حتى انتهى ذلك العشاء الكئيب أخيرًا
كنت أحاول الأكل، لكن النظرات المتواصلة من الجميع جعلت شهيتي تختفي تمامًا
وبعد مغادرة غو تشولون بوقت قليل غادرت غو يون سيو هي الأخرى، طبعًا بعد أن حدّقت بي لبعض الوقت هي أيضًا
كنت أفكر في تناول بعض الفطائر المتبقية، لكنني وضعت عيدان الأكل جانبًا وأنا أتنهد، ثم وقفت لأغادر، وهكذا انتهى أول عشاء عائلي أحضره منذ سنوات طويلة
ما زلت أشعر ببعض الألم في معدتي، لذا وضعت دواء الهضم في ماء دافئ وشربته
آمل أن أشعر بتحسن بسيط
أظن أن بإمكاني أن أذهب لأستلقي لبقية هذا اليوم
«أوه… لقد قال لي إن آتي إلى غرفته بعد ذلك»
تذكّرت المهمة التي أوكلها إليّ بالذهاب إلى غرفة غو تشولون، وبدأت أتساءل الآن عن سبب استدعائه لي
ما الذي فعلته بالضبط هذه المرة؟ أظن أنني استُدعيت إلى غرفته مرات كثيرة بسبب ما تسببت فيه من مشكلات لدرجة أنني لم أعد أستطيع تحديد سبب استدعائه لي اليوم
قررت فقط أن أتشجع وأذهب، بما أنني على الأرجح فعلت شيئًا ما أدى إلى هذا
وبينما كنت أنهي استعداداتي ذهنيًا
قال الخادم: «يا سيدي الصغير، ترك لي السيد رسالة لك يقول فيها: “لا تحتاج إلى المجيء إلى غرفتي”»
غادر الخادم فورًا بعد أن أنهى نقل الرسالة
وبقيت وحدي على مائدة العشاء، وعلى وجهي نظرة غبية حائرة وأنا أحدّق في الفطائر
ما الذي يحدث بحقّ؟
في حياتي السابقة كنت أتوق إلى «الحرية»
كنت أريد أن أعيش حياة أتحرك فيها بإرادتي أنا، لا بحركات لا تعني لي شيئًا
ربما اخترت في ذلك الوقت أن أعيش حياة أطول بأن أصبحت شيطانًا بنفسي، لكن لو كنت أعلم أنني سأندم على هذا القرار، لفضّلت أن أنهي حياتي في تلك اللحظة من دون أي تردد
لكن بما أنني لم أفعل، اضطررت إلى عيش حياة لا أستطيع فيها إنهاء نفسي حتى لو رغبت بذلك
كم كان ندمي عظيمًا
وكم من الأشياء تعلّمتها من ذلك
بغباء لم أستطع الاعتراف بقلة موهبتي، وأردت أن أصبح النجم من دون أن أبذل أي جهد
تلك الأيام التي كنت أفرغ فيها كل غضبي على الآخرين بسبب غروري وعجزي
وحين أدركت أخيرًا أن صبّ غضبي على الآخرين لا يُخفي عجزي، كان الأوان قد فات
لهذا السبب، عندما أُعطِيت فرصة ثانية، كنت أعرف ببساطة أن عليّ اغتنامها
كان عليّ أن أعيش حياة مختلفة عن حياتي السابقة
كانت طريقة غبية للغاية للتكفير، لكنها في الوقت نفسه كانت الطريقة الوحيدة التي أعرفها
وبسبب ذلك كان أول ما خطر في بالي بعد التجمع العائلي هو
«هل يمكنني قتل الشيطان السماوي؟»
كان هذا رغبة عبثية لا يمكن وصفها
«كيف أجرؤ حتى على التفكير في شيء كهذا، قتل واحد من أقوى ثلاثة كائنات في العالم؟»
«كيف أستطيع قتل ذلك الوحش الذي أحرق اثنتين من طوائف تحالف الطوائف العشر؟»
على الأرجح ستكون هذه الأسئلة على ألسنة أي شخص يسمع أفكاري
بصراحة تامة، كانت فكرة بلا جدوى
سيُقتَل الشيطان السماوي على يد السيف السماوي، وي سول آه، وستَفنى بعد ذلك كل الشياطين بسرعة
إن كنت صريحًا مع نفسي، فأنا أريد فقط أن أعيش حياة أطول قليلًا
لكن لا مفر من المواجهة بيني وبين الشياطين في المستقبل
ما زلت واحدًا من أبناء عشيرة غو، مهما كنت غبيًا وعاجزًا
هل أستطيع حقًا صدّ الشياطين وحدي بينما حتى العشائر الأربع العظمى عانت في ذلك؟
هل عليّ فقط أن أهرب وأترك كل شيء خلفي؟ ربما عليّ أن أذهب لأختبئ في الجبال حتى لا يتمكنوا من الوصول إلي…
«…ما أحمقني، أفكّر في الهرب حتى بعد أن مُنحت فرصة ثانية»
ارتجفت لمجرّد هذه الفكرة
أردت أن أصفع وجنتيّ لأفيق، لكنني لم أستطع خوفًا من أن أفقد توازني
محوت كل الأفكار المليئة بالخوف من رأسي
لم يمضِ وقت طويل منذ أن قررت أن أعيش حياة مختلفة وأفضل، وها أنا أفكّر بالفعل في رمي ذلك القرار جانبًا
عضضت على أسناني وحسمت أمري
لا أعرف كم من الوقت مرّ، لكن المؤكد أن منتصف الليل قد مضى الآن
أخذت نفسًا عميقًا حتى لم أعد أستطيع سحب مزيد من الهواء، ثم أخرجته
وكان في الزفير الذي أطلقته قدر صغير من الطاقة الروحية
«يا لها من كمية مزرية من الطاقة الروحية…»
