كان العالم ما زال بلا رياح
كانت الشمس ترتفع ببطء، وكان الشفق القطبي المدهش والموج القرمزي في السماء يخفتان تدريجيا، ويتراجعان وهما يعانقان الضوء المتزايد
وأنا أراقب السماء التي تزداد إشراقا، عبرت ذهني فكرة
“هل يمكن فعلا القول إنهما اختفيا؟”
النجوم التي بقيت بعد انقشاع الليل بدت وكأنها غادرت مكانها
ومع ذلك، كان نهار هذا العالم غريبا مثل ليله
لم يختف الشفق القطبي والنجوم فعليا، بل امتزجا بالسماء نفسها
ومع أن الوقت يفترض أن يكون بين الفجر والظهيرة، فإن السماء هنا لم تكن مثل سماء جونغيوان
“سماء قرمزية؟”
من النظرة الأولى بدت كألوان الغروب، لكن عند التدقيق كان اللون مختلفا في جوهره
كانت سماء لم أر مثلها من قبل
حدقت فيها بصمت، ثم خفضت نظري في النهاية
كان هذا المكان غريبا منذ لحظة وصولي، ومع أن غرابة السماء تضيف غرابة أخرى، لم تكن لدي طاقة لأهدرها في ذلك
فالأمر الأكثر غرابة كان أمامي مباشرة
نظرت إلى الظهر العريض أمامي وتحدثت
“نويا”
“هم؟”
عند ندائي، استدار الشخص الذي يمشي أمامي نحوي
عينان حادتان يختلط بهما لون قرمزي خفيف، وتجاعيد عميقة محفورة في وجهه، وتعابير صلبة كعادته
البطل الأكثر احتراما في جبل هوا، سيف الحكيم، شين تشول
منذ عودتي بالزمن، كان هذا الرجل يقتحم جسدي بلا استئذان، ويمطرني بسيل لا ينتهي من التذمر والانتقاد
في ذلك الوقت كان صوتا على هيئة روح، أما الآن فهو يقف هنا بجسد بشري كامل
“إلى أين نذهب بالضبط؟”
مر أكثر من ساعة منذ بدأنا نمشي بلا هدف واضح
ومع ضيقي من مجرد اتباع ظهره، طرحت سؤالي، فعبس شين نويا وأجاب
“هل لم أقل لك مرارا أصلح طبعك المتعجل؟ لم نمش إلا قليلا وبدأت تتذمر، حقا مزاجك فاسد”
“أنت لم تخبرني حتى بالوجهة، ولو كنت مكاني لصرت تشتم من الآن”
ضربة
“آخ!”
الضربة على أعلى رأسي جعلتني أمسكه تلقائيا
“تتذمر؟ تتذمر؟”
“غخخ!”
شعرت كأن جمجمتي انشقت
ضربة ثانية
“آااخ!”
ضربة أخرى جعلتني أترنح ثم أسقط على الأرض، والألم الذي لا يحتمل عقد أنفاسي، فحدقت في شين نويا بعينين مرتجفتين
“لماذا مرتين؟”
“من قال إنني سأتوقف عند واحدة؟ ماذا؟ تريد واحدة إضافية إذا كنت غير راض؟”
تباً
لم يكتف بأنه يملك جسدا ماديا الآن، بل صار يستطيع ضربي أيضا
“العنف خطأ، تعرف ذلك”
“كلام فارغ”
ضحك شين نويا بمرح واضح
“آه، هذا كان منعشا”
كان صوته راضيا أكثر من اللازم، كأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ زمن
“من زمان وأنا أريد أن أصفعك، يا لها من نعمة أنني أقدر الآن”
“وتقول عني سيئ الطبع، انتظر لا، كنت أمزح!”
