“لماذا عليَّ ارتداء هذا؟”
تمتمتُ بتململ وأنا أرى سيليا تحاول أن تجعلني أبدو كطالبٍ مؤدّب.
قالت بنبرةٍ هادئة تحمل شيئًا من الحزم:
“سترْتديه، علينا الذهاب لمقابلة الزعماء… وبعدها سنمرّ على أكاديمية لوكس.”
تجمّدتُ في مكاني، أحدّق بها بعدم تصديق.
الزعماء؟ ثم الأكاديمية؟
“لماذا علينا الذهاب إليهم؟! ثم الأكاديمية… أنتِ تعلمين أنني لم أقرّر بعد إن كنت أريد دخولها أم لا! هذا كثير… لن أذهب إلى أيّ مكان!”
قلتُ بانفعال وأنا أحاول نزع ربطة العنق التي بدأت تخنقني.
لكنها اقتربت بخطواتٍ هادئة، وقالت بابتسامةٍ لطيفة تخفي وراءها الجدّية:
“عزيزي، سنُلقي نظرة على الأكاديمية فقط، ولن تدخلها ما لم ترغب بذلك. أمّا الزعماء… فهم من طلبوا لقاءك.”
تنفستُ ببطء، محاولًا تهدئة نفسي، ثم قلتُ بامتعاضٍ ممزوجٍ بالاستسلام:
“حسنًا… لنُلْقِ نظرة ونعود، لا أكثر.”
ابتسمت سيليا ابتسامةً رقيقة، مطمئنة نوعًا ما.
“سأنتظرك عند البوابة، بني.”
قالت ذلك وهي تمسك بخدي بلطف، ثم استدارت وغادرت الغرفة.
ما إن اختفت حتى أطلقتُ تنهيدةً طويلة، واستدرتُ لأتأمل انعكاسي في المرآة.
بدأتُ أعتاد على هذا الوجه… تقريبًا.
“بطل وسيم… ستقع في حبه كل فتيات لعبة أراكون… كم هذا جميل… بل مقرف حد التقيؤ!”
تمتمتُ ساخرًا من نفسي، بابتسامةٍ خفيفةٍ تخفّي وراءها مرارةً لم تزل.
“لماذا عليَّ أن أكون هو؟”
تمتمتُ بألمٍ وضيق.
“أكرهه… أكره ذلك اليوم الذي رأيت فيه هذه اللعبة… أكره كل ما حدث لي… وما زال يحدث.”
رفعتُ بصري نحو تلك العيون القرمزية المنعكسة في الزجاج، وأردفتُ في نفسي:
“عيونه ساحرة حقًا… لكن هذا لن يغيّر حقيقة أنني أكرهه.”
استدرتُ ببطء وغادرت الغرفة، أغلقت الباب خلفي، ليعمّ السكون المكان، وكأن كل شيء توقّف للحظة، تاركًا أثرًا من الوحدة والمرارة.
سرتُ في الممرات الطويلة لقصر آل أستورايت، وكانت أشعة الشمس تتسلّل من النوافذ العالية، تلامس الجدران المزخرفة بنورٍ خافت، كأنها تحاول إحياء ما مات في هذا المكان من دفءٍ قديم.
توقّفتُ أمام لوحةٍ كبيرة؛ الأولى لسيليا، ابتسامتها هناك لم تشبه تلك المرهقة التي ترافقها الآن.
وأخرى لرجلٍ ذي شعرٍ أبيض وعيونٍ قرمزيةٍ تومضان بقوة لا تخطئها العين… كان سيريوس… من غيره.
تمتمتُ بصوتٍ خافتٍ مترددٍ بين الغضب والشفقة:
“سيريوس… ماذا تكون؟ لتحمل كل هذا القدر من الأعداء؟ حتى إنهم لم يترددوا في خطف ابنك منذ صغره؟”
قاطع أفكاري صوتٌ مألوف يناديني من نهاية الممر:
“سيدي الشاب، هيا… الآنسة سيليا بانتظارك.”
