تناثرت بتلات الزهور
كانت البتلات تطفو برفق في الهواء، وفجأة امتلأ أنفي بعطر أزهار البرقوق
كان العطر زكيا وهادئا
قد يبدو وصف الرائحة بأنها هادئة أمرا غريبا، لكن هذا بالضبط ما شعرت به
تحت ضوء القمر ازدادت البتلات كثافة، وكان عددها يرتفع تدريجيا
وكانت البتلات تتمايل بنعومة مع ريح غير موجودة، وكانت جميلة بلا شك
“…لكن لا توجد ريح”
والغريب أنه لم تكن هناك حتى أضعف نسمة
تثبتت نظرتي على صاحب هذه الأزهار، وحدقت به بصدمة
“كيف؟”
كيف بحق السماء—
لماذا فعلا—
“…ذلك العجوز هنا؟”
ما الذي يفعله ذلك الرجل في هذا المكان؟
لا، وجوده هنا مسألة، لكن السؤال الأهم هو—
“لماذا… لماذا أستطيع رؤيته؟”
لماذا كان ظاهرا أمامي؟ هذا كان أكثر ما أربكني
كنت أرى هيئته، وهو أمر لم يكن يفترض أن أقدر عليه
وبملامح مذهولة، اكتفيت بالتحديق في وجه العجوز
“تس، تس”
نقر العجوز بلسانه وهو ينظر إلي
“أيها الأحمق، ما زلت قبيحا كما كنت، حتى بعد كل هذا الوقت”
“…”
تجهمت من الإهانة المألوفة
ونظرت إلى ردائه القتالي الأبيض المميز، المزين بزهرة برقوق مطرزة فوق صدره، ثم تحدثت
“شين نويا”
عجوز بعينين حادتين توحيان بمدى نفاذهما في شبابه، وشعر أبيض، ولحية منسدلة
شين نويا
بطل تشونغيوان، والسيف السامي لجبل هوا، شين تشول
كان واقفا أمامي
وعند ندائي له، بدأ العجوز الذي كان رداؤه القتالي يرفرف في هواء بلا ريح، يهبط ببطء من الأعلى
كنت أتساءل كيف كان يطفو، ثم لاحظت بتلات البرقوق تحت قدميه
بدا وكأنه كان واقفا فوق تلك البتلات الصغيرة
وحين هبط شين نويا بهدوء على الأرض، تفتحت البتلات عند قدميه في اندفاع مفاجئ
هوااااه—!!!
حملت نسمة قوة طاقته، فتطاير شعري
كنت أشعر بها، لم تكن ريحا طبيعية، بل ريحا صنعتها الطاقة وحدها
ومن حيث الشدة وحدها، كانت أقرب إلى نسيم خفيف
لكن البتلات التي كانت تتحرك حتى بلا ريح، بدأت ترقص الآن بحيوية أكبر
لسحظة قصيرة، خطفت البتلات انتباهي
حتى في هذا الموقف، كانت آسرة لدرجة تسمر النظر
لكني تمالكت نفسي وسألت شين نويا
“نويا… لماذا؟”
وقبل أن أكمل سؤالي، قاطعني صوت
“[أيها الدخيل]”
قاطعني ذلك الكائن الذي قدم نفسه على أنه الزعيم
“[لماذا تعطل هذه المراسم التقليدية المكرمة؟]”
وعند كلمات الزعيم، حول شين نويا نظره إليه
“من الذي قال لك أن تثير كل هذا الضجيج حتى لا يجد عجوز نومه خفيف أي راحة؟”
“[هذا بأمر من السيد]”
“طبعا بأمره، وإلا فأنت كتلة كسولة لا تخرج في مثل هذا الوقت، أم أنني مخطئ؟”
وظهرت ابتسامة ماكرة على وجه شين نويا وهو يكمل
“أم لأنك جبان لدرجة أنك لا تجرؤ على الخروج إلا في أمان الليل؟”
“[…]”
نفث الكائن زفيرا غاضبا، واتسعت فتحات أنفه وهو يخرج نيرانا حادة
بدا أنه انزعج من كلمات شين نويا
“[أيها الدخيل، ألم تقطع وعدا للسيد؟]”
بووم
ضرب الكائن بالفأس التي يحملها الأرض، فارتفعت سحابة من الغبار
“[وعدت ألا تتدخل فيما يفعله]”
رغم هذا الانفعال العنيف، لم يرمش شين نويا حتى
“صحيح، فعلت”
ثم فك يديه اللتين كانتا مستريحتين بهدوء خلف ظهره
“لكنني متأكد أنني أضفت شيئا إلى ذلك الوعد وقتها”
“[أضفت شيئا؟]”
“نعم، شيئا واحدا”
هواااه—!
