برد الجو في بيت الشاي وصار ثقيلا
كنت أحاول أن أسأل بهدوء قدر ما أستطيع، لكن من ملامح السلحفاة وتنفسه المرهق بدا أن كلامي وصل بشكل مختلف عما قصدت
ارتجفت لحيته ارتجافة خفيفة
رغم أن عينيه الضيقتين لم تكونا واضحتين تماما، فإن تركيزهما علي كان واضحا، وحتى العصا التي يمسكها كانت ترتجف
السلحفاة الذي كان يظهر انزعاجا بسيطا سابقا بدا الآن وكأنه شخص مختلف تماما
هل أخطأت؟ وبينما كنت أراقبه بصمت، تكلم أخيرا وكسر سكوته الطويل
“ما… ما الذي قلته الآن؟”
هل كان يتظاهر بأنه لم يسمعني؟ أم يتظاهر بأنه لم يفهم؟ في كلتا الحالتين كررت كلامي
“سألت إن كنت تعرف طريقة للانتقال إلى الماضي أو إلى المستقبل”
عندما سمع السؤال نفسه مرة أخرى، تحرك حاجباه بعنف
“لماذا تسأل عن شيء كهذا؟”
كلامه وردة فعله جعلاني أتوقف قليلا
ذلك الرد…
“هل هذا يعني أن الأمر ممكن؟”
لو كان مستحيلا لقال لا مباشرة، لكن حذره أوحى بأن شيئا ما موجود فعلا
ومع ذلك كان واضحا أنه لا يريد الحديث عنه أبدا
“كنت فقط فضوليا”
“فضولك… غريب”
“أنت تستعمل تقنيات غير معتادة، فقلت ربما يوجد شيء كهذا أيضا، مجرد فضول صغير”
حاولت أن أمررها ككلام عابر، لكن رد فعل السلحفاة لم يكن عابرا أبدا
“إذن لا تفتح فضولك تجاه هذا”
“عفوا؟”
كان صوته هذه المرة ثقيلا وجادا بشكل غير معتاد
“حتى لو كان هناك مستقبل تريد رؤيته فلا تبحث عنه، وحتى لو كان هناك ماض تندم عليه فاتركه ندما”
“…”
عدلت جلستي قليلا وملت إلى الأمام كأنني أستمع بدقة
“الوقت هو الوقت، يسير ويجب أن يترك ليسير، وما مر لا يمكن استرجاعه، ولهذا يسمى وقتا”
“…تتكلم بثقة كبيرة في هذا الأمر”
“حتى مع ذلك”
صوت نقر خفيف
طرق السلحفاة بأصابعه على الطاولة بخفة، وكأن الحركة خرجت منه دون قصد
“إذا كنت تبحث عن أي شيء متعلق بهذا فاترك الفكرة، لا معنى لها”
“لماذا؟”
“لأنه لا يوجد تعلق أكثر عبثا ولا أقسى من هذا”
“…”
تعلق بلا معنى وبالقدر نفسه قاس؟ لم أنظر إلى الأمر بهذه الزاوية من قبل
أزلت الابتسامة الخفيفة من وجهي وسألت، “لماذا أنت متأكد إلى هذه الدرجة؟”
ما الذي يجعلك واثقا هكذا؟ هذا هو السؤال الذي كان يدور في رأسي
الضوء الخافت في عينيه لم يكن ضوء شخص يحكي قصة غيره، بل ضوء شخص يتكلم من تجربة عاشها بنفسه
“هل تعرف ماذا يحدث لمن يتعلقون بهذا النوع من الأمور؟”
سألني السلحفاة مباشرة
“لا أعرف، لست منهم، ماذا يحدث لهم؟”
أجبته بسؤال، فأعطاني جوابه
“يتمزقون بالكامل”
“…عفوا؟”
يتمزقون؟ كانت عبارة مقلقة
“…جسديا؟”
“لا، أرواحهم”
“فهمت”
عندما ارتحت لأنه ليس تمزقا جسديا، أطلقت زفرة هادئة، لكن السلحفاة سمعها ونقر لسانه بعدم رضا
“هل تظن أن كونها الروح فقط شيء جيد؟”
“ليست إصابة جسدية، فظننت أنها قد تكون… أخف”
“لو كانت جسدية لكان أفضل بكثير، تمزق الروح أقسى بما لا يقارن”
“…”
فكرة تمزق الروح نفسها كانت كافية لتوضيح أنه يعتبرها أمرا خطيرا جدا
ومع قلة المعلومات كان من الصعب أن أستوعب الصورة كاملة
“…إذن الذي تقوله إن التعلق بهذا فكرة سيئة؟”
