ما الذي يحدث بحق؟
كان ظهره مكشوفا، لكن ذلك صار أقل مشاكله الآن، فالصوت المفاجئ والموقف غير المتوقع هما ما أربكاه
«لماذا…»
كيف انتهى الأمر بوالدته، لا، بمعلّمته هنا؟
لم يكن بحاجة إلى رؤية وجهها، فمجرد سماع صوتها كان كافيا للتأكد
على الفور، اشتدت حواسه وتوتر جسده من تلقاء نفسه
ماذا يفعل؟
«لماذا»
لماذا كانت هنا، من بين كل الأماكن؟
«في مسكن الزعيم الأسود»
كان هذا مسكن الزعيم الأسود، الذي أفسده وحوله إلى شيطان
لم يستطع إخفاء دهشته من ظهور معلّمته في مكان كهذا
ما حاله الآن؟
«ماذا تقصد بأنه في حالة فوضى»
كان قد ارتدى ملابس سوداء ليقلد شيطانا سماويا، وغيّر بنية جسده
«أنت؟ هل تسمعني؟»
«……»
صوتها جعله يبتلع ريقه بصعوبة
«هممم»
صوتها المنخفض جعله يدرك غريزيا أن البقاء صامتا ليس خيارا
«…لماذا لا ترد؟»
قبل أن تقول المزيد، أدار جسده
«…من أنت؟»
«يا للعجب»
كان رد فعلها مزيجا من الدهشة عندما استدار ليواجهها
اتسعت عيناها، واستطاع التأكد أنها معلّمته كما كان يظن
«يا للسوء»
مع أنها كانت تضع غطاء الوجه كما في المرة الماضية، لم يكن يمكنه ألا يتعرف عليها
تحت مظهر الهدوء، كان يعبث بالقناع الذي يمسكه بيديه
معلّمته، وهي تراقبه عن قرب، أمالت رأسها قليلا
هل لاحظت الغرابة؟ وفي اللحظة التي بدأ فيها توتره يرتفع
«هل تنوي الدخول؟»
«……»
أشارت بيدها إلى الباب
نظر إليه لحظة، ثم تكلم أخيرا
«…كنت أنوي ذلك»
«أوه، في هذه الحالة، هل يمكنك أن تدعني أدخل أولا؟ كما قلت قبل قليل، لدي أمر عاجل جدا»
ابتسمت ابتسامة لطيفة وهي تطلب ذلك، مما جعله يعبس قليلا
ابتسامتها الهادئة أعادت إليه الماضي، فشد فمه غريزيا
ومع ذلك
«قد يكون ذلك صعبا»
رغم كل شيء، كان لا بد أن يتكلم، وإذا لم يستطع التحكم في تعابيره، فسيحافظ على وجه جامد، وهذا سلوك اكتسبه من تجارب سابقة
اشتد وجهه وهو ينظر إلى معلّمته، وكان تعبيرها أمام رفضه غريبا جدا بالنسبة له
ما ذلك التعبير؟ هل هو انزعاج بسبب رفضه؟ أم أنها شعرت بشيء؟
مرت في ذهنه أفكار كثيرة
«أم»
تكلمت مرة أخرى
«هل التقينا في مكان ما من قبل؟»
«……»
ذلك السؤال كاد يجعله يقطب وجهه
هل لم تتعرف عليه؟ مع أنه استخدم تقنية تنكر وغيّر وجهه، ومع ذلك لم تتعرف عليه…
«هل يمكن حتى لمعلّمة أن تكون غير منتبهة إلى هذا الحد؟»
هل كانت تتظاهر بأنها لا تعرفه رغم أنها تعرفه؟ فكر في هذا الاحتمال
«لكن من يدري؟»
من طريقتها، لم يكن يبدو الأمر كذلك
لم يكن متأكدا تماما، لكن هذا هو الإحساس الذي وصله
«لا أعتقد ذلك، هذه أول مرة أراك فيها»
«همم… أهذا صحيح؟»
أمالت رأسها مرة أخرى، ثم مدت يدها نحوه ببطء
ومع امتداد يدها، تردد، هل يدفعها بعيدا؟ كانت بطيئة بما يكفي ليفعل ذلك، لكنه بقي ساكنا في الوقت الحالي
أراد أن يفهم نيتها
مدت يدها ثم أوقفتها قرب خده
ما هذا؟ هل كانت تنوي لمسه؟ وبينما ثبت نظره على يدها وهو يتساءل عما تريد فعله
«أوه، أعتذر، حدث ذلك تلقائيا»
«……»
صار وجهها محرجا قليلا وهي تسحب يدها
«غريب، أشعر أنني رأيتك في مكان ما»
«…إذا لم يكن لديك أمر آخر، هل يمكنني أن أدخل أولا؟»
«آه»
تماما عندما أومأت
«لكن تعرف»
قبل أن يشعر بالارتياح، أمسكت بذراعه من جديد
«هل تعمل هنا بأي فرصة؟»
السؤال جعله يتوقف
هل كانت تسأله إن كان يعمل هنا؟
بعد تفكير قصير، أجاب، لم يكن هناك مجال للتأخر في الرد
«لا، أنا لا أعمل هنا»
«هم، فهمت، إذن أنت ضيف؟»
«شيء من هذا القبيل»
ومع إيماءة رضا من معلّمته، تساءل داخله هل أشبع فضولها، ربما نجحت الحيلة؟
«لكن لماذا لا تجدني مريبا؟»
سؤالها الحاد أفزعه
«…!»
