بينما كان غوبونغ يتمنى بيأس ألا أتسبب في مشكلة، وجدت نفسي أقبض يدي تلقائيا
ما هذا بحق الجحيم؟ ما قصة تلك العينين؟
هذا الوغد يثير غضبي
اشتعل غضبي، هل أقتلع عينيه فورا؟ أم أسحق وجهه إلى النصف حتى لا يصنع تلك التعابير مرة أخرى؟
وبينما كنت أزن الخيارات
“ما الأمر؟ هل لديك شأن معي؟”
قطب الحارس حاجبيه وهو ينظر إلي
“لا يعجبني وجهك”
يا لهذا الوغد
“إن لم يعجبك، فماذا ستفعل…”
“نحن مستعجلون، من فضلك دعنا نمر”
وقبل أن أتقدم خطوة، أمسك غوبونغ بمعصمي
ثم ابتسم للحارس ابتسامة محرجة وهو يتكلم
“أعتذر، أخي الأصغر حالته اليوم سيئة قليلا”
“أخ أصغر؟ من الذي تسميه أخا أصغر…!”
“هيا بنا يا أخي الأصغر”
قبل أن أواصل الاعتراض، بدأ يجرني بعيدا
كان يمكنني أن أتحرر بسهولة لو أردت، لكنني تركت الأمر مؤقتا
ثم، كما حدث سابقا، سمعت صوتا يتمتم قرب أذني
“أوغاد جبل هوا متكبرون جدا، تِس”
عندما سمعت ذلك، انعقد حاجباي بقوة
كان واضحا
هناك شيء يحدث هنا
شيء لا أعرفه
بينما كان غوبونغ يجرني، وصلنا أخيرا إلى الداخل
وبمجرد دخولنا، بدا الازدحام أشد كثافة
تسميته “ازدحاما” بدت غريبة، لكن لا توجد كلمة أدق
عدد الكائنات الحية هنا مبالغ فيه بشكل جنوني
كان المشهد مثل هانام في موسم احتفال، مكتظا وصاخبا وله الأجواء نفسها
بمعنى آخر، كان مزعجا ومثقلا للأعصاب
بعد أن شققنا طريقنا وسط الحشود فترة، نزعت معصمي من قبضته بالقوة
“اتركني”
“طك!”
هززته بعنف وانتزعت نفسي، ثم أدرت معصمي قليلا لأفك تيبسه
وأنا أحرك معصمي، التفت إلى غوبونغ
“اشرح، ما الذي كان قبل قليل بحق الجحيم؟”
“…”
بدا غوبونغ منزعجا وغير راغب في الإجابة
لكنني لم أكن أنوي تركه
“لن تتكلم؟ هل أثير فوضى هنا؟”
عندما سمع ذلك، ارتجف غوبونغ وبدا عليه الضيق الواضح، كان يعرف أنني لا أطلق تهديدات فارغة
تردد لحظة، ثم تنهد أخيرا وتكلم
“طائفة جبل هوا لا تملك سمعة جيدة خارج حدودها”
سمعة سيئة؟ جعلتني كلماته أعبس، وأطلب منه أن يكمل دون كلام
“لا أعرف من أين أتيت أيها الضيف المكرم، لكن داخل العوالم الكثيرة توجد أماكن قليلة جدا تنظر إلى جبل هوا بنظرة طيبة، وربما لا يوجد أي مكان”
“ولماذا؟”
“…هل فعلا لا تعرف؟”
“هل كنت سأسأل لو كنت أعرف؟ فكر قبل أن تتكلم”
أجبته وأنا أفكر في داخلي
آه، شين نويا لم يكلّف نفسه شرح أي شيء عني، صحيح؟
وهذا يعني
إما أنه نسي، أو تجاهل الأمر عمدا، أو… لم يكن مسموحا له أن يشرح
لا بد أنه أحد هذه الأسباب الثلاثة، لكن بالنظر إلى كل شيء، فالسبب الأخير هو الأرجح
ومع ذلك، حتى لي أنا لم يشرح؟
هل كان يتوقع أن أفهم كل شيء وحدي؟ هذا غير معقول، ذلك العجوز فقد صوابه تماما
وبينما كنت ألعن شين نويا في داخلي
“لكي يوجد أي كيان بوصفه دولة، لا بد أن يملك موافقة الحاكم”، تابع غوبونغ
“موافقة؟”
“نعم، حتى قصر ياهوول موجود كقصر لأنه يملك موافقة الحاكم”
لكي يبقى الكيان دولة، يحتاج إلى اعتماد الحاكم
إذن موافقة الحاكم أهم من الناس؟ أم أن الأمر أعقد من ذلك؟
“وطائفة جبل هوا لا تملك تلك الموافقة؟”
“…هذا صحيح”
“ولماذا لا تملكها؟”
“…”
لماذا كانت طائفة جبل هوا استثناء؟ ضغطت عليه ليجيب
“…”
تردد غوبونغ، وتصلب وجهه قليلا قبل أن يتكلم
“لا أستطيع أن أقول”
“ماذا؟ كنت تتكلم بشكل طبيعي حتى الآن، فلماذا لا تستطيع الآن؟”
“لأنك لست عضوا في طائفة جبل هوا”
“…!”