القدر القليل من الطاقة الروحية في جسدي لا يمكن مقارنته إطلاقًا بما حققته غو يون سيو في هذا العمر الصغير
ثم إنني لم أبذل أي جهد يُذكر مقارنة بها
لم أكن أستطيع فعل الكثير بما أملكه حاليًا من طاقة روحية ضئيلة
«قد تكون قليلة كما توقعت، لكنها على الأقل شيء يمكنني أن أعمل عليه»
لم تكن هناك أشياء كثيرة أستطيع فعلها، لكن هذا لا يعني أنه لا يوجد أي شيء يمكنني القيام به
قدرة استخدام فنون اللهب القتالية تُورَّث لأقارب الدم في عشيرة غو
وهي تشبه استخدام الطاقة الروحية لتشكيل النار، لكن طريقة استعمالها مختلفة
ومع التدريب والممارسة الكافيين تتكوَّن داخل الجسد القدرة على استخدام فنون النار
سنوات طويلة من التدريب أثمرت أول تقنية ناجحة للنار، تمنح صاحبها هيئة تشبه هيئة شخص تحيط به هالة من اللهب
والسبب في أن غو تشولون لُقِّب بـ«المحارب النمر» هو أن وقفته القتالية مع اللهب المتصاعد من جسده كانت تجعله يبدو كنمر شرس، إلى جانب الطريقة التي كان يعاقب بها الأشرار بقوته
ومثل والدها تمامًا، لُقِّبَت غو يون سيو في المستقبل بـ«السيف الملتهب» لأن الطاقة الروحية حول سيفها كانت تشبه سيفًا من لهب
وأنا أيضًا كان لدي بالتأكيد قدر بسيط من طاقة النار الروحية في داخلي
كان عليّ أن أصل إلى الرتبة الرابعة لأتمكن من استخدام فنون النار، وإلى الرتبة السابعة لأتمكن من إغراق جسدي بالكامل في اللهب
أما الآن فأنا في الرتبة الأولى فقط
ولا أساوي شيئًا أمام والدي الذي وصل إلى الرتبة السابعة، فضلًا عن غو يون سيو
والسبب في أنني أتدرب الآن، رغم أن الأمر يبدو بلا فائدة في منتصف الليل، هو أنني ما زلت صغيرًا في السن
عليّ أن أستعجل للوصول إلى الرتبة الثانية قبل أن يفوت الأوان
ربما تركت كل طمعي في الفنون القتالية في حياتي السابقة، لكنني ما زلت مضطرًا لأن أصبح أقوى لأحمي نفسي
لم أكن أرغب في تذكُّر حياتي السابقة التي عشت فيها كشيطان، لكنني استخدمتها لأقنع نفسي بضرورة أن أصبح أقوى
لكن المشكلة الآن كانت
«…قد أتعرّض لأذى خطير إذا واصلت على هذا النحو»
استجمعت كل ما في جسدي من طاقة روحية ضئيلة، ووجّهتها كلها إلى موضع واحد
لم يكن ذلك سهلًا، فلم يكن يحتاج إلى تركيز شديد فحسب، بل إن استخدام هذه الكمية الصغيرة من الطاقة الروحية في هذا كان مهمة صعبة جدًا
بعد مدة قصيرة غمرت العرق جسدي
كان من المدهش أن أحقق حتى هذا القدر باستخدام تلك الكمية البائسة من الطاقة الروحية في جسدي، لكن محاولة فعل المزيد بها ستكون بمعنى أنني أضع نفسي في خطر شديد
«…هاه»
أطلقت زفيرًا بعد لحظات
ارتسمت ابتسامة صغيرة على وجهي بعدها، وشعرت ببعض الرضا عمّا أنجزته للتو
شعرت بقليل من الخيبة لأنني لم أستطع فعل المزيد، لكنها كانت بداية
قلت: «لا بأس»
وكان سخونة جسدي تخبرني بأنني أتحسّن
وكان ذلك دليلًا على أنني وصلت للتو إلى الرتبة الثانية في فنون اللهب
وكان الفضل في ذلك يعود إلى قلّة تدريبي التي جعلت الطاقة الروحية منتشرة في جسدي أكثر مما كنت أظن
«مع أنني لست متأكدًا فعلًا من أنه يجدر بي شكر قلّة تدريبي»
ربما مرّت بضع ساعات منذ بدأت تدريبي، لكن وصولي إلى الرتبة الثانية جعلني أشعر بالانتعاش
«الصعود بهذا الشكل قليلًا قليلًا سيفيدني على الأرجح في المستقبل»
لم أستطع غسل جسدي بالكامل، لذا اكتفيت بغسل وجهي وتغيير ثيابي ثم رميت نفسي على سريري
«ليست بداية سيئة» فكّرت في نفسي «فلأواصل بهذا الشكل فقط…»
خطوة بعد أخرى، ولكن من دون بطء شديد
سأصبر وأخترق أي عقبة تقف أمامي
فقط لأنني لا أريد أن أعيش من جديد حياة مروعة مثل حياتي السابقة، فقط لهذا السبب
«فلأحاول ألا أفعل أي شيء يسبب لي مشكلات أكبر في المستقبل، وأكتفي بالحد الأدنى فقط»
فلأعش بهدوء وسلام حتى يتضح كل شيء وينتهي
كانت خطتي في ذلك الوقت أن أعيش بهدوء حتى موت الشيطان السماوي
لكن…
«أ-أهلاً! أ-أنا وي سول آه!»
ما الذي جاء بها إلى هنا فجأة هكذا…؟
هذه مجرد لمحات إضافية مسبقة لما سيُطرَح في اليوم العاشر