الكلمات التي لم أستطع كبتها ملأت المكان
تردد صوتي في الأرجاء التي سكتت فجأة
لم يكن مرتفعا كثيرا، لكن شدة الصمت جعلته يصل بعيدا
في اللحظة التي خرجت فيها الكلمات من فمي، غطيت فمي بشكل غريزي
آه، تبّا، ارتكبت خطأ
“كان يجب أن أبقي فمي مغلقا”
قلت ذلك من دون تفكير
والآن كل العيون كانت علي، ونظراتهم مليئة بالصدمة وعدم التصديق
كان واضحا جدا أنهم يتساءلون ما الذي فعلته للتو
وبينما أبتلع ريقي بتوتر وأحاول تقدير الموقف
“ماذا قلت الآن؟”
الرجل الذي كان يتحدث مع تشونما حوّل نظره نحوي
عينان زرقاوان وشعر بلون السماء
وعلى رأسه شيء يشبه أذني أرنب
بشرة شاحبة خالية من العيوب، وملامح حادة لافتة
“هل كان كلامك موجها لي؟”
“…”
سألني مع عبوس خفيف
ترددت لحظة ثم فتحت فمي
“آه… لدي عادة التحدث مع نفسي”
“ومن يتحدث مع نفسه لا ينظر إلي مباشرة بهذا الشكل”
“هذا سوء فهم”
“…”
لم يبد مقتنعا
وبصراحة، حتى أنا لن أصدق ذلك
تبّا
“هذا الفم اللعين”
كعادته، فمي ورطني
وفعلها مجددا اليوم
“همف”
حدق بي الرجل بصمت
ومع سلوكه المتعجرف، كان وجهه يفيض بإحساس فطري بالتفوق
بعد أن راقبني لحظة، عاد بنظره إلى تشونما
نظرته التي مرت علي للحظة لم تحمل أي اهتمام
من البداية كان تركيزه كله على تشونما
“أنت، ما اسمك؟”
وجّه سؤاله إليها مرة أخرى
أمالت تشونما رأسها قليلا عند السؤال
ثم أشارت إلى نفسها بإصبعها وقالت
“أنا؟”
“…ماذا؟”
“أمم…”
ردها العفوي أثار همهمة بين الحضور
وفي الوقت نفسه، تجعدت جبهة الرجل الناعمة
“أسلوبك قصير”
“وأنت أيضا”
“هاه”
عند ردها، أطلق الرجل ضحكة جافة وكأنه غير مصدق
“هل لا تعرفين من أنا؟ هذا غير ممكن”
“من أنت؟”
“…ماذا؟”
عندما سألته من يكون، ازداد التواء وجهه
“لا بد أنك من الخارج”
عند كلماته، التفتت تشونما إليّ، وتعابيرها تسأل بصمت: ماذا يعني هذا؟
لم يكن أمامي خيار سوى التدخل
“نعم، نحن لسنا من ياهول”
حين تقدمت خطوة، عاد نظر الرجل إليّ
“إذن هل يعني هذا أن هذه المرأة تابعة لك؟”
“…ماذا؟”
ما هذا الهراء؟
اتسعت عيناي من الصدمة ثم تماسكت بسرعة
“لا، ليس هذا ما…”
“بكم؟”
“…ماذا؟”
للحظة، عجزت عن الكلام
ما الذي قاله هذا الأحمق الآن؟
“سألتك: كم تريد حتى تسلمني إياها؟”
تحدث وكأن الأمر طبيعي تماما، وهو ينظر في عيني مباشرة
“كم ثمنها؟”
“…”
ماذا أفعل مع هذا؟
هذا الرجل أجنّ مما توقعت
“هل فقد عقله؟”
شراء تشونما بالمال؟
لماذا؟
كان منشغلا بنفسه، ثم توقف فجأة ليقول هذا الهراء
هل يعرف أصلا ما الذي يحاول شراءه؟
“…أعني، هي جميلة”
طبعا، فهي تبدو تماما مثل وي سول آه، لذلك هذا طبيعي، لكن
“لحظة”
عقدت حاجبي عندما خطرت لي فكرة
كيف عرف أساسا أنها جميلة؟
“معظم الناس لا يستطيعون رؤية وجه تشونما كاملا”
غو هيبي لم تستطع، ولا غيرها أيضا
لم يدركوا أنها تشبه وي سول آه
ومع ذلك، هذا الأحمق يصفها بالجميلة ويتعلق بها
“هل يعني هذا أنه يراها بالكامل؟”
كيف؟
آه، ربما
“هل لأن هذا عالم مختلف؟”
بما أننا لم نعد في تشونغيوان، ربما طريقة الإدراك هنا مختلفة
“وإذا لم يكن هذا السبب”
التفت إلى تشونما، وتحديدا إلى أذنيها
“هل السبب هما؟”
هل لأن التعويذة التي وضعتها على نفسها غيّرت حضورها؟
هل هذا ما سبب كل هذه الفوضى؟
تبّا
مع وخزة قلق في صدري، ابتلعت ريقي وقلت له
“…هي ليست تابعة لي، وليست بيننا هذه العلاقة…”
“إذن هذا يجعل الأمر أسهل، تنحَّ جانبا”
“…”
هذا الوغد
شعرت بعروق جبيني تكاد تنفجر
ورددت كلمة الصبر في رأسي مرارا
في تلك اللحظة
“أنا تشونغ سون من العشيرة الزرقاء”
قدّم الرجل نفسه إلى تشونما
وعند سماع ذلك، نقر لساني في داخلي
“كما توقعت”
كنت أشك، وكنت محقا
إنه نبيل