كاد نفسه يضطرب
مع أن صوتها بقي لطيفا، بدا أن الهواء حولهما تغير قليلا
حتى وقت قريب، لم يكن ليشعر بذلك
ربما لم يظهر هذا نهارا، ولم يظهر إلا الآن تحت ستار الليل
حواسه المعززة دخلت فجأة حالة تأهب قصوى
تحذره، أي خطوة خاطئة هنا قد تقود إلى عواقب خطيرة
ابق متيقظا
كن حذرا، هكذا كانت غرائزه تحذره بجنون
ومع اندفاع الأدرينالين في جسده، أخذ عقله يعمل بسرعة ليفحص كل الاحتمالات
«لا بد أن هناك شخصا مهما هنا، ومع ذلك لم تُبد أي رد فعل عندما اقتربت؟»
لماذا لم يسأل عن هويتها عندما قالت إنها ستدخل؟
تسرب عرق بارد على ظهره
إذا قال شيئا خاطئا هنا، فقد ينتهي الأمر بكارثة
لذلك، وبعد تفكير قصير، صاغ كلماته التالية بحذر
«أنا مجرد ضيف، وعندما رأيت شخصا يتجول بهدوء كبير، حكمت أنك ضيفة أيضا، هل كنت مخطئا؟»
«هممم»
تفسيره جعل عينيها تضيقان قليلا
لقد صنع قصة سريعة على عجل بكل ما لديه، فهل ستنجح؟ وماذا لو لم تنجح؟
هل يجب أن يقاتل؟
«…مع أمي؟»
حتى لو كانت لا تتذكر وأصبحت خطرا
هل سيضطر حقا إلى قتال أمه بنفسه؟
لا الفوز ولا الخسارة كانا يعنيان له شيئا
رفض قوي تصاعد من أعماقه
ومع ذلك
شد قبضته ببطء داخل يديه المضمومتين بعيدا عن الأنظار
إذا كان لا بد من ذلك، فلا يمكنه التراجع، وحتى لو بدا النصر مستحيلا، فالموت بلا مقاومة ليس خيارا
ومع هذه الفكرة، بدأ يركز الطاقة نحو قلبه
«حسنا إذن»
ومع تلك الكلمات، استدارت على عقبيها، وتحركت بسلاسة، كنسمة لطيفة تناسب تماما كلمة رشيقة
«الأمر عاجل بالنسبة لي أيضا، لكن بما أنه عاجل بالنسبة لك كذلك، فسأدعك تسبقني، ثم إنني متأخرة بالفعل»
«……»
ابتعدت بخطوات صغيرة وخفيفة، وكأنها تجسد الرشاقة نفسها
«اعتن بنفسك، مهما تكن… آه»
توقفت ونظرت إليه من جديد
«إذا استطعت، هل يمكنك إيصال رسالة؟»
كان وجهها يزهر بابتسامة رقيقة كزهرة جميلة، تذكره بالأم التي يتذكرها
«عندما يطلع البدر القادم، أخبرهم أن يصعدوا التل»
ظل واقفا هناك وقتا طويلا بعد رحيلها، وقلبه ما زال يخفق بلا توقف، والعرق يتصبب من جبينه
«هووو…»
أخرج النفس الذي كان يحبسه، وكانت زفرة معقودة ومحبوسة داخل صدره
حتى بعد الزفير، ظل التوتر يمسك به بقوة من دون أن يرخيه، فمرر يده على صدره غير مصدق
«ما كان ذلك؟»
ما الذي كان ذلك بالضبط؟
مع أنه لم يلتقط شيئا محددا، غمرته على نحو متناقض كمية هائلة من المعلومات
حواسه التي كانت حادة جدا من قبل خمدت بسبب صدمة حضور معلّمته الهائل والمهيب
هل هذا أيضا بسبب ازدياد قدراته بعد أن أصبح فردا من قبيلة القمر؟
الأشياء غير المرئية أصبحت مرئية
مع أنه لم يستشعر منها شيئا يهدد بشكل مباشر، كان هناك شيء هائل ومقيد، يحيط بها كأنه هالة خافتة
«شيء هائل مقيد»
كان خافتا، شبه شفاف
الهالة الخفية لكنها القوية التي كانت تخرج من حضورها كانت مزعجة وساحقة في الوقت نفسه
كيف يمكن لشيء غامض إلى هذا الحد أن يبدو هائلا إلى هذه الدرجة؟
كان ذلك فوق الفهم
«هذا… ليس مجرد قوة»
لم يكن مجرد مقياس للقوة
هذا كان…
«علو»
ليست قوية فقط، بل في منزلة أعلى
حضور طاغ جدا إلى درجة يصعب معها حتى رفع الرأس لمواجهته
وكان عليه أن يعترف بذلك في معلّمته
«……»
مسح عرقه البارد، هل رحلت فعلا؟
رغم أنه ظل يظنها كما كانت، فإن رؤيتها بهذا الشكل جعلته يشك هل هي فعلا أمه
«هوف…»
أطلق زفيرا عميقا مرة أخرى، ثم مد يده إلى مقبض الباب
تردد، لا يدري هل يدخل أم يبتعد
صرير!