نبرته الحاسمة جعلتني أصمت لحظة
لم تكن كلماته فقط، حتى نظرته واليقين في صوته كانا ثابتين بلا اهتزاز
“مهما كنت ضيفا مكرما لدى المعلّم الكبير، فهذا شأن يخص طائفة جبل هوا، ولا يمكن كشفه لشخص من الخارج”
“وماذا لو هددتك وانتزعته منك بالقوة؟”
“حتى لو كُسر عنقي وانتزع قلبي، ستبقى إجابتي نفسها”
“همم”
كلامه الحازم جعلني أومئ برأسي، كان جادا تماما
وبالطبع، أنا أيضا كنت جادا تماما بشأن ضربه
“حسنا إذن”
كنت فضوليا، لكنني لم أضغط أكثر، وحتى لو ضغطت فلن يتكلم، وشرحه كان كافيا لأفهم السبب
هذا صحيح
أنا شخص من الخارج
لا أعرف شيئا عن جبل هوا الذي بناه شين نويا خلال أكثر من مئة عام
حتى لو شعرت بقرب من نويا، فهذا ليس مثل شعور غوبونغ أو الآخرين داخل جبل هوا
هذا أمر لا يمكنني أن أنبش فيه
وفوق ذلك
حتى لو لم أعرف الآن
غالبا سأعرف قريبا
المعلومات ستصلني في النهاية، وثقتي بهذا كانت بسيطة
نويا قال لي أن أرى بنفسي
كونه أرسلني إلى هنا يعني أنه يعتقد أنني سأتعلم ما أحتاجه دون جهد كبير
غالبا رأى أن هذا الطريق أسهل
“…”
بدا غوبونغ محتارا من سهولة تراجعي عن الموضوع، لكن تفسيره كان كافيا بالنسبة لي
فقدت اهتمامي، فسألته بوجه عادي
“إذن، إلى أين نذهب الآن؟”
“…اتبعني”
وبعدها عاد يقود الطريق
تبعناه أنا وتشونما، وتوغلنا أعمق داخل قصر ياهوول
وأثناء سيرنا، ألقيت نظرات حولي أتفحص المكان
كانت الحشود الكثيفة مكونة تقريبا بالكامل من أشخاص لهم آذان أو ذيول وحشية
طبعا كانت هناك درجات مختلفة
بعضهم كانت صفاتهم الوحشية أوضح، وبعضهم كان يبدو أقرب إلى البشر، وهذا كان الفرق
مثير فعلا
رغم غرابة المظهر، كان السلوك والجو العام قريبين جدا مما أعرفه في السهول الوسطى
مثل شوارع طائفة جبل هوا المزدحمة التي بناها شين نويا، كان المكان مليئا بالحركة والحياة
لكن الطراز المعماري مختلف قليلا
المباني على امتداد الشارع اختلفت في الحجم والتصميم عن أي شيء رأيته من قبل
وهذا أكد بوضوح أن هذا عالم مختلف فعلا
…بعد آخر
شيء لم أكن أفكر فيه بجدية قبل الآن، هذا المكان غريب فعلا عني
الهواء المختلف، السماء المختلفة، وحتى هيئة سكانه
رؤية كل هذا جعلت الفكرة تترسخ أكثر
ومع هذا الإدراك جاء سؤال
كيف نفهم بعضنا أصلا؟
كيف تعمل اللغة هنا؟ لم أفكر في هذا من قبل أبدا
عالم مختلف، ومع ذلك نتواصل بشكل كامل
الأمر كان لافتا، لكنني لم أعلق فيه كثيرا، ما دام يعمل فهذا يكفيني
غادرنا الحشود ودخلنا زقاقا
كان عدد الناس هنا أقل بكثير
تبدل الجو فجأة
همم
