“ما الذي تظنني عليه؟”
عندما سألته عمّا يعتقده بشأن هويتي، تفاعل الزعيم مباشرة
كان جسده لا يزال يرتجف، والأوضح من ذلك أن نظرته إليّ تغيّرت
قبل قليل كانت نظرته تحمل سخرية مبطنة، وكأنه يقلل مني بهدوء
أما الآن فكانت مختلفة تماما
كانت عيناه تحملان الحيرة، ومعها شك عميق وخوفا لا يمكن تحديده
هذا التبدل المفاجئ في سلوكه كان غريبا
“هل كان ما فعلته قبل لحظة صادما إلى هذه الدرجة؟”
إذا أردت تخمين سبب تغيره، فالأرجح أنه ما فعلته قبل قليل
لكنني لم أفهم الأمر تماما
“ما المميز في هذا؟”
في أقصى تقدير، بدا كأنه قوة مشابهة لكلام التنين
بالطبع
“كلام التنين نفسه قوة غير مألوفة”
مجرد نطق كلمات مشبعة بالطاقة لتقييد حركة شخص ما، هذا وحده غريب بما يكفي
لكن رد فعل الزعيم كان مبالغا فيه، وهذا يعني أن هناك سببا أعمق
“ما الأمر؟”
كنت أريد أن أفهم، لكن
“أنت لا تعرف، صحيح؟”
وفي الوقت نفسه، كان عليّ أن أستغل هذه اللحظة
“لن تصل إلى الجواب”
“…ما الذي أنت…”
كان الزعيم مرتبكا، ولم يكن هذا وقتا يمكن إهداره
“هل تتذكر ما قلته لك قبل قليل؟”
دفعت كلماتي واحدة تلو الأخرى، من دون أن أترك له فرصة ليلتقط أنفاسه ذهنيا
“هل تريد أن تبقى مكانك؟ أم تريد أن تصعد أعلى؟”
“…”
لم يجب الزعيم
لكن ذلك لم يكن مهما
كنت أعرف أن أذنيه مفتوحتان تماما
“قلت لك إنني أعرف أشخاصا مثلك جيدا”
عيون ممتلئة بالرغبة
أشخاص لا يكترثون بالوسيلة ولا بالأخلاق ما داموا سيبلغون أهدافهم
حتى لو احتاج الأمر إلى مخالفة نظام العالم السماوي أو كسر معتقداتهم هم أنفسهم، فلن يهتموا
وهذا الزعيم بدا لي واحدا من هذا النوع
وإلا فلن يستقيم الأمر
“لو لم يكن كذلك، لما تركني أقف هنا سليما”
لم تعد هناك حاجة إلى المزيد من القياس والحساب
لو كان يشك فيّ فعلا
لكان قد أبلغ يوسا أو مونغمونغ بي منذ زمن، أو على الأقل لاعتبرني تهديدا وتعامل معي
لكن
“لم يفعل”
لم يفعل أي شيء من ذلك
وهذا يعني
“أنه يضع توقعات عليّ، أو…”
أنه يحدد إن كنت الشخص الذي يمكن أن يساعده على نيل ما يريد
وهذا يعني أن للزعيم رغباته الخاصة
“عرفت ذلك من طريقته في التعامل مع غوبونغ”
ابنه المزعوم كان ممددا على الأرض، وابن آخر هرب
ومع ذلك، الرجل الذي يسمي نفسه أبا لهما لم ينظر إليهما حتى، كان تركيزه كله عليّ
مع أنني حطمت أحد أبنائه للتو، ظل يراقبني وتحدث حتى عن منحي منصب الزعيم القادم
“هل هو مجنون؟”
ظننت فعلا أنه فاقد للعقل
وبما أن هذا عالم آخر، خطرت لي فكرة أنه ربما اختلاف ثقافي
لكن
“كلام فارغ”
من رد فعل غوبونغ وقتها، كان واضحا أن هذا ليس السبب
الحقيقة أن هذا الرجل غريب فحسب
لديه رغبات، ولا يهمه كيف يحققها
ثم دخلت أنا إلى الصورة