تحركت بتلات البرقوق العالقة في الغبار الدائر بانشغال من جديد
“قلت إنني لن أتدخل ما دام لا أحد يزعجني، ألم أقل ذلك بوضوح؟”
“[لا أفهم]”
ضيقت عينا الزعيم الصغيرتان في حيرة
“[أيها الدخيل، نحن لم نزعجك]”
“بل فعلتم، انظر”
سويش
“…!”
وفجأة شعرت بشيء يتحرك عند ذراعي
انحل الحبل الذي يربط غوي جونغ بذراعي اليسرى، واندفع نحو شين نويا
وأثناء طيرانه، تحول غوي جونغ الذي كان أزرق داكنا، تدريجيا إلى قرمزي
وكان ذلك لونه الأصلي
استقر غوي جونغ في يد شين نويا وتحول إلى هيئة سيف
وفي اللحظة التي وصله فيها، وجه شين نويا رأس السيف نحو الزعيم
“حتى والسيف مصوب عليك، لا تشعر بأي شيء، صحيح؟”
“[…]”
“هل يبدو لك هذا أنني كسرت اتفاقنا؟”
وبينما كان الزعيم يحدق في طرف السيف القرمزي، صار شخيره أثقل ونفسه أشد
“[لا أفهم]”
دق، دق
سحب الفأس المغروس في الأرض
وفي الوقت نفسه، تموجت عضلات الزعيم المنتفخة بعنف
“[لكنني أفهم هذا، أيها الدخيل]”
“تكلم”
“[أنت الآن تعرقل إرادة السيد، ولهذا سيتم التعامل معك]”
“همم”
وعند تلك الكلمات
“يا لها من طرفة”
ضحك شين نويا بخفة
“أنت؟ ستتعامل معي؟”
“[كو هو هو هو—!]”
اندفع الزعيم إلى الأمام
بووم—! كوانغ—!!
صرييخ—!!
كان القتال أمام عيني مستحيلا أن أصرف نظري عنه
وأطلق اصطدام الفأس بالسيف جمرا متناثرا نتج عن الاحتكاك
وبين كل ضربة وضربة، كان الضغط يتصادم ويصنع موجات صدمة متواصلة
وشقت الفأس الهواء مرة أخرى
كوووونغ—!!!
حين ضربت الأرض، تشققت الأرض فورا، وانتشرت التصدعات في كل اتجاه
مجرد رؤية هذه القوة التدميرية كانت كافية لتجعل جلدي يقشعر
ومع ذلك، لم تكن حتى ضربة بكامل القوة
سحب الزعيم الفأس في الحال، وبدأ يلوح بها من جديد
“هذا جنون فعلا”
هذه القوة ليست مزاحا
كل ضربة كانت قاتلة إذا أصابت
حتى مع تدعيم الطاقة للدفاع، لا أتخيل أنني سأتحمل أكثر من ثلاث ضربات متتالية
القوة الكاسحة كانت طاغية ووحشية
“همف”
ومع ذلك، العجوز الواقف أمام تلك الفأس، شين نويا، لم يظهر على وجهه أي أثر للضغط
صليل—! صليل، صليل—!!
بغوي جونغ، صد وابل الهجمات، ودفع الفأس إلى الأعلى
فاندفعت موجة ضغط الهواء، وحلقت الفأس نحو السماء
وسعت عيني بعدم تصديق
دفع تلك القوة الهائلة إلى الأعلى بضربة واحدة؟ قوة القبضة المطلوبة لهذا شيء غير منطقي
“[كوهونغ!]”
حاول الزعيم الهبوط بضربة أشد، لكن—
ششق—!!
“[غورك!!]”
شق سيف شين نويا صدر الزعيم
وتناثر الدم في الهواء كضباب قرمزي
لم يكن جرحا سطحيا، بل قطع عميق كاد يشطر جسده نصفين
شلورب
“تس”
لكن قبل أن ينفصل الجسد تماما، عاد فالتحم من جديد
هذا المنظر المقرف جعل أنفاسي تختنق، و—
“[كوحوهو…!! أيها اللعين!!]”
زأر الزعيم بغضب، وصب قوة أكبر في فأسه
فوووش—!
ابتلعت النيران السلاح كله
كانت شدة الحرارة محسوسة بوضوح، واستطعت فورا تقدير مدى تكثف النار
وووش—!!
بدأ الهواء المحيط ينجذب تدريجيا نحو الفأس
“[كل هذا يجري كما يريد السيد]”
كيااااه—!!!