من طريقة انحناء الجميع فور ظهوره، كان الأمر واضحا
“إذن هو من العشيرة الزرقاء”
من بين كل العشائر، كان لا بد أن تكون هذه
كنت أخطط لزيارتهم لاحقا اليوم على أي حال
وبالنظر إلى تصرفه، فهو ليس الزعيم
على الأرجح مجرد ابن آخر من أبناء العائلة، مثل غوبونغ
“وماذا بعد؟”
أمالت تشونما رأسها مرة أخرى، وكأنها غير معجبة
ضيّق تشونغ سون عينيه
“ما زال أسلوبك قصيرا… لكن لا بأس، يمكنني تجاوز هذا القدر”
وأثناء كلامه، عدّل ثيابه، في حركة تحاول إظهار الرقي
“قلت إنكما من الخارج، لا مشكلة، يمكنني تعليمكما بعد أن أعيدكما، والآن ما اسمك؟”
“…”
لم تجبه تشونما
بل نظرت إليّ مجددا
ما الذي يفترض بي فعله الآن؟
تجاهلت نظرتها، والتفت إلى تشونغ سون وقلت
“دعنا لا نفعل هذا، ليست هي المرأة الوحيدة في العالم”
حاولت أن أبقي نبرتي خفيفة، حتى إنني ابتسمت وأنا أتكلم، لكن
صليل
الرجال حول تشونغ سون سحبوا أسلحتهم ووجهوها نحوي
شعرت ببرودة الفولاذ على عنقي، فمرّت قشعريرة في جسدي
“كيف تجرؤ على الكلام بهذه الوقاحة أمام السيد تشونغ سون؟”
“اركع أمام السيد الشاب”
“آه”
عند سماع ذلك، تنهدت في داخلي
حقا
“هل أكتفي بأن”
اشتد بصري وأنا أنظر إلى تشونغ سون
“أقتله؟”
وعندما عبرت هذه الفكرة ذهني، تسربت موجة خفيفة من الطاقة من جسدي
سسسس
“…ما هذا؟!”
“آخ…!”
الرجال القريبون مني ارتجفوا، وأجسادهم اهتزت حين شعروا بنيتي للقتل
وعندما أدركت ما يحدث، كتمت الطاقة بسرعة
“تبّا”
كدت أفقد السيطرة مجددا
الاختناق من شدة الإحباط جعل ضبط نفسي صعبا
على الأقل تمكنت من حصرها في القريبين فقط
أما تشونغ سون فكان يحدق بي بتعبير غريب
“ماذا تفعلون؟”
“ذلك… قبل قليل…”
“ما الذي كان هذا…؟”
بدا أن الرجال لم يفهموا ما الذي شعروا به للتو
“ما الذي يحدث هنا بحق الجحيم؟”
ألقى تشونغ سون نظرة حوله مع عبوس
وفجأة ثبتت عيناه على شيء ما
على صدري
يبدو أن زهرة البرقوق المطرزة على ردائي الأبيض لفتت انتباهه
“…أنت”
حوّل تشونغ سون نظره من زهرة البرقوق إلى تشونما
وتغير تعبيره، وصارت عيناه ممتلئتين بالضيق
“إذن أنتما من جبل هوا”
تسرب الانزعاج إلى نبرته
ما الذي فعله جبل هوا حتى صار مكروها بهذه الصورة في كل مكان؟
في هذه المرحلة، لم أعد أستطيع منع نفسي من التساؤل
“تسك”
بدا تشونغ سون مستاء جدا، ومع ذلك بقيت عيناه مثبتتين على تشونما
“مخيب للآمال، لكن… هذا القدر يكفي”
وكأنه يقنع نفسه، تقدم فجأة نحو تشونما ومد يده
“لا يهم إن كنت من جبل هوا، ما يهم هو المستقبل، يكفي أن تصبحي معي”
امتدت يده الجشعة نحو معصم تشونما، لكن
إحكام
“…هاه؟”
لم يصل إليها
قبل أن يلمسها، أمسكت معصمه
“أتفهم استعجالك، لكنك تتحرك بسرعة أكبر من اللازم”
“ماذا تفعل…؟”
“لم نتحدث حتى بشكل طبيعي، وأنت تحاول اللمس مباشرة؟ هذا كثير، أليس كذلك؟”
تحدثت بابتسامة، لكن عينيه امتلأتا بالسم
“سألتك: ماذا تظن نفسك تفعل بحق الجحيم؟”
“ماذا أقصد؟ الأمر واضح، أنا أوقفك”
تمادى كثيرا، لذلك أوقفته
وقولي هذا صراحة جعل وجه تشونغ سون يلتوي غضبا
“…هاه”
ضحك، لكنها كانت ضحكة فارغة، وعيناه بلا أي طرافة
يا له من شخص مزعج
“هل لديك أدنى فكرة عن معصم من تلمس الآن؟”
“ليس كثيرا، ولا يهمني، وأيضا”
أخذت نفسا عميقا، وأنا أكبت الطاقة التي كانت على وشك الانفجار ثم قلت
“إذا كنت بهذه الأهمية، فالأفضل أن تكون أكثر حذرا، الناس يراقبونك”
“…”
لو لم يكن أحد يراقب، لأريته ما الذي يحدث فعلا
لكن الآن، كان علي أن أتماسك
“أيها الوضيع القذر”
سخر تشونغ سون، وشعرت بالتوتر في معصمه وهو يحاول تحرير يده
لكن
ضغط
“…؟”
مهما استخدم من قوة، لم يتحرك ذراعه
اتسعت عيناه من الصدمة
“هل تتوقف عن استعراض قوتك؟ هذا محرج”
“أنت…!”