وبالنسبة إلى هذا الزعيم، بدا أن لدي شيئا يحتاجه
وفي هذه الحالة
“ماذا لو أريته شيئا أكثر؟”
إذا عرضت عليه شيئا يتجاوز ما كان يتوقعه
كيف سيكون رد فعله؟
كان لدي تصور مبدئي عن الجواب
“أنت تعرف الطريقة بالفعل، أليس كذلك؟”
مع كلماتي الواثقة، انقبض حاجبا الزعيم بقوة
“…ذلك…”
هذه كانت الإجابة الصحيحة
رغم أنني ألقيت العبارة كتخمين، فإن رد فعله أكد الأمر لي
“إلى أي حد تريد أن تصعد؟ أرني طموحك”
“…”
نظرة الزعيم تذبذبت
الحيرة التي كانت في عينيه اختفت، ولم يبق إلا تردد صنعه الطموح
الآن هو الوقت المناسب
“اسمع جيدا”
صرير
اقتربت منه أكثر، وثبّت عيني في عينيه
“أنا لا ألقي لك حبلا للنجاة فقط، بل أمنحك فرصة”
لذلك لم يعد أمامك مهرب
“أمنحك فرصة السير إلى جانبي، أن تكون إلى جانبي”
“…”
اهتزاز مكتوم
دفعت طاقتي إلى قلبي ليخفق بقوة خفيفة
لم تكن طاقة عادية، لقد حرّكت طاقتي الشيطانية، وعلى الأرجح كانت عيناي تلمعان بالبنفسجي الآن
“…”
لم يجب الزعيم
كان الصمت خانقا، لكن هذا يكفي الآن
تراجعت خطوة إلى الخلف مبتعدا عنه، ثم أضفت
“الاختيار لك، لكن”
ولم أنس أن أبتسم
“لن أمنحك وقتا طويلا للتفكير، احسم قرارك عند لقائنا القادم، وعندها…”
حركة خفيفة
استدرت ومشيت نحو الباب
“سأخبرك كيف أجعل ما تريده يتحقق”
أمسكت بمقبض الباب من دون تردد وفتحته
خرجت تشونما كما لو كانت تنتظر
الناس الواقفون في الخارج بدوا متفاجئين وألقوا نظرة إلى الداخل، لكن
بما أن شيئا لم يظهر أنه حدث، لم تتحول المسألة إلى مشكلة
صرير خفيف
أغلق الباب ببطء
وحتى وهو ينغلق، ظل الزعيم جامدا بملامح قاسية، يحدق بي بصمت
طقطقة
أغلق الباب تماما
“هاه”
أخيرا أطلقت النفس الذي كنت أحبسه
وفي الوقت نفسه، سحبت الطاقة التي كنت قد نشرتها في المكان
“جيد أنه لم يلاحظ”
كنت قد نشرت طاقتي في كل اتجاه احتياطا لأي طارئ
وكان مريحا أنني لم أضطر إلى استخدامها
لو تصاعدت الأمور
“…لكانت كارثة”
ليس مجرد إزعاج، بل فوضى كاملة
“خصوصا مع وجود جنرال قريب أيضا”
مونغمونغ
أو يوسا
حاكم ياهوول لا بد أنه قريب من هنا
ولو ساءت الأمور، لكنت أنا من سيدفع الثمن
“…على أي حال، تجاوزتها somehow”
لم يكن هذا هدفي الأصلي
لكن النتيجة لم تكن سيئة
الزعيم الآن غارق في التفكير، وهذا مكسب
وفوق ذلك
“من وجهه وحده، الإجابة واضحة أصلا”
كنت شبه متأكد من الخيار الذي سيتخذه
يمكنك أن تعرف بمجرد النظر إليه
“طبعا، سأستعد احتياطا… لكن مع ذلك”
هل سيختار طريقا مختلفا فعلا؟
لا أظن
لذلك
“في الوقت الحالي، عليّ أن أخطط بدقة”
حين يحسم الزعيم قراره، يجب أن أكون قد جهزت الحل الذي يريده
ذلك الشيء
“لم أفكر فيه بعد”
حتى الآن كنت أراوغ بالخدعة فقط
لكن من الآن يجب أن أجد المخرج الحقيقي