في النهاية، اختار الدخول
انفتح الباب، ودخل إلى الداخل
فورا، التفت حضور في الداخل إليه، واتسعت عيناه وتوتر جسده
«أنت…»
نظر إليه الزعيم الأسود بحذر، وكان قد أعاد قناعه إلى وجهه
وبينما يراقب بنية الزعيم، تأكد
«الطاقة الشيطانية موجودة»
الطاقة الشيطانية التي زرعها فيه ما زالت كما هي
وبعد أن تأكد من ذلك، خاطب الزعيم الأسود
«كيف حالك؟»
«……»
«من شكلك، لست بخير»
كان هذا أول لقاء وجها لوجه منذ أن أفسد الزعيم الأسود وحوله إلى شيطان
كان وجهه مليئا بالحذر والعداء
التعبير على وجهه أعطاه كل المعلومات التي يحتاجها
«كما توقعت، يبدو أن الإفساد الكامل مستحيل»
مع أنه ضخ في الزعيم طاقة شيطانية ليحوله، بدا أن جعله مطيعا بالكامل أمر غير ممكن
هل هذه سمة من سمات قبيلة القمر؟ لم يكن يعرف على وجه اليقين
ومع أن هذا أمر يحتاج إلى التفكير، وضعه جانبا مؤقتا وقال له
«يبدو أنك تلقيت زائرا آخر غيري؟»
كان يقصد المعلّمة التي قابلها قبل قليل
«ماذا…؟»
«عندما يطلع البدر القادم، اصعد التل، هذه هي الرسالة التي أرادت إيصالها»
ذكر كلمات المعلّمة ليراقب رد فعله
بدت كأنها كلمة سر، لذلك توقع نوعا من التفاعل
«ماذا يعني هذا…؟ البدر، التل… ما هذان؟»
«هم؟»
كان رد فعل الزعيم الأسود غير متوقع
تساءل هل يتظاهر بالجهل
ضغط على قلبه وسأله مرة أخرى
«أجبني بشكل صحيح»
ووونغ!!
«أوغ…»
عندما تنشطت الطاقة الشيطانية، تكلم الزعيم الأسود مرة أخرى وهو يئن من الألم
«أنا حقا… لا أعرف ماذا يعني ذلك…»
«ماذا؟»
كان الجواب هو نفسه مرة أخرى، وعندما سمعه اتسعت عيناه
لا يعرف؟ إذن ما فائدة تمرير رسالة كهذه…
«هاه؟»
توقف عن التفكير وأدار رأسه بسرعة
اتجه ذهنه إلى الجهة التي اختفت فيها المعلّمة
بدأت فكرة باردة تزحف إلى ذهنه
«…تلك الرسالة»
«عندما يطلع البدر القادم، اصعد التل»
الكلمات التي طلبت منه إيصالها
«ألم تكن للزعيم الأسود…؟»
«…هل كانت لي أنا؟»
هل أدركت بطريقة ما أنه ليس مجرد ضيف؟
«هل قالت تلك الكلمات وهي تقصدني أنا؟»
سرت قشعريرة باردة في ذهنه
وأدار عنقه الذي أصدر طقطقة خفيفة نحو الزعيم الأسود، ثم نظر من خلال نافذة الغرفة متجاوزا إياه
وهناك، كان قمران معلقين في السماء
أحدهما كان قد أوشك أن يصير هلالا بالفعل
أما الآخر فسيصبح بدرا قريبا