رفعتُ رأسي ببطء، كان أندرو واقفًا هناك، ملامحه المتوترة تخفي خلفها ما لا يُقال، وعيناه تتجنبان النظر نحوي.
تبادلنا الصمت لوهلة، ذلك الصمت الذي يسبق عادةً شيئًا ثقيلًا.
ثم تابعتُ السير نحوه بخطواتٍ هادئة، وضعتُ يدي في جيبي وأطلقت تنهيدةً طويلة، همست بعدها بصوتٍ خافت وكأنني أحدث نفسي:
“هذا اليوم… لن يمر على خير أبدًا.”
خرجنا معًا متجهين نحو الباب الأمامي للقصر.
كان الهواء عليلًا يلامس وجهي بخفة، يحمل معه رائحة الأزهار التي تملأ الحديقة الواسعة أمامنا.
أشعة الشمس كانت تتسلّل من بين أغصان الأشجار، تنعكس على أرضية الرخام البيضاء، تمنح المشهد دفئًا غريبًا، دفئًا لم أشعر به منذ زمن.
صوت خطواتنا كان يتردد بهدوء، لا شيء سوى خفق أجنحة الطيور وصوت النسيم الذي يمرّ بين أوراق الورد.
توقّفت عند عتبة القصر للحظة، أغمضت عينيّ قليلًا، ثم تمتمتُ في داخلي:
“كم تغيّر هذا المكان… أم أنني أنا من بدأ يراه بشكلٍ مختلف بعد كل شيء؟”
بالتأكيد… بعد أراكس، سيكون شعورًا رائعًا أن ترى كل هذا الصفاء…
فكّرتُ بذلك وأنا أسير بخطواتٍ هادئة نحو العربة، والشمس تلامس وجهي، والنسيم يحرك أطراف معطفي بخفة.
نظرتُ إلى السماء الصافية التي بدت وكأنها تنكر وجود أيّ عاصفةٍ مرّت من قبل، ثم إلى سيليا التي كانت تجلس داخل العربة بصمتٍ يحمل راحةً خفية بعد قلقٍ طويل.
صعدتُ إلى العربة وجلستُ بجانبها، بصمت ثقيل..
“كايل، هل أنت بخير؟ تبدو شاحبًا بعض الشيء… هل ما زال هناك شيء يؤلمك؟”
سألت فجأة. نظرت إليها وأجبت بعدم مبالاة:
“أنا بخير… أنا بخير، أمي.”
قلت ذلك وأنا أنظر من خلال النافذة إلى المدينة، التي بدت غريبة عليّ بعض الشئ.
“متى سنصل إلى الزعماء؟”
“لم يتبقَ شيء، عزيزي… لكن هل أنت متأكد أنّك بخير؟”
‘ها قد عدنا إلى خط البداية… أسئلتها لا تنتهي، وكلها عن صحة ابنها المدلل.’
قلت في نفسي، وأنا أنظر إليها وأجبر نفسي على الابتسام:
“نعم… قلت إنّي بخير.”
أمسكت بيدها وأنا أقول:
“أمي، أقدّر قلقك حقًا، لكن لا داعي… أنا بخير.”
توقفت العربة ببطء، معلنةً وصولنا إلى مقر الزعماء.
ابتعدت العجلات عن الحصى بصوت خافت، وعمّ الصمت لحظة قصيرة.
نظرت إلى سيليا، فقالت بهدوء:
“وصلنا… دعنا ننزل.”
ألقيتُ نظرةً حولي، فكانت البوابة الضخمة أمامنا مزخرفةً برموزٍ ذهبيةٍ تتلألأ تحت أشعة الشمس، محاطةً بجدرانٍ عالية جعلت قلبي يخفق أسرع، وكأن كل خطوةٍ هنا تحمل وزنًا خاصًا بها.
سرتُ بجانب سيليا، وعيناي تتفحّصان المكان.
عند البوابة وقف حراس ضخام الجثة، ملامحهم جامدة كالصخر.
