كان يمكن رؤية اضطراب عند جهة حراس البوابة
راقبت ذلك وانتظرت بهدوء
أما غوبونغ فكان يبدو قلقا، لكن هذا لم يكن مهما
كنت أمسك ذراعه بإحكام حتى لا يتمكن من الهرب
“سيدي… ما هذا؟!”
كان مرتبكا بسبب تقييدي له، لكن كان لدي سببي
“لا أحد يعرف، ربما تحاول الهرب، مجرد احتياط”
“…وإلى أين سأهرب فجأة أصلا؟”
“من يدري؟”
وفوق ذلك
“وحتى لو هربت، صحيح أنني أستطيع اللحاق بك، لكن هذا مزعج جدا”
“…”
صراحتي جعلت ملامح غوبونغ تتجهم فورا
وبينما كنا في نقاش بالكاد يمكن تسميته نقاشا
“هاه، ما هذا؟”
“…لماذا هم هنا؟”
الأجواء الباردة المتوترة أصلا هبطت أكثر
الخوف ارتسم على وجوه الجميع، والناس القريبون تفرقوا فجأة وفتحوا ممرا
كان تراجعا طوعيا، لكن حركتهم بدت أقرب إلى الهروب، وكأنهم يرفضون الاقتراب بأي ثمن
الهواء المشدود غير الطبيعي خيم عليهم بثقل واضح
ومن خلال الطريق الذي فتحوه
دمدمة ثقيلة
كان أحدهم يقترب
راية تتمايل فوق سارية طويلة، وتحتها يسير نحو عشرة أشخاص أو أكثر قليلا
أملت رأسي وأنا أنظر إليهم
“هؤلاء مختلفون”
لم تكن العائلة ذات الثياب البيضاء التي رأيتها أمس
كانوا النقيض تماما، يرتدون سوادا حالكا
والغريب أن وجوههم كلها مغطاة، فلا يمكن تمييز ملامحهم
أناس غريبون، ما قصتهم؟
راقبتهم بنظرة حائرة
“…تبّا…”
تمتم غوبونغ بصوت خافت حين رآهم، وشعرت بالتوتر في الذراع التي أمسكها
“ما هذا؟ ألم تقل إنك لن تهرب؟”
على عكس كلامه السابق، كان رد فعله مقلقا
ابتسمت له بسخرية
“هيا، لا يوجد مفر على أي حال، فقط ابق مكانك”
“…اتركني، هذا ليس وقت المزاح”
“مزاح؟ من الذي يمزح؟”
“…سيدي؟”
حدق فيّ بعينين واسعتين، كأنه فهم شيئا من رد فعلي
“لا تقل لي…”
“آه، لا تنظر إلي بهذه الطريقة”
بصراحة، نظرته كانت مبالغا فيها
“لم يكن مقصودا… أو ليس بالكامل، لم أكن أعرف أي جهة ستكون”
أما التفاصيل فلم أكن متأكدا منها
حتى أنا لم أتوقع تماما أن تنتهي الأمور هكذا
كل ما في الأمر
“أن لدي قدرا من الأمل، إن صح التعبير”
لم يكن استباقا للمستقبل، بل كان توقعا
توقعا أن تسير الأمور بهذا الشكل
والآن تحقق ذلك التوقع
“أنت…!”
صر غوبونغ على أسنانه وحاول الإفلات، لكنني لم أتركه
“آه، فقط ابق مكانك، ماذا ستفعل الآن؟”
“أنت لا تفهم…! لا أعرف كيف اكتشفت ذلك، لكن هذا لن يساعد طائفة هواشان بأي شكل”
بل على العكس، سيضرهم فقط
صرخ غوبونغ بيأس
“نعم، قد يكون هذا صحيحا”
قاطعته، فأنا أعرف مسبقا ما كان سيقوله
“مهما تكن الأسرار التي تخفيها، وحتى لو كانت هذه الأسرار سما لطائفة هواشان، نعم هذا ممكن، لكن”
خفضت نظري ونظرت إلى غوبونغ
“وما علاقتي أنا بهذا؟”
“…ماذا؟”
“لا تخدع نفسك، لم آت إلى هنا ولو مرة واحدة من أجل طائفة هواشان”
حتى الغضب الذي شعرت به أمس من أجلهم
وحتى غضبي الموجه إليك
إذا كان كل ذلك من أجل طائفة هواشان فقط، فهذا الافتراض خاطئ
“أنا”
كان ذلك من أجل نويا
“لا أهتم بطائفة هواشان فعلا”
سواء انهارت أم بقيت، هذا لا يعنيني
ارتجفت عينا غوبونغ عند كلامي، وبدأ الغضب يصعد في نظرته
عندما رأيت ذلك، هززت كتفي
“لكن لا تقلق، العجوز طلب مني أمرا، لذا لن أفسد الأمور”
“كيف تجرؤ…!”