ومع هذا
“لا أظن الأمر سيكون صعبا جدا”
لأنني في النهاية
أعرف الإجابة مسبقا
غادرت مقر عشيرة السوداء واتجهت إلى الخارج
في ذلك الوقت كانت الشمس قد غربت منذ فترة، والليل يزحف بثبات
الطرق أضيئت كأنها تتهيأ لاستقبال الليل، والفوانيس تشع دفئا
والأغرب أن الناس بدوا أكثر نشاطا من النهار
“إذن هؤلاء هم الذين نالوا حظوة الليل”
قبيلة الليل المقمرة، هؤلاء البشر ذوو السمات الوحشية كانوا يسمون أبناء الليل
وربما كانوا فعلا يشتاقون لقدوم الظلام
سرت بينهم وأنا أراقب ما حولي
وبالطبع، كانت تشونما معي
“…همم”
نظرت إليها
كانت قد صنعت لنفسها أذنين، لكنها ما زالت بلا ذيل، فاضطرت لإخفائه تحت العباءة
بدت مأخوذة بسوق الليل تماما، تدير رأسها باستمرار لتلتقط كل شيء بعينيها
فضول ودهشة
كانت عيناها ممتلئتين بهذين الشعورين
نقيتان وهادئتان، مثل
“…وي سول آه”
نظرة وي سول آه عندما كانت تنظر إليّ
كان التشابه مزعجا إلى حد جعلني أضيق عيني
حاولت تجاهل ذلك وتتبعت اتجاه نظر تشونما
“…إلى ماذا تنظرين؟”
ما الذي تنظر إليه بهذا التركيز كله؟
تبعت بصرها فرأيت بائعا جوالا على مسافة
ومثل أكشاك الطعام في جونغوون، كان يبيع أطعمة كثيرة غير مألوفة
المناظر جديدة، لكن الروائح كانت فاتنة
“…”
بعد نظرة إلى الكشك، أعدت عيني إلى تشونما
كانت لا تزال تحدق فيه من دون رمشة
هل يمكن أن
“…هل تريدين أكل هذا؟”
“نعم”
“…”
إجابتها المباشرة جعلتني أمرر يدي في شعري
ليس وجهها فقط يشبه وي سول آه، حتى شهيتها أيضا؟
والآن بالذات تريد الطعام؟
وبين الضيق والاستسلام، تنهدت وقدتها نحو الكشك
لماذا أفعل هذا أصلا؟
حتى وأنا أتحرك، كنت أسأل نفسي
لماذا أتصرف بهذه الطريقة؟
الأسئلة ظلت تظهر، لكن جسدي واصل الحركة كأن الأمر مفروغ منه
في البداية ظننت السبب أنها تذكرني بوي سول آه
“ماذا تريدين أن تأكلي؟”
“…هل يمكن أن أختار أكثر من واحد؟”
“طبعا لا، هل معك مال؟”
“لا”
“إذن على أي أساس تريدين الاختيار؟ اختاري واحدا”
“حسنا”
لكن بينما كنت أشاهد تشونما وهي تختار طعامها بعناية، بدأت أفكاري تتبدل
“هذا ليس صحيحا”
كان الإحساس خاطئا بعمق
مجرد النظر إليها كان يثير ضيقا داخليا لا يهدأ
كأن شيئا داخلي يصرخ
ويقول لي إن هذه ليست الطريقة التي يجب أن أتعامل بها معها
“توقف”
توقف وافعل الأمر كما يجب
هذا ما كان الصوت الداخلي يكرره
“وما معنى كما يجب أصلا؟”
كم يبدو هذا سخيفا
لو كنت سأفعل الأمور كما يجب، لما كنت أفعل هذا من الأساس
“كان عليّ أن أقتلها منذ البداية”
من اللحظة التي أدركت فيها أنني قادر على قتلها، كان يجب أن أنهيها
كان عليّ أن أفعل أي شيء للتخلص منها
“ما الذي أفعله أنا؟”
ما الذي أفعله هنا؟