ومع هذه الكلمات، كشفت الوحوش القريبة أنيابها
هل كانوا ينوون الهجوم على شين نويا؟ لا عجب أنهم كانوا صامتين
عبست وجمعت طاقتي
لا يمكن أن أقف متفرجا بلا حراك
وفي تلك اللحظة—
“لا تتدخل”
قال شين نويا ذلك بنبرة خفيفة، كأنه مستمتع
“مر وقت طويل منذ استمتع هذا العجوز قليلا، فلا تفسدها”
“…عفوا؟”
“يا فتى، دع عجوزا يستمتع بلحظته، أما لديك أي ذوق؟ تس، تس”
“…”
أي كلام هذا في مثل هذا الموقف؟
تطلعت إلى ظهره بعدم تصديق، وأنا عاجز عما أقوله، وعندها—
“الإزهار الكامل”
تمتم شين نويا بصوت منخفض
سااااه…
بدأت بتلات البرقوق الطافية تتحرك
ثم—
البتلات الجميلة التي كنت أتأملها قبل قليل، تحولت إلى مشهد من الجحيم
شييييينغ—!!!
دارت البتلات التي ملأت السماء بعنف كعاصفة
والمشكلة—
“[كيااه!!!]”
“[غرااار—!!]”
شرررريب—!!
انهالت بتلات لا تحصى على الوحوش مثل المطر، ومزقتهم تمزيقا
اخترقت البتلات أجساد الوحوش ومزقتها بلا رحمة
عندما أستخدم لهب اليشم، أمحو أعدائي بلا أثر
لكن هذه البتلات مختلفة
كل واحدة منها كانت مثل شفرة حادة، تشق اللحم كأنها تتعمد كل جرح
تناثر الدم، وتبعثرت شظايا العظام واللحم على الأرض
لم يستغرق الأمر سوى ثوان حتى خمدت صرخات الوحوش، وانطفأ عداؤها
الساحة، إن كان يصح تسميتها ساحة، كانت مغمورة بالدم
المناطق النظيفة الوحيدة كانت حيث يقف شين نويا والزعيم، والمكان الذي أقف فيه مع تشونما
وما عدا ذلك كان كله مغطى بالدماء
وعندما رأيت هذا، ابتلعت ريقي بصعوبة
بقاء بعض المناطق بلا مساس يعني أنه حتى وسط هذا الذبح، كان شين نويا يضبط مدى وصول البتلات
وأن يدير هذه الدقة كلها وهو يتحكم بهذا الحجم الهائل من الطاقة؟ هذا مستحيل بالنسبة لي
“حتى لو كان التحكم بلهب اليشم صعبا…”
ضغط الطاقة وتدويرها وتكثيرها مع الحفاظ على التحكم—
القتل الجماعي بلهب اليشم وحده تحد كبير
“لكن تقسيم الطاقة بهذا الصغر والتحكم بها جنون”
بتلات البرقوق المصنوعة بالكامل من الطاقة—
صقل الطاقة واستخدامها على هذا المستوى الدقيق يفوق الاستيعاب
كانت هذه ساحة قتال بمهارة لا نظير لها
“أخيرا، بعض الهدوء”
أومأ شين نويا برضا وسط السكون الذي صنعه
“[كوحوهوهو—!!! هنغغ!!]”
الزعيم، وقد فقد قواته، كان يغلي غضبا
انتفخت عضلاته، وبرزت عروقه، ولوح فأسه المغطى بالنار نحو شين نويا مرة أخرى
“هل أنت متأكد من هذا؟ الليل سينتهي قريبا”
“[…!]”
وعند تلك الكلمات، تجمد الزعيم لحظة
“الليل؟”
أنا أيضا رفعت بصري إلى السماء
وبالفعل، كانت أكثر سطوعا من قبل
“حين تشرق الشمس، لن تقدر حتى على التظاهر أمامي، هل ما زلت تريد الاستمرار؟”
“[غررر… غرررر….]”
ما هذا؟
كنت أشعر بتردد الزعيم بعد كلمات شين نويا
“يا وحش اكتمال القمر، أنا أحترم وفاءك لسيدك، لكن معرفة حدودك مهمة أيضا، ما رأيك؟”
“[…]”
كان كلام شين نويا يوحي بأنه مستعد لترك الزعيم ينسحب
“[أنت من لا يعرف حدوده، أيها الدخيل]”
سحق الزعيم تردده، وأحكم قبضته على الفأس مرة أخرى
“[السيد أمرني بقتل التنين الوضيع، وأنا أطيع، لا ليل ولا نهار لهما معنى في هذه المهمة]”
“همم”
“[سأقتلك أنت والتنين، هذا كل شيء]”
“هكذا إذن؟”
“[مت—!!]”