“إذا كنت تريد أن تتمزق إلى قطع فافعل”
“آسف، هذا ليس ضمن اختياراتي”
من الذي يحب أن يتمزق؟ ربما يوجد من يحب ذلك، لكني لست واحدا منهم
“هم”
رتبت كلامه في ذهني، وأهم ما يجب تثبيته الآن لم يكن شيئا آخر بل هذا
“إذن هو يعرف شيئا عنه”
كان واضحا أن السلحفاة يملك معرفة بهذا الموضوع
“إذن هل تقول إنه لم يوجد شخص واحد نجح دون أن تتمزق روحه؟”
ارتشفت قليلا من الشاي وأنا أسأل
“…أسئلتك بلا فائدة”
“أنا مهتم بهذا، وبما أننا بدأنا الحديث فيه، لماذا لا تكمل؟ بيننا علاقة ما في النهاية، أليس كذلك؟”
“وأي علاقة تقصد؟”
“علاقة متوازنة تماما قائمة على التبادل بين شخصين لا صلة بينهما”
“…”
“نأخذ ونعطي بالقدر المستحق، أليست علاقة نظيفة وواضحة؟”
“لا يوجد فيها ذرة مشاعر، أليس كذلك؟”
“يمكنك تسميتها ترتيبا منظما، لذلك تكلم براحة”
“لماذا؟ هل تنوي التجربة إن كانت ممكنة؟”
نظر إلي السلحفاة بحذر، وسؤاله جعلني أضحك بخفة
“لا، لا أنوي فعلها، وأشك أنني سأفعل”
في هذه اللحظة لم أعد مهتما، ربما في حياة سابقة كنت سأهتم، أما الآن فلا
“إذا كنت قد عشتها فعلا، لماذا أريد أن أعيدها؟”
حتى لو أتيحت فرصة للرجوع بالزمن، هل يمكن اعتبارها فرصة فعلا؟ ربما تتغير النتائج، لكن
“إعادة المرور بالجحيم نفسه مرة أخرى شيء لا أتحمله”
العودة إلى عالم ينسى فيه كل من يعرفني الآن كل شيء، ثم إعادة بناء كل شيء من الصفر والعمل نحو نتيجة مختلفة حتى الإنهاك
مرة واحدة كانت جحيما كافيا، أما مرة ثانية فلا أستطيع
ومع ذلك بقي الفضول موجودا
“حتى لو لا أنوي التجربة، أقدر أن أكون فضوليا”
“كلام متناقض”
تمتم السلحفاة وهو يرمقني بنفور
هل لا يريد أن يخبرني أبدا؟ بدا أن الاستمرار بالضغط قد يضيع الوقت، وبينما كنت أفكر في تغيير الموضوع تكلم أخيرا
“مستحيل”
“مستحيل؟”
“نعم، من المستحيل تماما تجنب تمزق الروح، وحتى لو تحملته فلا أحد نجح أبدا”
“لماذا؟”
“لأنه لا يوجد كائن يستطيع تحمل العملية والنتيجة معا”
كان صوته حاسما ويحمل يقينا لا يتزحزح
“حتى لو قدم أحدهم كل الأثر المتراكم في روحه واخترق به العالم السماوي، فستتمزق روحه وترفض، أما تحقيق النتيجة مع الحفاظ على الروح فغرور لا معنى له”
كلامه الذي امتزج بحزن خافت جعلني أعبس
“إذن تقول إن الأمر ممكن إذا ضحى الشخص بشيء؟”
“…هل الفهم صعب عليك إلى هذه الدرجة؟”
“لا، أفهم، من كلامك يبدو أن هناك طريقة للمحاولة، لكن”
توقفت قليلا
“حتى لو وجدت الطريقة فلا أحد يستطيع النجاة منها سليما، صحيح؟”
“…”
“هل فهمت كلامك بشكل صحيح؟”
واجه سؤالي المباشر صمتا، وكالعادة كان الصمت يعني الموافقة
“هم”
ضممت ذراعي ومِلت برأسي يمينا ويسارا، بقي سؤال واحد لم أطرحه بعد
“أيها الشيخ”
“…ماذا؟”
“ماذا لو كان الأمر ممكنا؟”
“ماذا؟”
“أقصد الشيء الذي كنا نتكلم عنه، ماذا لو نجح شخص ما؟”
“قلت لك إنه مستحيل”
“لكنه يظل ممكنا، أنت لا تعرف كل شيء عن طريقة عمل العالم”
“…ماذا تريد أن تسمع بالضبط؟”
“الذي قلته حرفيا، إذا نجح شخص ما…”
“هذا لن يحدث أبدا”