وما إن فتحوا البوابة حتى اتسعت عيناي على اتساعهما، وأنا أشعر بتلك الهالة المنبعثة من الداخل، كأن الهواء نفسه تغير.
تمتمت بصوتٍ خافتٍ متردد:
“هل هذا…؟”
هل هذه… هالة الزعماء؟ إنها قوية جدًا…
فكرت وأنا أقف في مكاني، أشعر بالعرق البارد يتسلّل على جبيني.
قبضتُ يدي بقوة، محاولًا أن أتماسك.
لماذا أنا مرعوب هكذا؟ علي أن أتحرك… من فضلك، قدماي، تحركي.
فكرت بذلك وأنا أصر على أسناني، أحاول دفع جسدي خطوة واحدة إلى الأمام،
لكن شيئًا ما في الهواء كان يثقل أنفاسي، كأن تلك الهالة نفسها تُمسكني من داخلي، تمنعني من التقدم.
قطع شرودي صوت سيليا وهي تضع يدها على كتفي بخفة وتناديني بقلق واضح في نبرتها:
“كايل، هل أنت بخير؟ لماذا وجهك شاحب هكذا؟”
انتفضت قليلًا، كأن لمستها أعادتني إلى الواقع بعد أن غصت عميقًا في ذلك الإحساس الغريب الذي يخنق صدري.
نظرت إليها، وبدت ملامحها أكثر وضوحًا الآن؛ القلق في عينيها لم يكن جديدًا علي، لكن هذه المرة شعرت أنه مختلف،
ابتسمت بخفوت، محاولة يائسة مني لإخفاء ارتباكي، ثم قلت بصوتٍ متعبٍ قليلًا:
“أنا بخير… فقط أشعر بالحر.”
كذبت بسهولةٍ ربما، لكن ما كنت أحتاجه الآن هو أن أُبقي نفسي متماسكًا، لا أن أزيد قلقها.
أبعدت نظري عنها بسرعة، وعدت أحدق في المسافة الممتدة خلف البوابة، حيث الهواء يضطرب بخفة.
شعرتُ بيديها ما زالت على كتفي، ناعمة لكنها ثابتة، وكأنها تحاول أن تنقل إلي بعض الطمأنينة.
تنفست بعمق، ثم همست في داخلي:
الهدوء يا كايل… لا تظهر ضعفك الآن. هؤلاء الزعماء لا يجب أن يروا خوفك.
هززت رأسي بخفة، محاولًا استعادة رباطة جأشي، ثم قلت بصوتٍ أقرب إلى الحزم منه إلى الاطمئنان:
“لنَدخل… لا أريد أن ينتظرونا أكثر.”
خطوت خطوةً بطيئة نحو الداخل، بينما ظلت نظرات سيليا تتابعني بصمتٍ يحمل شيئًا من الحذر.
…
…
…
نظرت حولي عندما وصلنا إلى داخل القاعة؛ كانت واسعةً بشكلٍ مبالغ فيه، تتدلى من سقفها أضواء خافتة تُلقي ظلالًا طويلة على الجدران المنقوشة.
هناك، في الأعلى، جلسوا… الزعماء.
أنظارهم كانت موجهة نحوي، تشبه السيوف في حدتها.
في المقدمة كان دراكنوس المخلد، تحيط به هالة ثقيلة تُصعب حتى عملية التنفس.
شعرتُ بجسدي يثقل، لم أستطع حتى رفع رأسي لمواجهتهم.
“ارفع رأسك، ابن سيريوس.”
كان صوته وحده كافيًا ليرسل قشعريرة حادة أسفل عمودي الفقري.
رفعت رأسي ببطء، والعرق البارد يتصبب من جبيني.
بمجرد أن التقت عيناي بعينيه، شعرت وكأن وزنه كله سقط فوق كتفي.
عيناه الذهبية كانتا تشعان بنور متقد، يحدقان بي كما لو كانتا تفككان وجودي نفسه.
“هممم… تشبه والدك كثيرًا.”
