150 سنة
الرقم الصادم جعل ذهني يفرغ لوهلة
150 سنة؟ ليس أشهرا؟
«ما… ما هذا الهراء؟»
كان نويا غائبا عن جسدي بضعة أشهر على الأكثر، فكيف مر أكثر من 100 سنة؟
سألت مرة أخرى وأنا غير قادر على التصديق، لكن تعبير نويا كان جادا بشكل مخيف
«كانت هناك أيام أكثر بكثير لم أتعب نفسي بعدها، والأرجح أن المدة أطول من ذلك»
«ما هذا بحق…»
«هذا المكان كان أرضا قاحلة عندما وصلت، بلا حياة تماما، لذلك زرعت شجرة واحدة»
اتبعت عيناي كلماته، فظهرت شجرة ضخمة هائلة تحجب السماء
«تلك… هي نفسها؟»
«نعم، كبرت كثيرا، أليس كذلك؟»
«هذا أكبر من مجرد ضخم»
حتى مع حساب الزمن، كانت الشجرة غريبة بشكل غير منطقي، وحتى لو كان كلام نويا عن 150 سنة صحيحا، فوصول شجرة إلى هذا الحجم أمر شديد الغرابة
«أنا لا… أفهم، إذن…؟»
«لا بأس، أنت بطيء الفهم منذ وقت أطول بكثير من يومين»
«هل نتجاوز الإهانات ونركز، رجاء…؟»
«آه، المعذرة، عادة قديمة»
كان هذا يثير الغضب، لكنني تماسكت وتابعت
«نويا، هل تقول إنه مر 150 سنة منذ وصولك إلى هنا؟ وخلال هذه الفترة أسست طائفة جبل هوا؟ بينما في العالم الذي جئت منه لم تمر إلا بضعة أشهر؟»
«أوه، إذن أنت تفهم الآن»
«لا، لا أفهم إطلاقا»
الزمن يجري بشكل مختلف، هل يعقل أن أكثر من 100 سنة مرت هنا، بينما مرت بضعة أشهر فقط في تشونغيوان؟
لو كان الأمر كذلك…
«…لماذا لم تعد أسرع؟»
إذا كنت وعدت بالعودة بعد بضعة أشهر، فلماذا بقيت هنا كل هذا الوقت؟
عند سؤالي، حك نويا رأسه وهو يبدو محرجا قليلا
«حسنا، لم أستطع العودة، أليس كذلك؟»
«كيف يعني لم تستطع؟»
عقدت حاجبي عند رده
«أنت قلت إن هناك طريقة للعودة»
«لأنني صدقت كلام ذلك الشخص، كيف كان يفترض بي أن أعرف أن الأمر سينتهي هكذا؟»
قطب نويا وجهه وأضاف
«وفوق هذا، أنا دخلت هذه الورطة وأنا أحاول تلبية طلبك، فلماذا تثير كل هذه الضجة؟»
«…»
كان معه حق، ولم أجد ما أقوله
«…أنا آسف»
اعتذرت بصدق، فنظر إلي نويا بتعبير غريب
«حسنا، هذا غير متوقع، كنت أظنك ستبقى وقحا حتى النهاية»
«أنا لست ميؤوسا مني إلى هذه الدرجة، أليس كذلك؟»
«متأكد؟»
«…»
نبرته الواثقة أزعجتني بشدة، هل أنا فعلا سيئ لهذه الدرجة؟
ومع ذلك، 150 سنة مدة مبالغ فيها
كيف يمكن لأي شخص أن يتحمل زمنا لا يمكن تخيله كهذا؟
هل نويا يكذب؟
«لا»
مستحيل، نويا الذي أعرفه ليس من النوع الذي يختلق القصص
إذا كان هذا صحيحا، فهذا يعني أنه أمضى فعلا أكثر من قرن في هذا المكان، وبنى طائفة جبل هوا على صورته
وأنا أفكر، ظهرت مشكلة واضحة في ذهني
«…نويا»
«تكلم»
«…كيف ما زلت حيا؟»
«…هل تدعو علي؟»
«لا، أنا أسأل بجدية»
بعيدا عن السنوات والشجرة غير المنطقية، بقيت المشكلة الأساسية بلا حل
«لقد عشت وقتا أطول من اللازم بكثير»
«إذن أنت فعلا تدعو علي»
«لا، ليس هذا…»