عندما رأيت يده ترتفع مرة أخرى، أضفت الجملة الأخيرة بسرعة
أيها العجوز اللعين، لماذا أول ردة فعل عندك هي رفع اليد دائما؟
“إذا كنت كبيرا في السن هكذا، لماذا لا تكبر بهدوء؟”
كان من السهل تخيل كم كان سيئ المزاج في شبابه
وعقدت العزم بصمت ألا أكبر في العمر بهذه الطريقة أبدا
“عيناك تبدوان غريبتين”
“هما هكذا دائما”
“نقطة في محلها”
“حقا؟”
“ما هذا يا فتى؟”
نظرته الحادة جعلتني أخفض رأسي تلقائيا
كان الأمر سخيفا، لكن في الوقت نفسه لم أستطع منع لمحة إعجاب خفيفة
“لم أستطع تفاديها”
لم أقدر على تجنب ضربته، رأيت ذراعه تتحرك، لكن قبل أن أستوعب كنت أتلوى من الألم
“عجوز وحشي”
سواء من طريقته السهلة في التعامل مع ذلك الوحش، أو السيوف الذهنية في السماء، أو القوة الهائلة التي تتدفق منه
لم أستطع منع نفسي من التساؤل هل هو بشر فعلا
“هذا مختلف تماما عما سبق”
في عالم الرياح المتخيل، عندما واجهت شين نويا القادم من عالم آخر، رأيت بصيص أمل
في ذلك الوقت استطعت وضع خطة وانتزاع فوز بصعوبة
“لكن الآن لا يوجد أمل”
حتى مع التقدم الذي حققته، كان شين نويا مثل هاوية لا نهاية لها
“هل يمكن أن أصل إليه؟”
لا
مرت الفكرة في ذهني دون أن أستدعيها
“تس تس”
أصدر شين نويا صوت تذمر وهو ينظر إلي
“إذن ليس وجهك وحده من صار أقبح”
“!”
شعرت وكأنه قرأ أفكاري، فاندفع الإحراج داخلي، وشددت أسناني وأجبرت نفسي على الوقوف
“لا أعرف عما تتحدث”
“همف”
أطلق شين نويا شخيرا خفيفا ثم استدار وبدأ المشي من جديد
تبعت خطواته وقررت تغيير الموضوع
“إذن أنت فعلا لن تخبرني؟”
“هل لم أقل لك سابقا؟ اتبعني بصمت”
“إذا لن تخبرني بالوجهة، فقل شيئا آخر على الأقل”
كنا نمشي بلا نهاية، وقد طرحت أسئلة لا تحصى
أين نحن؟
لماذا أنت هنا بهذه الهيئة؟
ما ذلك الوحش الذي قاتلناه؟
ولماذا بدا وكأنه يعرفك؟
لكن شين نويا كان يجيب دائما بالإجابة نفسها
“سأخبرك عندما نصل”
تنهدت من تكرار الرد
“هذا قاس فعلا”
“لا مفر من ذلك”
أعطى شين نويا أخيرا جوابا أكثر وضوحا، مع أن نبرته كانت متعبة
“إذا لم ننتبه، قد يسمعنا أحد، عيون وآذان هذا المكان في كل مكان”
“ماذا تقصد؟”
“إذا كنت منزعجا لهذه الدرجة، يمكنك المغادرة، لن أوقفك”
“ماذا؟”
كلام شين نويا جعل عيني تتسعان
“وإلى أين أذهب أصلا؟”
“وكيف أعرف؟ أنت لست طفلا صغيرا، هذا ليس شأني”
بمعنى آخر، إذا لم يعجبني الأمر فعلي أن أصمت وأتبعه
“حسنا؟ ماذا ستفعل؟”
ألقى شين نويا نظرة خفيفة إلى الخلف
“…”
المزعج أن لدي جوابا واحدا فقط
مشينا بصمت وقتا طويلا بعد ذلك
لا أنا ولا هو من النوع الذي يتبادل الأحاديث القصيرة، ومع غياب إجابات لأسئلتي لم يبق ما يقال
كم مضى من الوقت ونحن نمشي؟
“نحن على وشك الوصول”
كلمات شين نويا جعلتني أنظر أمامي، لكن
“ماذا يعني على وشك الوصول؟ لا يوجد شيء هنا”
كل ما أراه هو السهل الفارغ نفسه كما كان من قبل
هل يوجد شيء هنا فعلا؟