احمر وجهه وهو يدفع بكل ما يملك من قوة
تسك
وأنا أراقبه يتخبط، اخترت اللحظة المناسبة ثم تركت معصمه
تعثر
“…كح!؟”
اختل توازنه وسقط ممددا على الأرض
جسده الطويل النحيل الملقى على التراب كان منظرا بائسا جدا
“يا للعجب…”
أطلقت ضحكة محرجة
“يبدو أنك لا تملك قوة كافية، كان يجب أن أسندك، اعتذاري”
“أنت… أيها الوغد…!!”
نهض تشونغ سون بسرعة إلى قدميه
“كيف تجرؤ على… إهانة نبيل…؟”
“متى فعلت ذلك؟”
“أيها الحقير المقرف… هل تدرك حتى ما الذي فعلته الآن؟”
لم أستطع منع نفسي من الضحك على كلامه
“إذا قلت لا، هل ستتجاوز الأمر؟”
“…صرير أسنان”
طحن أسنانه، واحمر وجهه أكثر وهو يحدق بي
“أيها الأحمق الوقح، هل تعرف من تكون عائلتي؟ يمكننا محوك بكلمة واحدة”
“واو… هذا مخيف جدا”
هل أبدأ بالارتجاف خوفا؟
فكرت في ذلك لحظة، ثم وجدت الفكرة مسلية وقلت بدلا من ذلك
“لكن”
اقتربت منه أكثر قليلا، بالقدر الذي يجعل كلامي لا يصل إلى أي شخص آخر
رأيته ينتفض
“هل تعرف من هي أمي؟”
“…ماذا؟”
“أعني، قد تكون عائلتك مبهرة، لكن…”
ومع ابتسامة ماكرة، تابعت
“هل تعرف من هي أمي؟”
“…وما شأنها؟”
بدا مرتبكا من ذكري المفاجئ لأمي
“حسنا”
ابتسمت بخفة
“لن أخبرك”
“أيها الوغد…!!”
صرير قوي
انفجر تشونغ سون غضبا وانقض نحوي
“أمسكوا به! مزقوه وأطعموه للوحوش…!”
بينما كان يصرخ بالتهديدات ويندفع نحوي، تحركت بشكل غريزي
هاه
ألم أتحمل ما يكفي؟
لو واصلت الكبت أكثر، قد أنفجر من شدة الإحباط
“نعم، لقد ضربت بالفعل واحدا من العشيرة البيضاء”
فما الفرق إن سحقت واحدا من العشيرة الزرقاء الآن؟
طبعا، سيسبب هذا مشاكل
“لكن من يهتم”
لقد كتمت نفسي ثلاث مرات بالفعل
حان وقت الانفجار
ومع هذه الفكرة، قبضت يدي استعدادا للضرب
صفعة مدوية
“…كح!؟”
قبل أن أتحرك، تلقى تشونغ سون صفعة أطاحته عدة أمتار
“…هاه؟”
لكنها لم تكن مني
كانت يد شخص آخر
نظرت متجاوزا تشونغ سون الساقط، ثم التفت إلى الفاعل
كانت تشونما
هي من صفعته
“أنت…؟”
نظرت إليها مصدوما بعدم تصديق
لكن تشونما لم تكن تنظر إلي
تعابيرها كانت كما هي، من دون أي تغير
ومع ذلك، رغم ألفة هذا الوجه، سرت قشعريرة في ظهري
“…تشونما؟”
هذه ليست تشونما التي اعتدت عليها
لا، هذه هي تشونما التي أتذكرها من حياتي الماضية
التي كانت بعيدة المنال في كبريائها، ولا ينافسها أحد في هيبتها
“أنت”
تلك التشونما كانت تقف أمامي الآن، وهالتها واضحة وهي تمشي نحو تشونغ سون
“هل تريد أن تموت؟”