لم يستطع غوبونغ ضبط نفسه وبدأ يصرخ
“مر وقت طويل”
“…!”
لكن صوتا تدخل وقاطعه وأسكت كلامه تماما
كان الصوت خشنا وجافا، خاليا من أي عاطفة، وكأنه يخرج من قاع بئر
تحولت نظرة غوبونغ
كان ذلك الشخص الذي يقود المجموعة التي اقتربت قبل قليل
وجهه ظل مخفيا، وجسده كله مغطى بالسواد
ملابسه لم تكن سيئة بصراحة
“النبيل المظلم”
“…”
كلمات الرجل المفترض جعلت غوبونغ يرتجف وهو يعض شفته
“الزعيم يطلبك”
عند سماع ذلك، أجبر غوبونغ نفسه على الرد
“…أنا… لم أعد النبيل المظلم، لقد تركت هذا الاسم”
كلمات إنكاره لم تثر أي رد فعل لدى الرجل
بعد توقف قصير، تحدث الرجل بنبرة هادئة بطيئة
“لدى الزعيم أسئلة تتعلق بهذه المسألة، تفضل معنا”
“هل لم تسمعني؟ لقد تركت هذا الاسم، ولم أعد واحدا منكم”
بحزم، وضع غوبونغ يده على خصره، مستعدا لسحب سيفه عند الحاجة
“لن أعود، حتى لو مت”
“…”
مال الرجل خلف القناع رأسه، ونظر بيني وبين غوبونغ
وبعد لحظة تفكير، تحدث مجددا
“الزعيم قال: إذا رفض، فأحضروه بالقوة”
“…”
“نحن فقط ننفذ الأوامر”
“إذن… تخططون لأخذي بالقوة”
صليل
أمسك غوبونغ مقبض سيفه بقوة، ورن صوت المعدن من الغمد
“أنا من طائفة هواشان”
كان في نظرته تصميم واضح
كان هذا مختلفا عما سبق
“…لن أتردد بضعف بعد الآن!”
دوي
“غاه!”
سقط غوبونغ في منتصف الجملة
كنت قد أفقدته الوعي بضربة على مؤخرة رأسه
أمسكته قبل أن يرتطم بالأرض ورفعته
ونظرت إليه بعدم تصديق وتمتمت
“ما هذا بحق الجحيم؟ قبل قليل كان يتذلل بشكل جيد، فلماذا ظهرت هذه الكبرياء فجأة؟”
لماذا اختار هذا الوقت بالذات ليفعل هذا؟ يا له من إزعاج
“الناس يجب أن يكونوا ثابتين، أليس كذلك؟”
نظرت إلى الرجل كأنني أطلب موافقته، لكنه اكتفى بالتحديق في غوبونغ المغمى عليه
“لا رد فعل؟ ممل”
نقرت بلساني ثم رميت غوبونغ نحوه
أمسكه الرجل بسهولة، كأنه كان ينتظر ذلك
عندها فقط نظر إلي أخيرا
“ماذا؟ لديك ما تقوله؟”
“الزعيم أمر أيضا”
“بأن تأخذني معكم أيضا، صحيح؟”
“…نعم”
“هل ذكرني أنا تحديدا، أم قال خذوا أي شخص قريب؟”
“…”
لا جواب
واضح أنه لا ينوي إخباري
ولا يهمني ذلك
“حسنا إذن، لنذهب، لنر هذا الزعيم الذي تتحدثون عنه”
كنت أنوي اتباعهم على أي حال
لهذا فعلت كل هذا من البداية
اندمجت داخل مجموعتهم وتبعتهم
أعمق فأعمق داخل المجهول
وفي الوقت نفسه، بينما كان غو يانغتشون وغوبونغ يتبعان دليلهم
كان هناك شخص يقف بصمت فوق أسوار القلعة العالية ويراقب المشهد