لوح الزعيم فأسه، وأطلق دفعة نار اندفعت نحو شين نويا
لكن—
“لماذا…؟”
لماذا لا يتحرك ذلك العجوز؟
بهذا الشكل قد يتعرض شين نويا للخطر فعلا
كنت على وشك الانطلاق، وعندها—
“[…كوهونغ!]”
صرير—!
توقف الفأس فجأة أمام شين نويا مباشرة
وانفجرت الطاقة والنيران المجمعة في الفأس إلى الخارج في كل الاتجاهات
كوااااه—!!!
أجبرت الحرارة الحارقة وجهي على التجهم
لو تقدمت الضربة أكثر قليلا فقط، لانشطر رأس شين نويا
لماذا توقفت الضربة؟
وبينما كنت أفكر، سحب الزعيم فأسه وتراجع خطوة إلى الخلف
وعندما رأى ذلك، ابتسم شين نويا بسخرية
“يبدو أنهم استدعوك عائدا إلى مقرك”
“[…]”
لم يرد الزعيم، لكن صمته أكد كلام شين نويا
“لا تقلق، لن أوقفك، انصرف بسلام”
“[غررر….]”
أطلق الزعيم هديرا منخفضا بضيق، ثم أدار ظهره
وأثناء مغادرته، قال
“[أيها الدخيل، أنت محظوظ، اشكر سماح السيد]”
“أوه، سأفعل، وتأكد أن تشكره عني”
“[غرررر….]”
لوح الزعيم فأسه فشق الهواء، وانفتحت بوابة ماغيونغ جديدة
دخل الزعيم فيها، وبدأت البوابة تنغلق
وقبل أن تنغلق تماما، حول نظره إلي مباشرة
“[أيها التنين، في المرة القادمة سأقتلك]”
كانت كلماته موجهة لي، فعبست
“ما هذا الهراء الذي تقوله؟ اختف أيها الوحش الغبي”
“[أنت—!]”
وقبل أن يكمل، انغلقت بوابة ماغيونغ بالكامل واختفت
في السكون المفاجئ، كان شين نويا أول من كسر الصمت
“هه، لسانك ما زال قذرا كما كان”
تنهد شين نويا وهو يرمي غوي جونغ نحوي
طاخ
التقطتها غريزيا، وفور أن أمسكتها التف غوي جونغ حول ذراعي من جديد، وعاد لونه أزرق
“استخدامه بعد كل هذا الوقت لم يكن سيئا، بل كان شعورا جيدا”
كان صوته يحمل شيئا من الحنين
راقبته وأنا أعض شفتي
ما الذي يجب أن أسأله أولا؟
لماذا هو هنا؟
وأين نحن أصلا؟
وكيف يستطيع أن يظهر بهيئة مادية واضحة هكذا؟
هل أطلب منه شرحا عاما؟
تدافعت الأسئلة في رأسي، لكن أول ما خرج من فمي كان—
“لماذا بقيت ساكنا؟”
سألته عن القتال قبل قليل
“همم؟”
نظر إلي شين نويا وكأنه مستغرب
“قبل قليل، لماذا بقيت ساكنا؟ كان الأمر خطيرا”
“بقيت ساكنا؟ من؟”
“أنت يا نويا…”
“آه، تس، تس”
نقر بلسانه بحدة عند كلامي، وعلى وجهه ملامح ضجر واضح
“يا ولد، كيف بقيت عيناك عمياء هكذا حتى الآن؟”
رفع يده وأشار إلى السماء
تبعت إشارته فتحولت نظرتي إلى الأعلى
“ما…؟ ها!”
تجمد جسدي وأنا أنظر
حينها فقط رأيتها
ثلاثة سيوف هائلة تخترق الغيوم والنجوم
مجرد النظر إليها كان كافيا لأشعر بالطاقة الطاغية المنبعثة منها
كانت سيوفا ذهنية، تراكيب من طاقة خالصة وإرادة صافية
كان المشهد مزلزلا
حتى قلبي ارتجف من مجرد النظر إليها
مقارنة بقبضاتي الذهنية أو بسيوف الآخرين، كانت هذه في مستوى مختلف تماما
كانت تجسد شيئا أعمق بكثير وأعلى درجة
“ظننت أن الأمر خطير؟”
عند صوت شين نويا، أعدت نظري إليه
كان ما يزال يبتسم
تلك الابتسامة—
“على من؟”