قال دراكنوس بنبرة باردة، دون أن يزيح نظره عني، ثم أكمل:
“كم عمرك يا فتى؟… هل بلغت الثامنة عشرة؟”
أجبته بصوتٍ بالكاد خرج من حنجرتي:
“أ… أجل.”
قطب حاجبيه قليلًا وقال بنبرة ساخرة وهو يميل إلى الأمام:
“هاه؟ ماذا قلت؟ ارفع صوتك، أيها الغر.”
قبضت على قبضتي بقوة، محاولًا كبح ارتجاف يدي.
رمقت سيليا بطرف عيني، كانت جالسة في مقعدها المخصص، بجانبها كل من لورد نيفرونايت و سيرفايت، نظرتها القلقة كانت كأنها تقول لي: تماسك يا كايل.
أخذت نفسًا عميقًا، ثم نظرت مباشرة إلى دراكنوس، هذه المرة دون أن أتهرب.
قلت بصوت ثابت يسمعه الجميع، وإن كان هادئًا:
“أجل، أنا في الثامنة عشرة من عمري… هل هناك ما تود معرفته غير ذلك؟”
وضعت يديّ في جيبيّ بنطالي ووقفت بثقةٍ مصطنعة أنظر إليه بثبات.
أظلمت ملامحه للحظة، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة مبهمة لا تفهم نواياها.
“أوه… إذن ابن ذلك الرجل يملك لسانًا.”
قالها ببطءٍ مقيت، وهو يتكئ على يده اليمنى، وعيناه تعودان لتشع بتلك الهالة المهيبة التي تخترق الصدر قبل أن تبلغ القلب.
كانت نظرته وحدها كفيلة بأن تعيد الهواء إلى صدري ثقيلاً، كأن المكان نفسه ينكمش حولي.
ثم أردف بصوتٍ خالٍ من أي نبرة سخرية هذه المرة، جادًا حد القسوة:
“كيف بقيت على قيد الحياة في أرض الجحيم… لسنةٍ ونصف؟”
ساد صمت ثقيل في القاعة، صمت غريب يشبه الهاوية قبل العاصفة.
حتى أنفاسي شعرت بها تصطدم بالجدران العالية وتعود إلي مثقلة.
كانت كل العيون موجهة نحوي، تنتظر تبريرًا، أو معجزة، أو كذبة مقنعة على الأقل، تبرر كيف ما زلت حيًّا بعد كل ذلك.
نظرت إليه وأنا أقطب حاجبي، أطلقت جزءًا من هالتي، علها تعينني في ما سأقوله.
قلت بثباتٍ مصطنع:
“بما أملكه من قوة.”
تغيرت نظراته للحظة، وكأنه رأى شيئًا يعرفه منذ زمن، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة.
“أوه… تعجبني شجاعتك يا فتى. تقول بقوتك فقط، هاه؟”
مال بجسده إلى الأمام قليلًا، وصوته غلفه الفضول القاتل:
“إذن دعنا نرى هذه القوة.”
بإشارةٍ خفيفة من أصابعه، تقدم فتى من خلفه.
كان ذلك الفتى إيثان أستورايت.
لم يكن ذا شأنٍ كبير في اللعبة التي أعرفها، لذا لم أُعره اهتمامًا من قبل. كل ما أتذكره أنه مستدعي أرواحٍ ماهر.
قطع حبل أفكاري صوت دراكنوس وهو يتابع:
“واجه إيثان في مبارزة. لنر من الأقوى… الابن الذي تربى مترفًا بين جدران العائلة، أم الفتى الذي عاد لتوه ويدعي أنه أحدنا.”
كانت كلماته تنزف سخريةً واستفزازًا.
لو أنني لم أكن أعلم نواياه مسبقًا، لانفجر الموقف إلى ما لا تحمد عقباه.
حككت رأسي بتململ وهمست لنفسي:
“كنت أعلم أن هذا اليوم لن يمر على خير…”
ثم رفعت بصري نحوه وقلت بوضوحٍ حازم:
“حسنًا، أوافق على النزال.”
