لم يكن أمام سَنّي خيارٌ سوى اللجوء إلى آخرِ رهانٍ يائس.
لم يكن يملك أدنى فرصة أمام خصمه في مواجهةٍ مباشرة، على الأقل من دون أفضليةٍ حقيقية. كان من المفترض أن يكون سمّ بلودبين ورقته المخفية، لكنه اتضح شبه عديم الفائدة. وحتى القدرة على الرؤية في الظلام لم تُسعِده كثيرًا؛ إذ إن «البطل» كان قادرًا، بطريقةٍ ما، على استشعار ما حولهما حتى من دون أي ضوء.
سواءٌ اعتمد على حاسّة السمع أو قدرةٍ سحرية ما، لم يكن سَنّي يعرف — وليس أن ذلك أحدث فرقًا الآن بعدما غادرا الكهف ووقفا تحت ضوء القمر.
لم يبقَ له الآن سوى أفضليةٍ واحدة: حقيقة أن الطاغية أعمى… وأن «البطل» لا يعلم. أمّا استغلال تلك الحقيقة، فكان أيسر قولاً من فعل.
لكن ما الذي كان يمكنه فعله غير ذلك؟
لهذا حاول أن يلتزم الصمت قدر استطاعته وهزّ الجرس الفضي. إن لم يكن الوصف كاذبًا، فإن رنينه يُسمَع على أميال. لا بد أن الطاغية سيسمعه هو الآخر.
كل ما على سَنّي فعله الآن هو أن يبقى صامتًا، ويكسب الوقت، ويُعلِّق آماله على قدوم الوحش. وبينما يفعل ذلك، كان ذهول «البطل» يتحوّل ببطءٍ إلى غضب.
«تكلّم حالًا وإلا ندمت.»
كان صوته يحمل تهديدًا صريحًا، لكن العبدَ الشاب لم يُجِب. كلّ ما فعله أنه ارتجف من البرد وحاول ألا يتأوه رغم الألم النابض في صدره.
«لماذا لا تجيب؟»
لكن سَنّي لم يجرؤ على الكلام. حبس أنفاسه، وهو يراقب في رعبٍ الهيئةَ العملاقة المألوفة تظهر خلف «البطل». كانت رئتاه تشتعلان، وقلبه يخفق بجنون. كان يخفق بقوةٍ لدرجة أن سَنّي خشي فعلًا أن يسمعه الطاغية الأعمى.
لكن، بالطبع، لم يكن شيءٌ من ذلك أعلى من صوت «البطل» الذي واصل الكلام، محوِّلًا نفسه إلى مصدر الضوضاء الوحيد على هذا الجبل.
وفي اللحظة الأخيرة، ومضةُ فهمٍ خافتة لمعت في عيني الجندي الشاب. بدأ يستدير، وسيفه يرتفع بسرعة البرق.
لكن الأوان كان قد فات.
خرجت من الظلام يدٌ هائلة وأمسكت به في قبضةٍ من حديد. خدشت المخالبُ العظميةُ الدرعَ، ومزّقتْه تمزيقًا. جرّ ملكُ الجبل «البطلَ» إلى الخلف، غير آبهٍ كثيرًا بالسيف المغروس في رسغه. كان اللعاب اللزج يتدلّى من فمه المفتوح.
متجمّدًا من الخوف، أدار سَنّي ظهره لهما، واتخذ بضع خطواتٍ بطيئة على المسار الحجري القديم. ثم انطلق يعدو بأسرع ما يستطيع.
خلفه، مزّقت صرخةٌ يائسة سكونَ الليل. ثم أعقبها زئيرٌ جائع. بدا أن «البطل» لا ينوي الرحيل من دون قتال، رغم أن مصيره قد حُسم سلفًا.
لكن سَنّي لم يكترث. كان يواصل الهرب، صاعدًا أعلى فأعلى.
«آسف يا بطل»، فكّر. «قلتُ إنني سأراقب موتك… لكنك تعرف، أنا كذّاب. فاذهب لتموت وحدك…»
—
جبلٌ مظلم وحيد وقف شامخًا في وجه الرياح العاصفة.
مُسَنَّنًا ومتعاليًا، طغى على القمم الأخرى في سلسلة الجبال، شاقًّا سماء الليل بحافّاته الحادّة. غمرت منحدراته أشعةُ قمرٍ متألّق بضوءٍ شبحيّ.