مهما صغتها، كانت تبدو غريبة، لكنني كنت جادا
«هل عاش نويا 150 سنة إضافية في جسده؟»
حسب ما أعرفه، كان عمره يتجاوز 80 سنة، صحيح أن المقاتلين يتقدمون في السن أبطأ ويعيشون أطول، لكن إضافة 150 سنة كاملة؟
والأغرب من ذلك…
«هو يبدو تماما كما كان في المجال الذهني»
مظهر نويا لم يتغير إطلاقا عما رأيته هناك
كيف يحدث هذا؟
«ما زلت تملك جسدا ماديا، ولم تتقدم في العمر، وما زلت هنا، ما الذي يجري؟»
عندما رتبت أفكاري بهذه الصورة، حدق نويا بي بصمت
«همم»
هل كان السؤال صعبا؟ مال رأسه قليلا ثم شرح
«عندما جئت إلى هنا أول مرة، كلمتني جهة ما»
وتابع بنبرة هادئة شارحة
«عرضوا أن يعيروني جسدهم لبعض الوقت»
«…يعيرونك جسدهم؟»
«صحيح»
«من؟»
«تعرف ذلك الشيء الذي كان يزمجر داخلك كل يوم»
«كورونغ…؟»
«آه نعم، اسم مناسب جدا، منك تصرف ذكي»
«شكرا، وأنا أرى ذلك أيضا»
«…»
من خلفي، شعرت بنظرة تشونما علي بتعبير غريب، لكنني تجاهلتها وخاطبت نويا
«إذن تقول إن كورونغ أعطاك جسده؟»
«نعم، وبفضله لم أتقدم في العمر يوما واحدا، واستعملته جيدا»
«…»
لم أستطع استيعاب الأمر
كيف أعار ذلك الكائن جسده لنويا؟
«ذلك الشيء الهائل كان كورونغ»
الوحش العملاق الذي واجهته مع أمي، كان بحجم الشجرة نفسها
إذن…
«ما هو؟»
ما نوع الكائن الذي يستطيع ليس فقط أن يعير جسده لنويا، بل ويسكن داخلي أيضا؟
وفوق ذلك…
«أمي قالت إنها ألصقته بي، فلماذا تقاتلا؟»
ما الذي أدى إلى معركتهما عندما ظهرت أمي فجأة؟
الأسئلة لم تنته
وفي تلك اللحظة
«أيها الزعيم»
جاء صوت من بعيد
«همم»
أومأ نويا نحو صاحب الصوت، كان صبيا صغيرا، صغيرا فعلا هذه المرة، على عكس بقية من رأيتهم هنا
لكن المشكلة كانت…
«…هو أيضا ليس بشريا»
كانت له أذنان وذيل كالحيوانات، مثل أمي
«لقد عدت»
«نعم، هل كنت بخير؟»
«نعم»
ابتسم الصبي ابتسامة مشرقة صافية، ثم تحولت نظرته إلي
مال الصبي رأسه قليلا ونظر في عيني
«من هذا؟ تلميذ جديد أيضا؟»
«لا، هذا بطيء الفهم لدرجة لا تنفع»
«آه، فهمت»
«…ما هذا الكلام الذي يقال في وجهي مباشرة؟»
«أنت لست حتى بشريا، أليس كذلك؟»
«هذا قاس جدا، ألا ترى؟»
هذه المرة آلمتني فعلا، والأسوأ أن الصبي تقبلها بلا أي ردة فعل
«أراك لاحقا إذن، ووداعا أيها الأخ بطيء الفهم»
«بطيء الفهم…»
«ابذل جهدك»
«نعم»
ركض الصبي مبتعدا بعد أن انحنى بأدب
حدقت مذهولا في ظهره وهو يبتعد، وعندها
«هاه»
انطلقت ضحكة مفاجئة في الصمت
التفت، فرأيت تشونما واقفة هناك بتعبيرها المعتاد الخالي
«…هل ضحكت الآن؟»
«لا»
«لكنك ضحكت»
«لم أضحك»
هز رأسه بحزم، لكن هناك شيئا لم يكن طبيعيا، بدا فعلا أنه ضحك
«طق طق… كف عن العبث واتبعني، ما زال عندنا الكثير لنتحدث عنه»
استدار نويا ومشى بخطوات سريعة من دون أن ينظر للخلف، وأنا أراقبه بعابس الوجه وأتمتم