بمجرد أن نطقت بالكلمات، وقفت سيليا من مقعدها، صوتها يحمل قلق واضح:
“دراكنوس، فكر مرة أخرى! كايل ما زال لم يشف تمامًا منذ…”
قاطعها بحركةٍ من يده، وابتسامةٍ خفيفة كمن يتسلى بما يرى:
“جميل، يا ابن سيريوس… بدأت أحب هذه الثقة.”
لوح للحراس فانحنوا فورًا وغادروا القاعة.
نظرت إلى سيليا وسرت نحوها بخطواتٍ هادئة. وضعت يدي على كتفيها، وألصقت جبيني بجبينها.
“لا تقلقي يا أمي، سأكون بخير… فقط ثقي بي كما فعلتِ حين ذهبت إلى أرض الجحيم.”
ضمتني بقوة إلى صدرها، همست بصوتٍ مرتجف والدموع تتلألأ عند أطراف جفنيها:
“أثق بك، عزيزي… أثق بك وسأفعل ذلك دائمًا.”
تنفست بعمق وقلت في نفسي بسخريةٍ خفيفة:
‘كم أكره هذه العاطفة الغبية من الأمهات… لكن لا بأس.’
…
…
صوت دراكنوس قطع اللحظة، جهوريًّا كعادته:
“اكتملت الحلبة الداخلية… دعونا نرى من هو الأجدر بحمل اسم العائلة.”
وقف من مقعده بخطواتٍ بطيئة لكنها مثقلة بالهيبة، كل حركةٍ منه كانت كأنها تأمر الهواء ذاته بالطاعة.
بدأ يمشي نحو الخارج دون أن يلتفت لأحد، وهالته الكاسحة ما زالت تملأ المكان، تضغط على الصدور وتجعل الأنفاس أثقل.
لم ينبس أحد بكلمة، فالصمت صار قانونًا بحضوره.
حتى حين مر بجانب المقاعد، انحنى الجميع تلقائيًا، دون أمر صريح، فقط رهبة من وجوده.
تبعه إيثان بعد لحظاتٍ قليلة، خطواته هادئة لكن واثقة.
وقبل أن يغادر القاعة، ألقى علي نظرة جانبية نظرة باردة كأنها شتاء ساكن ثم تابع طريقه بصمت كامل خلف دراكنوس.
بقيت واقفًا في مكاني للحظة، أتنفس ببطء وأنا أشعر أن الهواء صار أثقل من ذي قبل.
تلك النظرة وحدها كانت كافية لتقول كل شيء:
هذه ليست مبارزة عادية… إنها إعلان حرب.
شعرت بيد تمسك ذراعي برفق، فالتفت… كانت سيليا.
قالت بصوتٍ هادئ:
“كايل، هيا… دعنا نذهب”
أجبتها دون أن ألتقي عينيها:
“اذهبي قبلي… سأتبعك.”
تأملتني لبرهة، ثم تنهدت قائلة:
“إن لم ترد القتال، أخبرني. سأقنع دراكنوس بنفسـي.”
تصلبت أصابعي على يدها، وكأنني أتشبث بشيء من الأمان وسط كل هذا الضجيج.
تنفست بعمق، وخرجت كلماتي مثقلة بالصدق:
“سيليا… في الواقع، لا أريد أن أصبح اللورد القادم.
أعرف .. ستقولين أنني ابنك، ووريثك، وأنه لا يجوز أن يأخذ مكاني فتى من الفرع، لكن حقًا… لا أريد أن أكون …”
قاطع كلماتي عناقها المفاجئ، ناعمًا لكنه مليء بالقوة، كأنها تحاول أن تزرع الطمأنينة داخلي.
همست قرب أذني بصوتٍ دافئ غمرني:
“لن أقول ذلك، كايل…
لك الحق في أن تختار طريقك.
لن أجبرك على شيء، مهما كان
حتى وإن كان رئاسة العائلة.”
بقيت صامتًا للحظة، أسمع دقات قلبها أكثر من صوتي،
أدركت أن أكثر ما يخيفني لم يكن القتال… بل خذلانها.