في عالم آخر، وبعيدا عن كل شيء، ما هذا العبث؟
“أشتري الطعام لتشونما، من بين كل الناس”
من كان يتخيل أن يأتي يوم أفعل فيه شيئا كهذا لكائن متعجرف ومتكبر مثلها؟
“…تس”
نقرت بلساني ضيقا، فرأيت تشونما ترتجف بخفة
“…سأختار بسرعة”
قالتها بتردد، وهي تنظر إليّ كأنها تقيس مزاجي
“…”
تشونما تقيس مزاجي أنا؟
سخافة المشهد كله جعلتني أرغب في ضرب جبهتي من شدة الضيق
ليس هذا وقت هذه الأمور
“…أتساءل كيف حال الأطفال”
كيف تسير الأمور في جونغوون؟
قد يكون تدفق الوقت مختلفا، لكنه يظل يتحرك
إذا اكتشفوا أنني اختفيت، لا أستطيع حتى تخيل رد فعلهم
“عليّ أن أعود بأسرع ما يمكن”
كنت أعرف هذا، ومع ذلك أنا هنا ألعب لعبة سخيفة مع تشونما
“…هاه”
خرجت مني تنهيدة من دون قصد
“ذاك”
أشارت تشونما أخيرا إلى شيء معين
كان سيخا مغروسا فيه شيء سميك وممتلئ
بدا كأنه لحم، لكنني لم أعرف ما هو تحديدا
“هذا؟”
“نعم”
“سيخ واحد من فضلك”
ما إن تكلمت حتى ناولني البائع السيخ بسرعة
دفعت الثمن وأعطيته لتشونما
مدت يدها بحماس لتأخذ قضمة، لكن
“ابتعدوا عن الطريق”
“افتحوا الطريق”
تعالت الصيحات من بعيد
“ما الجديد الآن؟”
ما الذي يحدث هذه المرة؟
نظرت حولي بحيرة، فرأيت راية من بعيد
“همم؟”
ضيقت عيني وتعرفت عليها
كنت قد رأيتها سابقا لمحة سريعة عندما صعدت إلى نقطة مرتفعة في ياهوول لأتفقد الوضع
“هل كانت زرقاء؟ أم لون آخر؟”
أتذكر بشكل ضبابي أنها تعود إلى إحدى العائلتين النبيلتين، باستثناء العشيرة البيضاء والعشيرة السوداء
وهذا يعني
“نبلاء”
أولئك الأوغاد كانوا نبلاء
وبمجرد أن أدركت هذا، تراجعت خطوة إلى الخلف
حتى لو لم يلاحظوني، الأفضل أن أبقى بعيدا عن الأنظار
وقفت على مسافة قصيرة بانتظار مرور العربة
تقدمت العربة وسط الجموع ومرت من جانبي
راقبتها بفضول
“ليست تجرها خيول؟”
المفاجأة أن العربة لم تجرها خيول
بدلا من ذلك، كان يجرها ذئبان ضخمان بحجم الخيل
زمجرة مكتومة
نفخ الذئبان من أنفيهما وهما يمران ببطء، وبدا أن العربة ستغادر تماما، لكن
صرير حاد
توقفت العربة فجأة أمامنا مباشرة
“…همم؟”
عبست وأنا أنظر إلى العربة التي توقفت بلا سبب واضح
شعور سيئ اجتاحني
“هذا لا يبدو خيرا…”
حدسي كان يصرخ في داخلي
شيء سيئ على وشك الحدوث
ثم
صرير قوي
فُتح باب العربة، ونزل منها رجل بشعر أزرق لافت
كان وسيما بحدة، ومن النوع الذي تفوح منه الغطرسة
النوع الذي يذكرك بوو هيوك
فور ظهوره، ركع من حوله الناس على الأرض
“ما هذا بحق؟”
ارتبكت أمام المشهد الغريب، وحاولت أن أفهم ما الذي يجري
“أيتها المرأة”
تكلم الرجل أخيرا
وكان ينظر إلى تشونما
“أنت جميلة، كوني لي”
هذا ما قاله
ومن دون تفكير خرجت الكلمات من فمي
“ما الذي يتفوه به هذا الوغد؟”