«يضربني ويوبخني ثم يمشي كأن لا شيء حدث، أي بلطجي هذا، كيف يكون حكيم كبير، هو مجرد بلطجي من الحارة»
«على الأقل احتفظ بإهاناتك لنفسك…»
«إذا كنت سأقولها، فلماذا أحتفظ بها لنفسي؟»
«…»
استدار نويا فجأة، فتهيأت لتلقي ضربة جديدة
«حسنا، أنا لست أفضل حالا كثيرا، لكنك أنت أيضا حالة خاصة يا فتى، كل هذا الضرب وما زال لسانك لا يتوقف؟»
«يجب أن أقول ما في قلبي حتى أرتاح»
«حسنا، هذا صحيح»
أومأ نويا كأنه متفق معي، ربما لن أتعرض للضرب هذه المرة
وما إن خطرت الفكرة في بالي حتى انطلق ألم حاد في جمجمتي، وانخفض رأسي بعد ضربة قوية على أعلى رأسي
«ومع ذلك، بعض الأمور تحتاج عقابا»
«…تبّا»
فركت أعلى رأسي وأنا أشتم بصوت خافت، كنت أتوقعها، لكنني لم أستطع تفاديها
«طق طق»
نظرت حولي وأنا ما زلت أداوي رأسي النابض، فوجدت الصبي الذي ركض سابقا يحمل سيفا وسط مجموعة
ورغم أن أشكالهم كانت مختلفة جدا، فإن تقنيات السيف التي يتدربون عليها كانت واحدة
وأنا أنظر إلى تلك المجموعة من الكائنات غير البشرية، سألت السؤال الذي كان يدور في رأسي
«بخصوص ما قلته قبل قليل»
«همم؟»
«قلت إن ذلك الثور كان سابقا على وشك أن يصبح شيطانا، هل تقصد بهذا…»
أشرت إلى تلك الكائنات الغريبة
«…أنهم كانوا سابقا في حالة مشابهة؟»
«…»
صمت نويا للحظة، ولحسن الحظ لم يطل صمته
«صحيح»
«إذن كيف هم هنا بدل أن يتحولوا إلى شياطين؟»
الكائنات الكبيرة في السن والأطفال ذوو الصفات الوحشية لم يبدوا لي شياطين
«ألم يتدمر عالمهم؟»
ظننت أن عالمهم ربما لم يهلك، ولذلك لم يتحولوا إلى شياطين
«لا، كل شيء أُبيد بالكامل»
جاء رد نويا حاسما
«…إذن كيف لم يتحولوا إلى شياطين؟»
«…»
عند سؤالي، مسح نويا لحيته الطويلة، وانعكس في عينيه بلون زهر البرقوق شعور خافت، كان أقرب إلى الشفقة
«يا فتى»
«نعم»
وبينما نمشي، ظهر أمامنا مسكن
كان أصغر وأبسط بناء رأيته هنا حتى الآن
هل هذا مسكن نويا؟
«سألت قبل قليل عن ماهية هذا المكان»
«نعم»
وأثناء توجهه نحو المسكن، بدأ نويا يشرح
«بعضهم يسمي هذا العالم فعل رحمة»
«…رحمة؟»
«نعم، رحمة، من بين أرواح لا تحصى اختفت عوالمها، يتم جلب عدد محدود فقط إلى هنا، لا يتحولون إلى شياطين، بل يستقرون في هذا العالم الآخر ويعيشون»
عند سماع ذلك اتسعت عيناي
كلامه يعني…
«كائنات من عوالم لا تحصى لم ترها من قبل تصل إلى هنا كل يوم، ولهذا تسمى هذه الأرض مانغي، أي العوالم الكثيرة»
العوالم الكثيرة
الاسم يدل على امتزاج عوالم لا حصر لها
«هذا المكان يصل إليه من كان يفترض أن يهلك بالحظ وحده، لذلك يسميه بعضهم رحمة العالم، وآخرون…»
توقف نويا، والتفت إلي، ثم قال كلمة أخرى
«…يسمونه النعيم»
هذه الكلمة بدت مألوفة لي بشكل غريب
«هاها، أليس هذا مثيرا للسخرية؟»
النعيم
هذا كان بالضبط المثال الذي كان شيطان الدم يسعى إلى تحقيقه