تحت ذلك الضوء، بلغ شابٌ نحيل البشرةِ والشَّعرِ الأسود قمةَ الجبل. غير أن مظهره لم ينسجم مع فخامة المشهد؛ فبجرحِه وترنّحه، بدا بائسًا ضعيفًا.
كان الشاب أشبهَ بجثةٍ تمشي.
ثوبُه الخشن وعباءته ممزّقان ملطّخان بالدم. عيناه الغائرتان معتمتان منزوعتا الحياة. جسده مكدوم، مضروب، مثقّل بالجروح. بقعٌ من الزَّبَدِ الدمويِّ تلطّف شفتيه.
كان منحنياً، يعانق الجانب الأيسر من صدره. كلُّ خطوةٍ يتقدّم بها تُنتِج أنينًا، وزفيرًا متقطّعًا يفرّ بصعوبةٍ من بين أسنانه المشدودة.
كان سَنّي يتألّم في كل جزءٍ من جسده. لكن البرد كان الأشدّ.
بردًا… بردًا لا يُحتمل.
كل ما أراده هو أن يستلقي في الثلج ويغفو.
لكن بدلًا من ذلك، واصل السير. لأنه كان يؤمن بأن الكابوس سينتهي حين يبلغ القمة.
خطوة. خطوة. ثم أخرى.
أخيرًا، فعلها.
في أعلى نقطة من الجبل، امتدّت ساحةٌ واسعة من الصخر المستوي مغطّاة بالثلج. وفي مركزها، تحت ضوء القمر، وقف معبدٌ مهيب. كانت أعمدته وجدرانه الهائلة منحوتة من رخامٍ أسود، تُزيِّن إفريزه العريض وواجهته المثلثة نقوشٌ بارزة بديعة. جميلًا مهيبًا، بدا كقصرٍ لساميٍ مظلم.
على الأقل كان كذلك يومًا ما. أما الآن، فقد صار في حكم الخراب: تشقّقات وكسور لوّثت حجارته السوداء، وأجزاءٌ من السقف انهارت، تاركةً للثلج والجليد سبيلًا إلى داخله. بواباته العالية محطّمة، كأن يدَ عملاقٍ هشّمتها.
ومع ذلك، كان سَنّي راضيًا.
قال بصوتٍ مبحوح: «وجدتُك.»
جامعًا ما تبقّى له من قوّة، عرّج العبد الشاب نحو المعبد المهدّم. كانت أفكاره مشوَّشة مضطربة.
«هل ترى هذا، أيها البطل؟» فكّر، ناسيًا لوهلة أن البطل ميتٌ أصلًا. «لقد وصلت. كنتَ أنت قويًّا لا يرحم، وكنتُ أنا ضعيفًا جبانًا. ومع ذلك، أنت الآن جثّة… وأنا ما زلت حيًّا. أليس هذا مضحكًا؟»
تعثّر وأنّ، شاعرًا بحواف أضلاعه المكسورة تغوص أعمق في رئتَيه. كان الدم ينسال من فمه. ميتًا أو لا، فقد أصابه «البطل» إصابةً قاسية بضربةٍ واحدة.
«في الواقع، لا. ما الذي تفهمونه أنتم عن القسوة أصلًا؟ يا لكم من حمقى. في العالم الذي جئتُ منه، أمضى الناس آلاف السنين يحوّلون القسوة إلى فن. وأنا، بوصفى من كان دوماً في الطرف المتلقّي لكل تلك الوحشية… أترى أنني لا أعرف عن الضراوة أكثر مما ستعرفه أنت في حياتك؟»
كان يقترب أكثر فأكثر من المعبد.
«في الحقيقة، لم تكن لديك فرصةٌ من البداية… مهلاً. عمّ كنتُ أفكر؟»
بعد لحظة، كان قد نسي. لم يبقَ إلا الألم، والمعبد الأسود، والرغبة الساحقة في النوم.
«لا تنسَقْ خلفها. هذا مجرّد انخفاض حرارة. إن نمت، ستموت.»
أخيرًا، بلغ سَنّي درجات المعبد الأسود. بدأ يتسلّقها، غير منتبهٍ إلى آلاف العظام المبعثرة حوله. كانت هذه العظام يومًا ما تعود إلى بشرٍ ووحوش على السواء. وقد قتلهم جميعًا الحُرّاس غير المرئيّين الذين لا يزالون يجوبون أطراف المعبد.