“هل كانت هنا؟”
بدأ شين نويا ينظر حوله ويفحص المنطقة
ما الذي كان يبحث عنه؟
ركزت بصري أنا أيضا، لكن ما زال لا شيء
ومع ذلك واصل البحث، يتحرك وكأنه يعرف أن شيئا ما موجود
“هم؟”
بدأت أشعر بخفة بشيء ما
لم أعرف ما هو، لكنه كان هناك
“هل يعقل أن يكون؟”
تقدمت خطوة ومددت يدي
ووونغ
كما توقعت، شعرت به عند أطراف أصابعي
“نويا، هل هذا هو؟”
“هم؟”
نظر شين نويا إلى حيث أشرت، ثم عبس
يبدو أنني كنت محقا
“همم، كيف فعلت هذا؟”
“ظهر لي ببساطة”
“ظهر لك؟ لا يفترض أن يكون مرئيا، كيف تمكنت أنت بالذات من رؤيته؟”
بدا فضوله حقيقيا ونظرته مركزة، كأنني فعلت أمرا يفترض أن يكون مستحيلا بالنسبة لي
لذلك أجبته
“سأخبرك عندما نصل”
“تس”
وكرد يماثل كلامي السابق، تنهد شين نويا بضيق
تساءلت هل سأتلقى ضربة أخرى، عند هذه المرحلة ضربة أو ضربتان لن تكونا سيئتين جدا
شددت جسدي واستعددت لتلقي الضربة
“وقح صغير”
لكن بدلا من أن يضربني، اكتفى شين نويا بضحكة خفيفة
ثم رفع يده النحيلة العظمية ومدها نحو الفراغ أمامه
وبمجرد أن تحركت أصابعه، بدأت بتلات البرقوق تتدفق من أطرافها
حفيف
راحت البتلات ترقص في الهواء برشاقة، وعندما لامست الإحساس الغريب الذي كنت أشعر به
تنقيط
تردد صوت قطرة ماء، وبدأ الفراغ أمامنا يتغير
هواااه
“ما هذا؟”
أطلقت شتيمة عند المشهد الذي انفتح أمامي
تموج الفراغ وانشق، وفتح فجوة واسعة
كانت بحجم مثالي ليمر شين نويا من خلالها
حدقت في الفراغ المفاجئ بذهول وتجمدت في مكاني
“هيا بنا”
تقدم شين نويا إلى الفتحة بلا أي تردد
ترددت قليلا وتوقفت
وعندها دخل تشونما، الذي كان يتبعني بصمت إلى جانبي، أولا بلا كلمة
عندما رأيت ذلك، تبعته ودخلت شق الفراغ
شررررك
في اللحظة التي دخلت فيها، اختفت الفتحة الشبيهة بالبوابة
“ما هذا؟”
وأنا أستوعب المشهد أمامي، لم أستطع إخفاء دهشتي
“ما هذا بحق؟”
العالم أمامي كان مختلفا تماما
كنا في سهل قاحل، لا يقطعه سوى بعض الأعشاب النادرة
أما الآن فنحن نقف وسط غابة كثيفة
مع أنني وصلت أول مرة إلى غابة، فإن هذا المكان مختلف
أكثر ألفة بكثير
السماء زرقاء، وحتى الهواء بدا مألوفا
لكن المشكلة كانت
“إنه ثقيل”
في اللحظة التي انتقلنا فيها إلى هذا الفضاء، شعرت أن جسدي صار أثقل
أو بالأدق، شعرت أنه عاد إلى طبيعته
“الخارج كان خفيفا أكثر من اللازم”
وفرة الطاقة في هواء الخارج جعلت جسدي يشعر بالخفة والحيوية
أما هنا فالوضع أقرب إلى ظروف جونغيوان
زقزقة زقزقة طنين
أصوات الطيور والحشرات دغدغت أذني
إذا كانت المنطقة السابقة غارقة في اللاطبيعي، فهذا المكان على العكس طبيعي أكثر من اللازم
“نويا، أين نحن؟”
“يبدو أننا محظوظون في النهاية”
“عفوا؟”
“همم”
أخرج شين نويا زفيرا كأنه ارتاح، ثم استدار نحوي وتحدث
“اتبعني”
وبعدها بدأ يمشي من جديد
كان الأمر نفسه كما قبل، فمشيت معه
“ماذا كنت سأطلب؟ آه صحيح، كنت سأطلب منك عن ذلك المخلوق”
“!”