من خلال القناع الأسود، كانت عينان خافتتان تنظران بهدوء عبر القلعة كلها
“حسنا إذن، لنذهب، لنر هذا الزعيم الذي تتحدثون عنه”
عند سماع ذلك الصوت، تحرك زوج من الأذنين البنيتين، وتبعهما ذيل باللون نفسه يهتز
من دون أن تقول كلمة، ثبتت نظرها فقط على غو يانغتشون وهو يبتعد أكثر
قريبا سيختفي داخل القلعة، خارج مجال رؤيتها ووصولها
ماذا يجب أن تفعل؟
إذا بقيت مكانها فستخسره
وخاصة إذا دخل الظلال، فسيصبح من المستحيل توقع ما قد يحدث
“…”
وأثناء تفكيرها بهدوء، بدأت المرأة تتحرك
قررت أن تتبعه
لم تستطع أن تدعه يفلت
وبهذا القرار، بدأت تتسلل نحو داخل القلعة بصمت
“مهلا”
“…!”
صوت من جوارها جعلها تتراجع بسرعة
لكن
“لماذا تواصلين تتبعي؟”
حتى وهي تبتعد، بدا الصوت وكأنه بجانبها تماما
إمساك
“!!”
يد أمسكت قناعها
وفي لحظة واحدة
اندفاع هائل
قذفت بعيدا عن القلعة بسرعة مرعبة
ضربها تيار الهواء وهي ترمى لمسافة كبيرة، ولم تستطع حتى تقدير مدى ابتعادها
وقبل أن تدرك ما حدث، كانت قد تدحرجت على الأرض فوق التراب
بصعوبة استعادت توازنها، لتجد شخصا يقف أمامها
“مرحبا”
امرأة ذات شعر أسود لوحت بيدها بخفة، ونبرتها تكاد تكون مرحة
“لقد التقينا من قبل”
“…”
“في ذلك الوقت، تركتك ترحلين”
أمالت المرأة رأسها، ومرت على وجهها ملامح حيرة
“إذن لماذا عدت؟”
“…”
“لماذا تراقبينه؟”
“…”
“أنت”
وفي تلك اللحظة
“هل تكرهينه؟”
دوي عميق
انفجرت طاقة هائلة من ظل المرأة
الهالة الضاغطة انتشرت على الأرض، وحولت التراب إلى اللون الأسود
“…”
رغم الطاقة الطاغية، لم تقل المرأة المقنعة شيئا
اكتفت برفع يدها، وبدأت الطاقة تتجمع في كفها
طنين حاد
الطاقة المتجمعة تشكلت على هيئة سيف
“همم”
المرأة ذات العينين الأرجوانيتين راقبت المشهد، وعيناها تلمعان باهتمام
كان منظرا يثير الفضول
وبشكل ما، بدا مألوفا كأنها رأته من قبل
لكن أين؟ لم تستطع التذكر تماما
وربما لم يكن هذا مهما
مدت المرأة ذات الشعر الأسود يدها أيضا
طنين قوي
ارتفعت طاقة من الأرض وتجمعت في قبضتها
وبعد لحظات تحولت هي أيضا إلى سيف
“يبدو أن هذا مختلف قليلا”
كان الاختلاف واضحا، يكفي أن تنظر إليه لتراه
لكن
“لا يهم”
حتى لو لم يكونا الشيء نفسه، فهذه ليست مشكلة
قد تختلف الطريقة، لكن النتيجة لن تتغير
“أنت، هل أنت عدوته؟”
“…”
لا رد
“هكذا إذن؟”
اعتبرت الصمت تأكيدا
“إذن هذا غير مقبول”
ومع هذه الكلمات، خطت خطوة إلى الأمام
تشقق حاد
من طرف قدمها، تفتح الظلام كزهرة في الليل