ابتعدت عني قليلًا، تمسح دمعة خفيفة علقت بطرف عينها، وقالت بصوت متردد:
“إذن… دعنا نلغي النزال، أليس كذلك؟”
ابتسمت ابتسامة باهتة، أرفع نظري نحو الفراغ أكثر مما أنظر إليها.
“لا، سأخوضه.
لأن هذا ما يريدونه، ولأن بعض الأمور لا تحل بالانسحاب.”
تقدمت نحوي بخطوة، قلقة من ثباتي المصطنع، لكنني سبقتها بالكلام:
“ولا تقلقي، سيليا… أخبرتك هذا كثيرًا وسأخبرك مرة أخرى
…لا داعي للقلق، سأكون بخير.
نظرت إلي طويلًا، وكأنها تحاول تصديق ما أقوله،
ثم هزت رأسها بصمت، وابتعدت بخطوات بطيئة نحو الممر المؤدي للحلبة،
تاركة خلفها شيئًا من الطمأنينة… وكثيرًا من الخوف.
تنفست بعمق، أفلت أنفاسي ببطء كمن يحاول إقناع جسده بأنه ما زال بخير.
فككت رباط العنق قليلًا، كان خانقًا أكثر من اللازم.
جسدي لم يزل في طور الشفاء… كل حركة تذكرني بما خضته هناك، في أرض الجحيم.
“تبا…”
تمتمت وأنا أضغط بيدي على صدري، أستشعر خفقات قلبي التي فقدت انتظامها منذ لحظة دخولي هذا المكان.
رفعت رأسي ونظرت نحو الحلبة التي تتوهج بضوء خافت، كان الجميع ينتظر.
أنفاسهم ثقيلة، أنظارهم متربصة.
اللعنة… لم يكن هناك مهرب بعد الآن.
“حسنًا، إن كان هذا ما يريدونه… سأفعله.”
قلت ذلك بثبات، وأنا أسير نحو الحلبة بخطواتٍ واثقة.
ما إن صعدت إليها حتى لاحظت تغيرًا طفيفًا في ملامح إيثان نظراته الباردة تلاشت لوهلة، وكأن شيئًا ما أربكه.
هل… هل لاحظ تغير هالتي؟ ياله من فطين.
رفعت زاوية فمي بابتسامة خفيفة.
الهواء من حولي بدأ يثقل، وكأن طاقتي أخيرًا بدأت تتفاعل مع المكان.
تلك الطاقة التي حاولت كبحها منذ دكولي هنا… الآن، لم أعد أراها شيئًا يجب إخفاؤه.
فجأة، ظهر شيء بجانب إيثان…
مهلًا أهو يبدأ بإظهار الروح المستدعاة؟
راقبت المشهد بترقب، شعاع ذهبي بدأ يلتف حوله كضبابٍ اثيري، ثم تجسد بجانبه كيان نصف شفاف يحمل ملامح الوحوش القديمة.
‘كما توقعت… إنه يستدعي أحد الأرواح.
حتى في اللعبة، كان يمتلك هذه القدرة، لكن… لِمَ لم يكن ذا أهمية تذكر؟
ببساطة، قوته محدودة جدًا… الروح لا تدوم أكثر من خمس دقائق قبل أن تتلاشى.’
“هَلُمَّ إليَّ، يا ابن سيريوس!”
صوته دوى في القاعة، عميقًا ومشحونًا بطاقة غريبة، بينما انبعث من عينيه بريق ذهبي حاد.
الروح التي بجانبه كانت تزمجر بخفوت، عضلاتها المظللة تتوتر استعدادًا للانقضاض عند أول إشارةٍ من مستدعيها.
ابتسمت بخفة، أتنفس بعمق لأكبح اندفاع طاقتي، ثم تمتمت بثقة:
“كما تشاء، يا هذا…”
تحركت، لا وعي يقودني سوى الغريزة.
الهالة اشتعلت من حولي، والهواء انضغط حتى صار أثقل.
خطوتي الأخيرة دوت في القاعة، معلنة البداية النزال…