بعد صمت طويل، بدأ شين نويا يشرح فجأة، وكأن هذا ما كان يقصده منذ البداية
هل كان ينوي فعلا كشف هذا فقط بعد وصولنا إلى هنا؟
رغم المفاجأة، قررت أن أركز وأستمع بعناية
“ذلك المخلوق قائد، ولعلك لاحظت، إنه خشن وعنيف”
“نعم”
كان هذا الانطباع الدقيق عنه، فظ وغير مصقول
حتى حضوره كان يشع بهذه القسوة
“لقد كان كائنا غريبا فعلا”
تذكر قدرته على الكلام ترك داخلي قلقا عميقا، وبينما كنت أفكر، خاطبني شين نويا مرة أخرى
“يا فتى”
“نعم يا نويا؟”
“دعني أسألك، كيف بدا لك ذلك المخلوق؟”
“كيف بدا لي؟”
بشكل طبيعي، أول كلمة خطرت في بالي كانت وحش
لكنني حين هممت بقولها، وجدت نفسي أتردد
وحش
هل يمكن فعلا تسميته بذلك؟ الفكرة نفسها أثارت الشك داخلي
وعندما رأى ترددي، حوّل شين نويا نظره وأكمل كلامه دون أن يبطئ خطواته
“أنت لست مخطئا، بالنسبة لك وبالنسبة لي، تسميته وحشا ليست بعيدة عن الحقيقة”
“هل يعني ذلك أنه ليس وحشا فعليا؟”
“أوه”
عند سؤالي، أومأ شين نويا برأسه إيماءة صغيرة فيها رضا
“يبدو أنك تعلمت استخدام رأسك منذ آخر مرة رأيتك فيها”
“…”
اشتم صراحة أيها العجوز
شحذت أسناني وكتمت ما يدور في رأسي
“إذا قلت إنه ليس وحشا فلن تكون مخطئا، لكن هذا ليس الجواب الكامل أيضا”
“لا أفهم تماما”
إذا كان كذلك فهو كذلك، وإذا لم يكن فهو ليس كذلك، هذا الرد الملتبس أربكني أكثر
“همم، دعني أقولها هكذا”
وبينما يتكلم شين نويا، عقدت حاجبي بعد أن لاحظت شيئا في البعيد
“إنها كائنات كادت أن تصبح وحوشا، هكذا أصفها”
“كادت أن تصبح؟”
“نعم، كائنات كانت على وشك التحول إلى وحوش، والقائد مثال قوي جدا بينها، قوي بما يكفي ليجذب انتباهها ويتلقى سلطتها”
تجمدت في مكاني
سلطتها
تلك الكلمة احتكت بأذني بشكل مزعج
“سلطة؟”
“نعم، يمتلك شيئا يسمى السلطة، ومع أنه يسمي نفسه ذا عمر طويل، فأنا أراه إزعاجا أكثر من كونه شيئا أبديا حقا”
“…”
“على أي حال، هذا ليس الأهم، من نظرة عينيك أنت فضولي بشأن شيء آخر تماما، صحيح؟”
“أنت محق”
أين هذا المكان؟
إلى أين جلبنا أنا وتشونما؟
هذان كانا السؤالين الأكثر إلحاحا، كما قال شين نويا تماما
ظننت أنه سيشرح أخيرا، لكن
“لتفسير ذلك، عليك أن تستمع جيدا”
بالطبع لا
“كما قلت، القائد كان كائنا كاد أن يصبح وحشا”
“نعم”
“والآن يا فتى، أخبرني، ما الوحوش برأيك؟”
“عفوا؟”
سؤاله فاجأني، فالتفت إليه
كان شين نويا يراقبني بنظرة جادة
لم يكن يمزح، لذلك أخذت السؤال بجدية وأجبت
“كائنات تظهر عبر بوابة ماجيونغ، هذا ما أعتقده”
“صحيح”
“…”
هل يفترض أن أشعر بالرضا لأنني أجبت إجابة صحيحة؟ بدلا من ذلك شعرت بالضيق
ما فائدة سؤال واضح إلى هذه الدرجة؟
وعندما عبست في وجهه، واصل شين نويا
“إذن من أين تظن أن هذه الوحوش تأتي؟”
“من خلف بوابة ماجيونغ طبعا”
“صحيح أيضا، لكن إذا تعمقت أكثر تتغير القصة، أليس كذلك؟”
“تتغير؟”
“ما الذي تعنيه بوابة ماجيونغ فعلا؟ وما الذي يوجد خلفها فينتج هذه الوحوش؟ هذا ما أقصده”
“…”
ضيقت عيني
بوابة ماجيونغ والوحوش
لم أفكر فيهما بعمق من قبل
كانت البوابات موجودة منذ ما قبل ولادتي، وصيد الكائنات التي تعبر منها كان أمرا بديهيا
لكن كيف يرتبطان فعليا؟
“لست متأكدا”
لم يكن لدي جواب، وبينما أفكر، تكلم شين نويا
“الوحوش، كما ترى”
توقف لحظة، وكانت نبرته ثقيلة
“هي بقايا عوالم هلكت بالفعل”
“!”
“كائنات فقدت سادتها ثم محاها الحكام الجدد الذين حلوا محلهم، هذا هو معنى الوحوش”
“هذا يعني”
“العالم الذي يفقد سيده يستقبل سيدا جديدا، ومع ذلك يمحو كل الكائنات الحية التي كانت فيه، والآن أين تذهب تلك الكائنات التي جرى محوها؟”
حدقت في عينيه
“الإجابة بسيطة”
كان صوت شين نويا ثقيلا وباردا كالجليد