صوت ارتطام قوي
ضرب السلحفاة الأرض بعصاه، وانتشرت الصدمة في المكان حتى بدا كل ما حولنا وكأنه يهتز تحت الماء
بيت الشاي الهادئ قبل لحظات بدأ يتشوه ويذوب كأنه ينحل أمام العين
عبست من تغير الجو المفاجئ ونظرت حولي
“اخرج”
قالها السلحفاة
“عفوا؟”
“قلت اخرج”
“لكنني لم أنه أسئلتي بعد…”
لم نبدأ حتى الحديث عن التعاويذ المهمة، والآن يريدني أن أخرج؟
“على الأقل لا أريد أن أكمل هذا الحديث معك اليوم”
“ماذا تقصد—”
“إذا رفضت الخروج سأجبرك، هل هذا ما تريده؟”
صوت التواء حاد
الفراغ حولنا استمر في الانثناء والالتواء، وعينا السلحفاة اسودتا، وفي تلك اللحظة شعرت بإحساس غريب جدا يخرج من جسده
طنين خافت
الحلقات الخمس الملتفة حول قلبي ارتجفت بعنف
كأنها ترسل إشارة تحذير
“…”
حين التقطت ذلك، نظرت إلى السلحفاة بصمت للحظة ثم وقفت
“لا داعي، سأخرج بنفسي”
كان واضحا أن البقاء أكثر سيجعل الجو أسوأ فقط، يبدو أنني ضغطت على نقطة حساسة
“…”
نقر السلحفاة الأرض بعصاه مرة أخرى بخفة
عاد الفضاء المتموج إلى حالته الأصلية بسرعة كأن شيئا لم يحدث
“لن أنسى التبادل الذي اتفقنا عليه، عد لاحقا”
“…ومتى تحديدا؟”
“من يدري”
حوّل السلحفاة نظره إلي وأضاف آخر جملة
“ستعرف بنفسك”
“…”
كان هذا آخر ما قاله، وبعد أن تأكدت أنه لا ينوي المتابعة استدرت وخرجت من المبنى
“هم…”
حككت رأسي وتنهدت
كنت أظن أنني سأحصل منه على شيء مفيد عن الرجوع بالزمن، لكن يبدو أن الأمر لم ينجح
“…أو ربما نجح جزئيا، لم أخرج خالي اليدين تماما”
شيء واحد صار واضحا، السلحفاة يعرف شيئا، ومن الذي كشفه فهمت أن هناك حاجزا ما يجعل عكس الزمن مستحيلا
هذا وحده كان مكسبا أخرج به
“…ليس مستحيلا”
في النهاية الرجوع بالزمن موجود، وليس مجرد إشاعة عابرة
كيف لا أعرف وأنا عشته بنفسي
السلحفاة قال إنه مستحيل تماما، لكن وقوفي أمامه كان دليلا حيا على العكس
أنا رجعت بالزمن
وهذا جعل فضولي أكبر
“السلحفاة قال إنه حتى لو ضحى شخص بشيء هائل فالرجوع بالزمن مستحيل”
وهذا يعني
“إذا قدمت شيئا أعظم بكثير، أليس هذا يعني أنه ممكن؟”
لا أعرف ما تلك الطريقة ولا ما الذي يجب التضحية به، لكن إذا كانت القيمة كافية، فهل يصبح الرجوع بالزمن قابلا للتحقق؟
هكذا فهمت كلامه
“…”
وأنا غارق في التفكير كنت أحرك أصابعي بلا انتباه، ثم توقفت فجأة في منتصف الخطوة
أمامي كانت هناك شخصية تسير باتجاهي
وجه مألوف بعينين فارغتين، ينظر حوله كأنه يبحث عن شخص ما
كانت تشونما
سارت بخفة وهي تمسح المكان بنظرها، وحين رأتني لوحت بيدها
“آه، أنت هنا”
“…”
بدا أنها كانت تبحث عني، وبعد أن تأكدت من ذلك عقدت حاجبي
“الرجوع بالزمن لا يأتي بلا ثمن”
إذا كان هذا صحيحا
“ما الذي تخليت عنه؟”
ما الذي ضحت به تشونما حتى صار رجوعي بالزمن ممكنا؟
وفوق ذلك
“لماذا؟”
لماذا أعادتني بالزمن؟ ما الذي كانت تريد الوصول إليه؟ وما هدفها الحقيقي؟
منذ أن عرفت أن تشونما هي من دبر رجوعي بالزمن، وهذا السؤال لا يفارقني
وحتى الآن، والوقت ما زال يمضي
استمر 🔥🔥🥳