بينما كان سَنّي يصعد الدرجات، اقترب منه أحد أولئك الحُرّاس عديمَي الشكل. كان على وشك أن يطفئ شرارة الحياة الضئيلة المتقدة في صدر الدخيل، لكنه توقّف فجأة، إذ استشعر رائحةً واهية مألوفة تنبعث من روحه… رائحة السمو. بحزنٍ ووحدة، مال الحارس جانبًا، وترك سَنّي يمر.
دون أن يدري، اجتاز العبد العتبة ودخل المعبد.
وجد سَنّي نفسه في قاعةٍ عظيمة. شلّالات من ضوء القمر تتساقط عبر الفجوات في السقف المنهار جزئيًّا. أحاطت بتلك الدوائر من النور فضاءاتٌ من الظلال العميقة، لا تجرؤ على لمسها. كان الأرض مغطّاة بالثلج والجليد.
في أقصى القاعة، كان مذبحٌ كبير منحوت من بلوكٍ واحد من الرخام الأسود. كان الشيء الوحيد في المعبد الذي لم يمسّه الثلج. ناسيًا السبب الذي جاء به إلى هنا، اتجه سَنّي نحو المذبح.
كل ما أراده هو النوم.
كان سطح المذبح جافًّا، نظيفًا، وعريضًا بما يكفي ليكون سريرًا. تسلّق سَنّي فوقه واستلقى.
يبدو أنه كان على وشك الموت.
وكان لا بأس بهذا عنده.
حاول سَنّي أن يغمض عينيه، لكن صوتًا مباغتًا انبعث من جهة مدخل المعبد فجعله يلتفت. لم يكن فيه ذرة فضول. ومع ذلك، ما رآه كان كافيًا ليُنزِل القشعريرة في جسده… لو لم يكن شديد البرد، منهكًا لا يبالي.
كان ملكُ الجبل يقف هناك، ينظر إليه بعينَيه الخمس العمياء. ما زال ضخمًا، مرعبًا، مقزّزًا. وما زالت تلك الكتل الدودية تتحرّك بلا توقف تحت جلده. كان يشمّ الهواء، ويتساقط ريقه.
ثم فتح فمه الضخم وتقدّم، متّجهًا نحو المذبح بخطًى بطيئة.
«يا له من قبيح»، فكّر سَنّي، ثم فجأة أمسك صدره، يهتزّ في نوبةٍ من سعالٍ موجع.
تطاير زَبَدٌ دمويٌّ من فمه وسقط على المذبح. لكن الرخام الأسود امتصّه بعد لحظات.
وثانيةً بعد ذلك، عاد سطحه نقيًّا كما كان.
كان الطاغية على وشك أن يبلغ سَنّي. مدّ يدَيه ليمسك به.
«أظن أن هذا هو الختام»، فكّر، مستسلمًا لمصيره.
لكن في اللحظة الأخیرة، فجأةً، دوّى صوت التعويذة في ظلام المعبد:
[لقد قدّمتَ نفسك قربانًا للكيانات السامية.]
[الكيانات السامية ميّتة، ولا يمكنها سماعك.]
[روحُك تحمل سِمة السمو.]
[أنت عبدُ معبد.]
[سامي الظلال يتحرّك في سُباته الأبدي.]
[يرسل بركةً من ما وراء القبر.]
[يا ابنَ الظلال، تَلَقَّ بركتك!]
أمام عيني سَنّي المندهشتين، تحرّكت الظلالُ المتكدّسة في القاعة العظيمة فجأة، كأنها دبّت فيها الحياة. اندفعت أذرعٌ من الظلام، والتفّت حول ذراعَي ملك الجبل وساقَيه. راح الطاغية الجبّار يُجاهد، محاولًا أن يخلّص نفسه.
لكن كيف له أن يقاوم قوّة سامٍ؟
جرّت الظلال ملكَ الجبل إلى الخلف، تشدّه في اتجاهاتٍ مختلفة. فتح الطاغية فمَه، وانطلق منه عواءٌ هادر.
وفي اللحظة التالية، تمزّق جسده، وانشقّ إلى أوصال.
تساقط الدم والأحشاء والأطراف المبتورة على الأرض في سيلٍ قرمزي. هكذا، ببساطة، مات ذلك المخلوق الرهيب.
رمش سَنّي.
مرةً أخرى، وجد نفسه وحيدًا في المعبد المهدّم. كانت القاعة العظيمة تغرق في الظلمة والصمت.
ثم همست التعويذة:
[لقد قتلتَ طاغيةً مستيقظًا، ملك الجبل.]
[استيقظ، يا سانليس! لقد انتهى كابوسك.]
[استعدّ للتقييم…]