في سكون الفضاء، كانت امرأة متكئة قليلا، وعيناها نصف المغمضتين مفتوحتان بخمول
عيناها الجمشتيتان، اللتان تشبهان سماء هذه الأرض ونجومها، والذيول الطويلة الممتدة خلفها، كانت تبث حضورا لا يمكن إنكاره
المرأة، التي كان تنفسها هادئا لكنه مثقل قليلا، كانت تعقد حاجبيها الأنيقين مرارا كأن شيئا يزعجها
أصابعها النحيلة المشابهة لليشم كانت تطرق بخفة على جبهتها المعقودة
«هذا غريب»
انزعاج ثقيل خانق كان عالقا بداخلها
وازداد ضيقها، وتعقد حاجباها أكثر
«لماذا؟»
لماذا تشعر هكذا؟
مصدر قلقها كان وجها رأته قبل وقت غير بعيد
«لماذا يعود إلى ذهني باستمرار؟»
هل لأن هذا وجه لم تره منذ وقت طويل؟
أم لأن ما ظنته ممحوا منذ زمن عاد يبرز بقوة؟
ظنت ذلك، لكنه لم يكن التفسير الكامل
«لا أستطيع فهمه»
ذلك الوجه كان بلا شك لتنين
نوع ارتكب ذنبا، وكسر قوانين الكون، وواجه الإبادة، وتم نفيه من مانغي عقابا
ومع ذلك
«لقد ظهروا من جديد»
كيف يمكن لنوع كهذا أن يظهر في هذه الأرض مرة أخرى؟
كان هذا خارج قدرتها على الفهم
«لا بد أن ملك التنانين ما زال يتلقى عقابه»
ذلك الكائن المتكبر البغيض اختفى عن الأنظار منذ زمن
فكيف حدث هذا الآن؟
والأهم من ذلك
«…هذا مزعج»
من بين فرخي التنين، كان وجه أحدهما بالتحديد باقيا في ذهنها ويثير اضطرابها
تنين بعينين زرقاوين حادتين
فروه الأسود ونظرته الشرسة تركا أثرا واضحا
«لماذا؟»
لم تعرف السبب، لكن وجه ذلك التنين ظل يملأ أفكارها، ويزيد توترها شيئا فشيئا
وبينما كانت غارقة في هذا التفكير ومحبوسة داخل ضيقها
[سيدتي]
ظهر رجل في الفضاء، وجثا أمامها
[لقد عاد القائد]
«…»
عند كلامه، استقامت المرأة قليلا
إذا كان قد عاد، فهل تعني هذه عودة نجاح المهمة؟
هل نجحوا في قتل التنين؟
الفكرة أرسلت رجفة خفيفة إلى صدرها
[لكنه يبلغ أنه لم يستطع تنفيذ إرادتك بسبب تدخل غير متوقع]
«…فهمت»
ارتجفت عيناها ارتجافة خفيفة
«فشل؟ كنت أعتقد أنه سينجح»
[تدخل دخيل وأعاق مهمته]
«…همم»
دخيل
عند هذه الكلمة، اشتد تعبيرها للحظة
في الآونة الأخيرة، صار هذا الدخيل مصدر إزعاج متكرر
«لقد منحتهم رحمتي… فلماذا اختاروا هذا الطريق؟»
كان الأمر محيرا
لقد تبادلوا وعودا متبادلة، وحقق كل طرف رغبة الآخر، فلماذا اختار هذا المسار؟
والأكثر من ذلك، كيف نجح؟
كسر شروط اتفاقهما لم يكن ممكنا، فما الحيلة التي استخدمها؟
وبينما كانت المرأة تغرق أكثر في أفكارها
[ماذا سنفعل؟]
سأل الرجل وهو ينظر إليها
«لست متأكدة»
إجابتها غير المعتادة، المليئة بالتردد، أدهشته بوضوح
[…]
رد فعله كشف صدمته من جوابها المبهم
«أحتاج إلى التفكير في هذا لبعض الوقت»
[…مفهوم]
رغم أسئلته، لم يقل شيئا إضافيا
كلمات سيدته كانت دائما نهائية، وكان واثقا أن هذه المرة لن تختلف
وبثقة ثابتة فيها، انحنى الرجل ولزم الصمت