على عكس الشوارع المضيئة المبهجة، كان هذا المكان مظلما ورطبا
كان واضحا أننا لا نتجه إلى مكان عادي
واصلنا السير، أعمق فأعمق
وفي النهاية، وصلنا إلى مبنى متهالك
كان البناء قديما ومليئا بالتشققات، لكنه بدا محافظا عليه نسبيا مقارنة بما حوله
“…هذه هي الوجهة، صحيح؟”
“نعم”
إذن هي هنا فعلا، لا يصدق
حدقت في المبنى بوجه متجهم، بينما فتح غوبونغ الباب ودخل
“كرييك”
أنّ الباب القديم وهو ينفتح، وفي تلك اللحظة
“وووش”
“أوه؟”
فور انفتح الباب، شعرت بحضور ينبعث من الداخل، فاتسعت عيناي تلقائيا
ما هذا؟
لم يكن هناك أي أثر لأي حضور قبل فتح الباب
ليست تشكيلا، هل هو نوع من السحر؟
في البداية كان مجرد تخمين، لكن كلما فكرت أكثر ازددت يقينا
منذ أن اختبرت قوة السلحفاة، أصبحت أفهم الفروق الدقيقة بين التشكيلات والسحر بشكل أفضل
وعندما دخلت من الباب، رأيت في الداخل أربعة أشخاص كما شعرت سابقا
وفور أن رأوا غوبونغ، اتسعت عيونهم بدهشة، ثم انحنوا
“المعلم غوبونغ…!”
“هل أنتم بخير جميعا؟”
ابتسم غوبونغ وهو يحييهم، ومن طريقتهم يبدو أنهم من التلاميذ من الصف الثاني
التلاميذ الذين كانوا يتبادلون التحية معه حولوا أنظارهم إلينا
“أم، أيها المعلم… من هذان؟”
تردد غوبونغ لحظة، وابتسم ابتسامة محرجة
“جاءا لمساعدتنا اليوم، وهما ضيفان مكرمان من الطائفة الرئيسية، فأظهروا لهما الاحترام اللائق”
عندما سمعت ذلك، أطلقت ضحكة جافة
“احترام لائق؟ يقولها الشخص الأقل احتراما، ألا ترى هذا؟”
“لا أعرف”
“…اهم”
حين سمع حديثنا، تنحنح غوبونغ بإحراج
“أيها المعلم… ماذا حدث لوجهك؟ هل الأخت الكبرى سول يونغ… مرة أخرى…؟”
“ليس الأمر كذلك، لا تشغلوا بالكم”
ذكر سول يونغ يوحي بأنها تضربه كثيرا، مثير للاهتمام
غوبونغ أقوى من سول يونغ على الأغلب
لكن مع طبيعته الصلبة والمندفعة، ليس غريبا أن يتعرض للضرب
“يكفي هذا، هل كل شيء جاهز؟”
بدل غوبونغ الموضوع بسرعة وأعاد الحديث إلى المسار المطلوب
فالغرض من المجيء إلى هنا كان تأمين المستلزمات أصلا
وفور أن ذكر ذلك، تغيرت ملامح التلاميذ بشكل غريب
لاحظ غوبونغ هذا، فقطب حاجبيه وسأل مباشرة
“ما الأمر؟”
“حسنا…”
“تكلم بسرعة”
وتحت ضغطه، أجاب أحد التلاميذ أخيرا
“يبدو أن هناك مشكلة مع عائلة بايكسا”
“ماذا…؟”
عندما سمع هذا، تصلبت ملامح غوبونغ
“ماذا تقصد؟”
“حدثت… بعض المشكلات أثناء عملية الشراء…”
“خذني إلى هناك فورا”
قبل أن يكمل التلميذ كلامه، قاطعه غوبونغ وأصدر أمره، فأومأ التلميذ بسرعة وبدأ يقود الطريق
ما هذا الآن؟
بدا أن الأمور تتعطل منذ البداية